الـ23 والدولار.. فوهتان لموت واحد

أفق جديد
وصل الجنيه السوداني في هبوطه إلى معدلات كارثية، يوم الأربعاء الماضي، توقفت حركة البيع والشراء في الأسواق، وأغلق أصحاب المتاجر أبوابهم؛ فلا أحد يملك استعداداً لبيع بضاعة اليوم لا يستطيع شراءها غداً وبالكميات نفسها. في لحظة كهذه، لم يعد المواطن والتاجر طرفين مختلفين في السوق، بل أصبحا وجهين لأزمة واحدة: الأول يخشى أن يشتري، والثاني يخشى أن يبيع.
الأزمة، الكارثة، الانهيار، لم يبدأ في السوق، بل انتقل إليه؛ جاءه محمولاً على التاتشرات والمدفع 23. ثم خرج منه إلى البيوت. والمؤلم أن الخراب لم يتوقف عند الأسعار، بل امتد إلى ما هو أبعد منها؛ إلى حياة الناس، وإلى قيمهم، وإلى الطريقة التي صاروا يتعاملون بها مع بعضهم البعض.
أسعار الصرف التي يحددها المتعاملون معها في الأسواق، «المضاربون»، بما فيهم الحكومة التي خرج وزير ماليتها لينفي عنها تهمة المضاربة والتعامل مع السوق الموازي، لم تعد حكاية تجار عملة وحدهم. صارت رقماً يطارد الجميع، ويمد يده إلى تفاصيل الحياة اليومية. وفي إحدى حارات الثورة، اضطر «إسحق الفواروي» إلى إغلاق محله؛ الرجل الذي عرفه الناس، وعرفوا به وبدكانه لأكثر من عقدين من الزمان. كان إغلاق الدكان حدثاً تاريخياً ومبرراً في الوقت ذاته؛ فهو لا يستطيع البيع للناس، ولا يستطيع أن يردهم، ولا يضمن مآلات السوق غداً.
وقصة «إسحق الفواروي» لا تبدو القصة الوحيدة. فالأزمة التي بدأت في أرقام السوق وصلت إلى الشارع، وإلى مقعد الحافلة، وإلى مشوار الناس اليومي. في حافلة مواصلات بموقف الشهداء في أم درمان، اضطر السائق إلى أن يواجه ركابه بالحقيقة القاسية: «يا جماعة، نكون واضحين: أي زول ما عندو قيمة التذكرة كاملة ينزل، والعاوز يدفع بنكك برضو ينزل! جالون البنزين بقى بأربعين ألف، والحديدة دي لو ضربت لستك، ما عندي حل غير أوقفها في البيت».
بعد خطبة السواق، نص الحافلة نزل، والنص الباقي قعد «يطنطن». ناس اضطروا إلى ترك مقاعدهم، وآخرون ألغوا مشاويرهم. مشوار صغير سقط من يوم سوداني مثقل أصلاً بما يكفي من التنازلات؛ إلغاء يضاف إلى قائمة أخرى اضطر السودانيون للتنازل عنها، وعلى رأسها اللحوم، حيث بلغ سعر كيلو اللحم البقري 48 ألف جنيه، والضاني في حدود الـ70 ألف جنيه .
، لم تعد الأزمة مجرد حكايات متفرقة عن دكان أغلق أو حافلة أفرغت نصف ركابها. مساء الخميس، شهد السودان شللاً مصرفياً وركوداً واسعاً في أسواق الصرف، بعدما واصل الجنيه السوداني انهياره أمام العملات الأجنبية، مسجلاً واحدة من أكبر موجات التراجع خلال يومين، وسط توقف شبه كامل لعمليات البيع في السوق الموازي، وتذبذب غير مسبوق في الأسعار .
وبحسب متعاملين مع السوق السوداء، بلغ متوسط الدولار 8800 جنيه للبيع و8600 جنيه للشراء، كمتوسط معتمد، رغم وجود أسعار أعلى لدى بعض التجار، بينما وصلت عروض محدودة إلى 9000 جنيه. وكان ذلك امتداداً مباشراً للقفزة التي شهدتها الأسواق في اليوم السابق، حين ارتفع الدولار بنسبة 19.4% في سعر البيع، و23.9% في سعر الشراء، وبنسبة 25% في الأسعار المعروضة مقارنة بسعر ما قبل موجة الارتفاع.
خلف هذه الأرقام، كان هناك سوداني آخر يحاول أن يحسب يومه: تاجر لا يعرف بأي سعر يشتري، ومواطن لا يعرف بأي سعر سيشتري غداً، وأسرة تعيد ترتيب ما يمكنها الاستغناء عنه، وبيت يسأل عن الطعام قبل أي شيء آخر.
ومع اتساع الكارثة التي تمسك بتلابيب المواطنين السودانيين، كان الناس ينتظرون خطوة من سلطة الأمر الواقع تضع الأمور في نصابها. وفي اليوم التالي، الجمعة، جاءت تصريحات الحكومة وقياداتها على لسان قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الفريق البرهان.
وخاطب البرهان المصلين في سرايا الشريف الهندي بمنطقة بري بالخرطوم، قائلاً: «إن المعركة تعددت أوجهها، وما نعيشه هذه الأيام من أزمة اقتصادية وغلاء في الأسعار وشح في الموارد ما هي إلا جزء من هذه المعركة، والتي سنخرج منها منتصرين كما أخرجنا التمرد من الخرطوم وغيرها من المدن».
وأضاف أن السودان سينهض بعزيمة أبنائه، ليكون أكثر عزيمة وقوة في تجاوز التحديات التي تمر بها البلاد، وبناء السودان والحفاظ على مكتسباته ووحدته.
لكن في الجهة الأخرى من المشهد، هناك بلد لا يخضع اقتصادها لحسابات المنطق الاقتصادي، ويعيش انفلاتاً على طريقته؛ حيث يزيد السعر مع زيادة العرض، بينما يعيش شعبها حرباً أخرى، حرب توفير لقمة العيش. تمتد الصفوف أمام المخابز، ولا أحد يملك تفسيراً لارتفاع أسعار السكر وانخفاضها، فيما يخرج وزير ماليتها «جبريل إبراهيم» قائلاً: «نحن بخير وبلدنا بخير واقتصادنا بخير».
وبين «نحن بخير» التي تأتي من أعلى، و«هو نحنا فطرنا؟» التي تصعد من البيوت، تتسع المسافة أكثر من مجرد اختلاف في التعبير. إنها فجوة بين واقع الناس وتصريحات المسؤولين، وبين اقتصاد يُقال إنه بخير، وحياة يومية تبحث عن أبسط ما يمكن أن يجعلها تستمر.
وتفاقمت هذه الضغوط الاقتصادية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بعدما تعرضت قطاعات الإنتاج والنقل والتجارة لاضطرابات واسعة، وارتفعت تكاليف التشغيل ونقل السلع، فضلاً عن الصعوبات التي تعترض حركة البضائع بين الولايات. وتحولت مناطق الإنتاج إلى ساحات معارك، ومناطق تتبدل سيطرتها بين دعاة الكرامة وحملة مشاعل الديمقراطية.
والمفارقة أن مناطق الإنتاج في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، التي يفترض أن تنتج الغذاء والحياة، تنتج في كل يوم عشرات الجثث ومليون مأساة.
، السودانيون يخوضون حرباً ضد من أشعل الحرب؛ حرب أخرجت معظم المنتجين من مزارعهم، ومن مصانعهم، ومن متابعة «مراحهم». ويخوضون حرباً ضد من يوظفون قليل الموارد في شراء المناصرين. ولهذا يطرحون السؤال: كم كلف مؤتمر الإعلام الأخير؟ تذاكر طيران، وإقامة فندقية، ونثريات؟
ويبدلون سؤال «أين الكيماوي؟» الترند بسؤال آخر، أكثر التصاقاً بحياتهم: «الأزمة مكانها وين؟»
إنها الأزمة التي لا تراها الحكومة، بينما هناك شعب يسأل روحه كل صباح: «هو نحنا فطرنا؟». وقبل أن يجد إجابة للسؤال، عليه أن يوفر قروش معيشة.
حكومة تجعله يعيش في الظلام، وعليه أن يوفر لمنسوبيها أموال ألواح الطاقة، وهي نفسها الطاقة التي جعلت الناس يخرجون في العباسية ويطالبون بسقوط من تسبب في كل ذلك .
في النهاية، لم يعد الجنيه وحده هو الذي ينهار. الذي يتآكل، يوماً بعد يوم، هو هامش الحياة نفسه؛ ذلك الهامش الصغير الذي كان يسمح للسوداني بأن يفتح دكانه، ويركب حافلته، ويشتري لحماً، ويعود إلى بيته وفي يده ما يكفي ليقول لأسرته: بكرة أحسن





