“الأكل وين؟”.. الجوع يثقل كاهل أسر الخرطوم

أفق جديد

في الخرطوم، لم يعد الجوع نتيجة مباشرة للحرب وحدها، بل أصبح الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وجهًا آخر للأزمة؛ فمع ارتفاع أسعار السلع وتذبذب سعر الصرف، تجد أسر كثيرة نفسها أمام معادلة قاسية: دخل يتآكل يومًا بعد آخر، ووجبة غذائية تزداد كلفة الحصول عليها.

وبينما تحذر الأمم المتحدة من اتساع أزمة الجوع في السودان، وتواجه برامج الإغاثة نقصًا حادًا في التمويل يهدد بتقليص المساعدات خلال أسابيع، يطرق سكان في الخرطوم وبحري وأم درمان أبواب المطابخ الخيرية بحثًا عن وجبة تسد جوع أسرهم.

ويواجه نحو 19.5 مليون سوداني مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يحتاج ملايين آخرون إلى مساعدات إنسانية وسط استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

وفي العاصمة الخرطوم التي تحاول استعادة حياتها بعد سنوات من الحرب، تبدو الأسواق مفتوحة، لكن القدرة على الشراء تتراجع؛ فالمشكلة لم تعد في توفر الطعام وحده، وإنما في قدرة الأسر على دفع ثمنه.

وتزايدت مؤشرات اقتراب السودان من أزمة إنسانية أكثر خطورة، بعدما أطلقت منظمتان تابعتان للأمم المتحدة تحذيرين متزامنين من أن نقص التمويل يهدد بتقليص المساعدات الغذائية وانهيار أحد أهم أنظمة إيصال الإغاثة خلال أسابيع، في بلد يعاني فيه نحو 20 مليون شخص من الجوع الحاد.

وحذرت المنظمة الدولية للهجرة، من أن “خط الإمداد الإنساني المشترك” الذي تديره لإيصال المساعدات إلى السودان، وتستخدمه أكثر من 100 منظمة غير حكومية محلية ودولية، قد ينهار خلال أسابيع إذا لم يتوفر تمويل جديد.

وقالت المديرة العامة للمنظمة، آمي بوب، في بيان من جنيف: “قد ينهار النظام الإنساني بأكمله خلال أسابيع إن لم نتحرك الآن”، محذرة من أن غياب التمويل يعيق إيصال المساعدات إلى المناطق التي تتعاظم فيها الاحتياجات.

الجوع كافر

ويقول مواطن لـ”أفق جديد”: “أحيانًا نصحى الصباح وما عندنا حاجة نطبخها. الأسعار بقت فوق قدرتنا، والمرتب ما بكفي أسبوع. مرات نمشي المطبخ الخيري عشان نلقى وجبة، ولو ما لقيناها بنقعد لحدي الليل من غير أكل”.

من جانبها تقول سيدة من الخرطوم: “أصعب حاجة بالنسبة لي لما الأولاد يسألوا: الأكل وين؟ مرات ما بكون عندي إجابة. بنحاول نقلل الوجبات ونخلي الموجود للصغار، وفي أيام المطابخ الخيرية بتكون هي الحل الوحيد”.

بدوره يقول مواطن من بحري: “الجوع بقى حاجة بنعيشها يوميًا. لو عندك قروش بتشتري أكل، ولو ما عندك بتفتش عن مطبخ خيري. مرات نمشي مسافة طويلة عشان نلقى وجبة، ونرجع بها للبيت نقسمها بين أفراد الأسرة”.

في الأثناء تقول أم لأربعة أطفال: “كنت زمان أقدر أوفر ثلاث وجبات لأولادي، هسي بقينا نحسب اللقمة. مرات تكون الوجبة فول أو عدس ونقسمها على الأسرة كلها، وإذا ما كفتينا بننتظر اليوم البعده”.

تقليص العمليات

وفي تحذير متزامن، قال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو، إن البرنامج قد يضطر إلى تقليص عملياته في السودان بصورة كبيرة خلال الأسابيع المقبلة بسبب نقص التمويل، رغم ما وصفه بأنه “أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم”.

وأطلق سكاو تحذيره من مسقط في سلطنة عُمان، عقب زيارة استمرت ثمانية أيام شملت الخرطوم والأبيض والفاشر وطويلة، واطلع خلالها على أوضاع النازحين والجوع وصعوبات إيصال المساعدات إلى مناطق النزاع.

وقال إن نحو 20 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، بينهم نحو 5 ملايين يواجهون مستوى “الطوارئ” من انعدام الأمن الغذائي، وفق المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، فيما بلغ عدد الموجودين في المرحلة الخامسة، وهي الأشد خطورة، نحو 200 ألف شخص. ويصل عدد النازحين إلى 14 مليونًا.

ويقدم برنامج الأغذية العالمي مساعدات إلى ما بين 4 و5 ملايين شخص شهريًا، بينهم نحو 2 إلى 2.5 مليون في مناطق يصعب الوصول إليها، لكن نقص التمويل بات يهدد استمرار هذه العمليات.

 

وأضاف سكاو: “عملياتنا تعاني نقصًا شديدًا في التمويل، وهناك خطر بأن نضطر إلى تقليصها بصورة كبيرة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ما لم يتوفر مزيد من التمويل”.

طعام التكايا

يقول مواطن من أم درمان لـ”أفق جديد”: “الحرب ما أخذت منا البيوت والأمان بس، أخذت القدرة على توفير الأكل. في أيام ما بنلقى غير وجبة واحدة، ولما تتوفر تكية أو مطبخ خيري بنمشي ليها لأنها بتساعدنا نعدي اليوم”.

من جهته يقول نازح يقيم في أم درمان لـ”أفق جديد”: “من يوم جينا أم درمان ونحن معتمدين على مساعدة الناس. ما عندنا دخل ثابت، والأسعار كل يوم بتزيد. المطابخ الخيرية بالنسبة لينا ما رفاهية، أحيانًا هي الوجبة الوحيدة البتضمن إن الأسرة تاكل”.

بدورها تقول سيدة من أم درمان: “أحيانًا أقعد أفكر: نشتري الدواء ولا نشتري الأكل؟ وفي النهاية نختار الأكل لأن الأطفال ما بقدروا ينتظروا. لما نسمع إن في مطبخ خيري بيوزع وجبات، بنمشي من الصباح ونقف في الصف، وما بنحس بالحرج لأننا كلنا بقينا محتاجين”.

وتضيف لـ”أفق جديد”: “بقينا نعتمد على المطابخ الخيرية في بعض الأيام”، وأشارت إلى أن أن ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل جعلا توفير الطعام لأسرتها “معركة يومية”.

أزمة تمويل

ويتقاطع تحذير برنامج الأغذية العالمي مع أزمة التمويل التي تواجه المنظمة الدولية للهجرة، التي تدير “خط الإمداد الإنساني المشترك”، وهو نظام لوجستي يتيح لأكثر من 100 منظمة غير حكومية إدخال المساعدات غير الغذائية، بما فيها الخيام ومستلزمات الإيواء والصرف الصحي والأدوات المنزلية الطارئة.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، أوصل النظام مساعدات إلى نحو 2.84 مليون شخص، لكن تراجع التمويل أدى إلى انكماش حاد في نطاق المستفيدين، من أكثر من مليون شخص في 2024 إلى نحو 330 ألفًا فقط خلال العام الحالي.

وحذرت المنظمة الدولية للهجرة من نفاد مخزونات الملاجئ ومواد الصرف الصحي والأدوات المنزلية المخصصة للإغاثة الطارئة بحلول نهاية سبتمبر الحالي، ما لم تحصل على دعم فوري من المانحين.

وقالت إن استمرار تعرض النازحين للظروف الجوية القاسية والأمراض وانعدام الأمن قد يزيد مخاطر العنف ويعمق هشاشتهم.

وتظهر آثار نقص التمويل بالفعل في بلدة طويلة بشمال دارفور، حيث يقترب عدد الموجودين فيها من مليون شخص.

وقال سكاو إن برنامج الأغذية العالمي يقدم المساعدات لنحو 950 ألف شخص شهريًا في طويلة، لكنه لا يستطيع توفير سوى نصف الحصة الغذائية، بما يكفي لنحو أسبوعين فقط من كل شهر.

وأضاف أن المنطقة تضم أعدادًا كبيرة من الأسر التي تعيلها نساء، فقدت كثير منهن أزواجهن وأبناءهن، في ظل نقص حاد في المأوى والرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية.

وبينما تتحدث التقارير الدولية عن ملايين يواجهون الجوع، تبدو الأزمة في الخرطوم أكثر قربًا من تفاصيل الحياة اليومية: أسرة تقلص عدد وجباتها، أمّ تؤثر إطعام أطفالها على نفسها، وأب ينتظر أمام مطبخ خيري لأن دخله لم يعد يكفي لتأمين الطعام.

ومع تراجع قيمة العملة وارتفاع كلفة المعيشة، يتحول المطبخ الخيري من مبادرة طوعية إلى شريان بقاء لعدد متزايد من الأسر. لكن هذه المطابخ نفسها تعتمد على تبرعات محدودة، ما يجعل قدرتها على سد فجوة الغذاء مرتبطة بقدرة المجتمع والجهات الإنسانية على الاستمرار في التمويل.

وفي الوقت الذي يحذر فيه برنامج الأغذية العالمي من تقليص عملياته بسبب فجوة التمويل، فإن أي تراجع في المساعدات لا يعني مجرد انخفاض أرقام المستفيدين، بل قد يعني وجبات أقل على موائد أسر أنهكها الحرب والغلاء.

وهكذا، لا يقف السودان أمام أزمة غذاء فحسب، بل أمام سباق مع الوقت: كلما ارتفعت الأسعار وتراجعت قيمة الجنيه وتقلصت المساعدات، اقتربت أسر جديدة من الوقوف في طوابير المطابخ الخيرية بحثًا عن وجبة قد تكون وجبتها الوحيدة في اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى