الجوع إنذارًا لمستقبل الدولة!

حاتم أيوب أبو الحسن
من إدارة أزمة الغذاء إلى حماية قدرة السودان على إنتاج غذائه لم يعد الجوع في السودان مجرد نتيجة إنسانية للحرب، ولا الأمن الغذائي ملفًا يمكن ترحيله إلى اليوم التالي للسلام. ما يحدث أخطر من ذلك، فالحرب لا تستهلك مخزون الغذاء فحسب، وإنما تستنزف القدرة التي تنتج الغذاء أصلًا.
وهذه هي النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها.
فالمجاعة لا تبدأ عندما تختفي الحبوب من الأسواق، وإنما عندما يفقد الإنسان القدرة على الوصول إليها. تبدأ حين يفقد المزارع أرضه أو أدواته، وحين يصبح الموسم الزراعي رهينة للأمن والوقود والتمويل، وحين تضطر الأسرة إلى بيع ماشيتها أو ممتلكاتها لتشتري الطعام، وحين يتحول النزوح من حالة مؤقتة إلى نمط حياة، وحين تصبح الطرق والأسواق جزءًا من معادلة الحرب.
لذلك فإن السؤال الأكثر إلحاحًا لم يعد كم عدد السودانيين الذين يحتاجون إلى الغذاء اليوم؟
بل كم بقي من قدرة السودان على إنتاج غذائه غدًا؟
المؤشرات الدولية المنشورة خلال سبتمبر 2026 تؤكد أن السودان يواجه واحدة من أشد أزمات الغذاء في العالم، مع استمرار مخاطر المجاعة في مناطق محددة، واتساع انعدام الأمن الغذائي الحاد، ومخاوف بشأن الإنتاج الزراعي المرتبط بالصراع وشح الأمطار ونقص المدخلات. وفي المقابل، تتراجع الموارد المتاحة للاستجابة الإنسانية في الوقت الذي تتزايد فيه الاحتياجات.
لكن الأرقام، على ضخامتها، لا تكشف وحدها جوهر الأزمة.
فالحرب لم تعطل وصول الغذاء فقط؛ لقد عطلت دورة الغذاء بأكملها.
المزارع الذي نزح لم يزرع، والأرض التي أصبحت منطقة قتال خرجت من الإنتاج، والآلة الزراعية التي تعطلت أو فُقدت لم تعد إلى الحقل، والوقود الذي ارتفعت تكلفته رفع تكلفة كل شيء، والطريق الذي أصبح غير آمن فصل مناطق الإنتاج عن الأسواق، والتاجر الذي فقد رأس ماله انسحب من السوق، والأسرة التي استهلكت مدخراتها لم تعد قادرة على شراء الغذاء.
ثم تأتي الماشية، ذلك المخزون الصامت الذي يمثل بالنسبة لكثير من الأسر السودانية غذاءً ودخلًا وادخارًا في آن واحد. عندما تموت الماشية أو تُباع اضطراريًا، لا تخسر الأسرة وجبة اليوم فقط، بل تخسر جزءًا من قدرتها على مواجهة الغد.
وهكذا تنتقل الأزمة من أزمة غذاء إلى أزمة قدرة على إنتاج الغذاء.
وهذا التحول هو الأخطر.
فالمساعدات تستطيع أن تنقذ حياة إنسان اليوم، وهذا أمر لا جدال فيه، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة المزارع إلى أرضه، ولا إصلاح الآلة الزراعية، ولا إعادة القطيع، ولا فتح الطريق التجاري، ولا إعادة بناء السوق.
ولهذا فإن السودان يحتاج إلى مسارين متوازيين: منع الموت جوعًا الآن، ومنع إنتاج الجوع مستقبلًا.
والخطأ الأكبر سيكون انتظار موسم الحصاد باعتباره نقطة نهاية الأزمة. فالحصاد لا يعني بالضرورة الأمن الغذائي. قد ينتج المزارع محصولًا جيدًا، لكن إذا كانت تكلفة النقل مرتفعة، والطريق غير آمن، والسوق مجزأة، والعملة منهارة، وقدرة المواطن الشرائية ضعيفة، فإن الغذاء قد يبقى موجودًا ولا يصل إلى من يحتاج إليه.
الأمن الغذائي إذن ليس كمية الإنتاج وحدها. إنه منظومة تبدأ من الأرض وتنتهي على مائدة المواطن.
وتزداد المعادلة تعقيدًا مع المناخ.
السودان يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة المطرية، ولذلك فإن اضطراب الأمطار ليس مجرد مشكلة موسمية. إنه يمكن أن يتحول إلى مشكلة دخل، ثم إلى مشكلة أسعار، ثم إلى مشكلة نزوح، ثم إلى مشكلة غذاء.
وعندما يلتقي الجفاف أو تذبذب الأمطار مع الحرب، يصبح المجتمع أقل قدرة على امتصاص الصدمة. المزارع الذي يستطيع في الظروف الطبيعية تحمل موسم سيئ قد لا يستطيع تحمل موسم سيئ وهو نازح أو مثقل بالديون أو فاقد لمدخلات الإنتاج.
وهنا ينبغي أن تتغير فلسفة التعامل مع الإنذار المبكر.
ليس المطلوب أن نعرف بعد ستة أشهر أن المجاعة ستأتي. المطلوب أن نتصرف اليوم لأن المؤشرات تقول إنها قد تأتي.
إذا انخفضت الأمطار، يجب أن تتحرك برامج المياه والمدخلات الزراعية. وإذا ارتفعت أسعار الحبوب بصورة غير طبيعية، يجب فحص سلاسل الإمداد قبل أن تتحول الزيادة إلى أزمة معيشية. وإذا ارتفع النزوح من منطقة ما، يجب أن تتحرك الخدمات والغذاء في مناطق الاستقبال قبل أن تنهار قدرتها على الاستيعاب.
الإنذار الحقيقي ليس المعلومة؛ الإنذار الحقيقي هو المعلومة التي تغيّر القرار.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى نظام سوداني متكامل للإنذار المبكر للأمن الغذائي، يجمع بيانات الأمطار والإنتاج والأسعار والنزوح والثروة الحيوانية والتغذية والمياه وحركة الأسواق، ويحولها إلى خرائط خطر على مستوى المحليات والمناطق.
لكن لا قيمة لنظام إنذار إذا لم تكن له أدوات تدخل.
ينبغي أن يرتبط كل مستوى من مستويات الخطر بتدبير محدد: مخزون غذائي، دعم نقدي، بذور، أعلاف، مياه، خدمات بيطرية، دعم للخبز أو الحبوب، أو فتح ممر تجاري وإنساني.
بمعنى آخر: نحتاج إلى إنذار له ميزانية، لا إنذار له تقرير فقط.
والإجراء الأكثر إلحاحًا هو حماية الموسم الزراعي.
ينبغي التعامل مع البذور والأسمدة والوقود وقطع الغيار والمبيدات ومستلزمات الري والخدمات البيطرية باعتبارها جزءًا من الاستجابة الإنسانية نفسها. ففي بلد يواجه أزمة غذائية، قد يكون توفير مدخل إنتاج للمزارع أكثر أهمية من استيراد كمية إضافية من الغذاء، إذا كان ذلك المدخل قادرًا على حماية موسم كامل.
وهنا يمكن للمساعدات الدولية أن تغير طبيعة تدخلها: من تمويل الاستهلاك فقط إلى تمويل القدرة على الإنتاج.
وهذا لا يعني تقليل المساعدات الغذائية، وإنما منع تحولها إلى بديل دائم للإنتاج المحلي.
كما يحتاج السودان إلى إعادة التفكير في المخزون الاستراتيجي. المخزون المركزي وحده لا يكفي في بلد تتغير فيه السيطرة على الطرق والمناطق. المطلوب شبكة موزعة من المخازن الإقليمية والمحلية، بحيث تستطيع المجتمعات الأكثر تعرضًا للخطر الوصول إلى الغذاء حتى إذا تعطلت إحدى حلقات النقل.
أما الأسواق، فهي المعركة الأخرى التي لا تحظى بالاهتمام الكافي.
فقد يكون الغذاء موجودًا، لكن سعره يجعله غير موجود بالنسبة للأسرة الفقيرة.
لذلك فإن حماية طرق التجارة، وتقليل الحواجز غير الرسمية، ومواجهة الاحتكار، وضمان حركة السلع بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، ليست إجراءات اقتصادية ثانوية؛ إنها إجراءات لمنع الجوع.
وفي المناطق التي تعمل فيها الأسواق بصورة معقولة، يمكن أن يكون الدعم النقدي وسيلة أكثر مرونة لمساعدة الأسر على شراء احتياجاتها. أما حيث تنهار الأسواق أو تنعدم السلع، فتصبح المساعدات الغذائية المباشرة أكثر ضرورة.
المطلوب ليس وصفة واحدة للسودان كله، وإنما استجابة مختلفة حسب طبيعة الخطر في كل منطقة
ويجب أيضًا النظر إلى النزوح باعتباره أزمة أمن غذائي قائمة بذاتها.
كل أسرة تنزح تفقد جزءًا من قدرتها الإنتاجية، وكل مدينة تستقبل موجة نزوح تواجه طلبًا إضافيًا على الغذاء والمياه والصحة والتعليم. فإذا لم تحصل مناطق الاستقبال على دعم يتناسب مع الزيادة السكانية، تنتقل الأزمة من مكان إلى آخر.
ومن هنا يصبح الاستثمار في المياه والصحة والتغذية والصرف الصحي جزءًا من سياسة الأمن الغذائي. فالطفل الذي يحصل على الغذاء لكنه يشرب ماءً ملوثًا لا يزال معرضًا لسوء التغذية والمرض.
ثم تأتي الثروة الحيوانية، وهي إحدى أكثر نقاط القوة التي يمكن أن تساعد السودان على التعافي إذا جرى حمايتها. التحصين، المياه، الأعلاف، المراعي، مسارات الرعي والأسواق ليست ملفات منفصلة عن الأمن الغذائي؛ إنها جزء من بنيته الأساسية.
لكن ثمة خطرًا آخر ربما يكون أكثر هدوءًا من المجاعة وأكثر تأثيرًا على مستقبل السودان: اقتصاد الحرب حول الغذاء.
فعندما تصبح السلعة نادرة، يصبح من يملكها أكثر قوة. وعندما تتعطل الأسواق، تتوسع التجارة غير الرسمية. وعندما يصبح الوصول إلى منطقة ما صعبًا، يمكن أن يتحول الغذاء إلى أداة نفوذ.
ولهذا يجب ألا يُترك ملف الغذاء لمنطق القوة وحده.
المساعدات يجب أن تقوم على الاحتياج، والأسواق يجب أن تخضع لقواعد واضحة، والمخزون الاستراتيجي يجب أن يكون تحت رقابة مؤسسية، وأي صندوق للأمن الغذائي يجب أن يخضع للشفافية والرقابة المدنية.
فالسيطرة على الغذاء يمكن أن تتحول، في ظروف الحرب، إلى شكل من أشكال السيطرة على المجتمع.
وهنا يصبح التمويل سؤالًا استراتيجيًا.
تراجع التمويل الإنساني يعني أن السودان لا يستطيع أن يبني مستقبله على افتراض أن المجتمع الدولي سيغطي الفجوة كل عام. المساعدات الدولية تظل ضرورية لإنقاذ الأرواح، لكن بناء الأمن الغذائي يحتاج إلى مصادر تمويل أكثر استدامة، وإلى دور أكبر للقطاع الخاص والمنتجين والمغتربين والمؤسسات الوطنية، مع ضمان الرقابة والشفافية.
السودان يحتاج إلى صندوق وطني طارئ للأمن الغذائي، لكن ليس صندوقًا جديدًا تضاف إليه طبقة إدارية أخرى. المطلوب آلية مالية سريعة وشفافة، مرتبطة بمؤشرات الإنذار المبكر، تستطيع الانتقال بالمال إلى المكان الذي يظهر فيه الخطر قبل أن يتحول إلى كارثة.
والأهم أن تكون الأولوية للإنتاج والمياه والأسواق وصغار المنتجين، بالتوازي مع الاستجابة الغذائية للمناطق التي تحتاجها فورًا.
فإذا انتهت الحرب غدًا، لن تنتهي أزمة الغذاء في اليوم التالي.
سيحتاج المزارع إلى العودة، والأرض إلى التأهيل، والمعدات إلى الإصلاح، والأسواق إلى إعادة البناء، والقطيع إلى التعافي، والمياه إلى الاستثمار، والطفل الذي عانى سوء التغذية إلى سنوات من الرعاية
لهذا فإن الأمن الغذائي يجب أن يكون جزءًا من أي مشروع للسلام وإعادة بناء الدولة، لا ملحقًا إنسانيًا به.
السلام الذي يوقف إطلاق النار ولا يعيد الإنتاج سيترك جزءًا من أسباب الأزمة قائمًا.
والدولة التي تعيد مؤسساتها ولا تعيد الزراعة والمياه والأسواق ستظل معرضة لصدمات جديدة.
والاقتصاد الذي يعتمد على الاستيراد والمساعدات بينما يفقد المنتج المحلي قدرته على البقاء، قد يجد نفسه بعد سنوات أمام أزمة أشد من الأزمة الحالية.
السودان يمتلك الأرض والمياه والخبرة الزراعية والثروة الحيوانية والموقع الجغرافي الذي يؤهله لأن يكون بلدًا منتجًا للغذاء، لكن الموارد وحدها لا تصنع الأمن الغذائي.
الأمن الغذائي قرار سياسي واقتصادي ومجتمعي قبل أن يكون مشروعًا زراعيًا.
ولهذا يجب أن تتحول الأولويات من كيف نطعم الجائع اليوم؟ إلى سؤالين متلازمين:
كيف ننقذ الإنسان من الجوع الآن؟
وكيف نمنع أن يصبح الجوع قدره غدًا؟
إن السودان لا يحتاج فقط إلى خطة لمواجهة المجاعة، بل إلى خطة وطنية لاستعادة القدرة على إطعام نفسه؛ تبدأ بالإنذار المبكر، وتنتقل إلى التدخل المبكر، وتحمي الموسم الزراعي، وتعيد الأسواق، وتحافظ على الثروة الحيوانية، وتستثمر في المياه، وتدعم المنتج، وتحمي المستهلك، وتمنع تسييس الغذاء.
فالخطر الأكبر ليس أن يحتاج السودان إلى مساعدات غذائية في سنة صعبة.
الخطر أن يتحول الاعتماد على المساعدات إلى نموذج دائم، وأن يصبح استيراد الغذاء بديلًا عن إنتاجه، وأن يفقد المزارع أرضه، والراعي قطيعه، والأسرة قدرتها على الشراء، والدولة قدرتها على التدخل.
عندها لن تكون المجاعة مجرد أزمة إنسانية.
ستصبح أزمة في بنية الدولة نفسها.
ولهذا فإن الإنذار المبكر الذي لا يتحول إلى تدبير مبكر ليس إنذارًا؛ إنه مجرد إعلان متأخر عن الكارثة.
والسؤال الذي يجب أن يواجه السودان اليوم ليس: كم طنًا من الغذاء نحتاج هذا الشهر؟
بل: كيف نمنع السودان من أن يصبح محتاجًا إلى الغذاء كل عام؟
لتكتمل الأماني..
ببلادًا حتى الطير يجيها جيعان





