الاقتصاد في ظل الحرب.. من يدفع ثمن العجز؟!

حسام حامد
ليس من الصعب أن تجد في السودان من يتحدث عن الاقتصاد باعتباره ملفاً منفصلاً عن الحرب، أو أن تُقدَّم الأزمة المالية باعتبارها نتيجة طبيعية لنقص الإيرادات واختلال سعر الصرف وارتفاع الإنفاق؛ لكن الأرقام المتاحة ترسم صورة أكثر ترابطاً، تفيد بأن الحرب نفسها أصبحت عاملاً منتجاً للعجز، ومُعطِّلاً للإنتاج، ومُضعفاً للعملة، ومُوسِّعاً للاحتياجات الإنسانية، في وقتٍ تتراجع فيه قدرة المجتمع الدولي على تمويل الاستجابة.
لهذا تبدو الإشارة إلى اجتماع البرهان الأسبوع الماضي مع المسؤولين لمناقشة الوضع الاقتصادي أقل أهمية من السؤال الأوسع: كيف يمكن إدارة اقتصاد في بلد ما زال عاجزاً عن توفير البيئة الأمنية والسياسية التي تسمح للاقتصاد بالعمل؟
هذه ليست مسألة خطابية، إذ إن البنك الدولي يقدّر أن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بنحو 29.4% في 2023، ثم 14% أخرى في 2024، مع تدمير واسع للطاقة الإنتاجية واضطراب الزراعة والخدمات والتجارة؛ وفي المقابل، تشير تقديرات البنك إلى أن الإيرادات الحكومية هبطت من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% خلال 2024-2025.
أي أن المشكلة ليست فقط في كيفية إنفاق المال، وإنما في أن الحرب أضعفت قدرة الدولة على إنتاج المال أصلاً.
الجوع يسبق البيانات المالية.
إلى ذلك، أكثر المؤشرات قسوة تأتي من قطاع الغذاء؛ إذ أظهر أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن نحو 19.5 مليون سوداني، أي قرابة 41% من السكان، واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد بين فبراير ومايو 2026، ومن بينهم أكثر من خمسة ملايين في مرحلة الطوارئ، ونحو 135 ألفاً في مرحلة الكارثة، مع تحديد خطر المجاعة في 14 منطقة في دارفور وجنوب كردفان وفق سيناريوهات مرتبطة باستمرار الصراع وتدهور الوصول الإنساني؛ كما يُتوقع أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال 2026.
وفي المنحى ذاته، هذه الأرقام لا تعني أن المجاعة هي نتيجة نقص الغذاء وحده؛ الحرب تعطل الزراعة، وتمنع الوصول إلى الحقول، وتقطع الطرق، وتربك الأسواق، وتدفع ملايين الأشخاص إلى النزوح، ثم تأتي صعوبة إيصال المساعدات لتضاعف الأزمة.
ولهذا فإن بيان لجنة العمل الإنساني في تحالف «صمود» مؤخراً يضع التمويل في موضعه الصحيح، لكنه يربطه كذلك بالوصول الإنساني ووقف القتال ودعم الإنتاج الزراعي وسبل كسب العيش؛ إذ إن المساعدات لا تستطيع أن تكون بديلاً دائماً عن اقتصاد قادر على إنتاج الغذاء والدخل.
وتأتي تصريحات برنامج الأغذية العالمي لتكشف جانباً آخر من المعضلة، إذ انخفض تمويل عملياته في السودان إلى نحو 206 ملايين دولار خلال 2026، مقارنة بـ645 مليون دولار في العام السابق، بينما يحتاج إلى قرابة 300 مليون دولار إضافية للحفاظ على العمليات الحالية؛ ويصل البرنامج حالياً إلى نحو أربعة ملايين شخص، غالباً بحصص جزئية، في وقت تواجه فيه البلاد قرابة 20 مليوناً من الجوعى؛ وهنا يصبح نقص التمويل الدولي جزءاً من الأزمة، لكنه ليس أصلها.
الاقتصاد لا يعمل تحت القصف.
وفي الوقت ذاته، إبراهيم البدوي، وزير المالية السابق، وضع يده على عدد من عناصر الأزمة حين ربط التعافي بإنهاء الحرب، في حديثه الأسبوع الماضي، مشيراً إلى أنها دمرت الطاقة الإنتاجية، وأضعفت الاستثمار، وعطلت الصادرات، وقلصت الإيرادات الضريبية، ورفعت حاجة الحكومة إلى التمويل.
هذه قراءة تتفق في جوهرها مع المؤسسات الاقتصادية الدولية؛ إذ يرى بنك التنمية الأفريقي أن الاقتصاد السوداني أظهر مؤشرات تعافٍ محدودة، لكنه ما زال يواجه تضخماً مرتفعاً، وتدهوراً حاداً في سعر العملة، واختلالات مالية وخارجية، وقطاعاً مصرفياً هشاً، مع استمرار الحرب وضعف المؤسسات وتضرر البنية التحتية.
وقد تكون هناك توقعات بنمو اقتصادي محدود خلال 2026، لكن النمو من قاعدة منخفضة لا يعني بالضرورة تحسناً في حياة الناس؛ إذ إن إعادة تشغيل جزء من النشاط الزراعي أو التجاري بعد انكماش هائل يمكن أن تظهر في الناتج المحلي كـ«نمو»، بينما تظل القدرة الشرائية للأسر ضعيفة، ويظل الفقر مرتفعاً؛ وهنا تحديداً ينبغي الحذر من تحويل المؤشرات الكلية إلى شهادة تعافٍ اجتماعي.
الجنيه ليس منفصلاً عن الحرب.
إزاء ذلك، أزمة العملة بدورها ليست لغزاً نقدياً خالصاً؛ إذ إن السودان يحتاج إلى النقد الأجنبي لتمويل الواردات، بينما تراجعت قدرته على التصدير وتقلصت الإيرادات العامة وازدادت الحاجة إلى التمويل.
وفي يونيو تدخل البنك المركزي بضخ 400 مليون درهم إماراتي للنظام المصرفي لتوفير احتياجات الاستيراد ومحاولة تهدئة سوق الصرف، فيما ظلت السوق الموازية تعكس ضغوطاً كبيرة على الجنيه، وفي أغسطس واصل البنك المركزي تعديل قواعد التعامل في النقد الأجنبي، بما في ذلك تنظيم شراء حصائل الصادر ومنح المصارف مساحة أكبر لتحديد أسعارها.
هذه الإجراءات يمكن أن تخفف اختناقات محددة، لكنها لا تستطيع بمفردها صناعة موارد أجنبية مستدامة، سعر الصرف يحتاج إلى صادرات، وثقة، وإنتاج، واستقرار سياسي وأمني، ونظام مالي يستطيع جذب المدخرات والاستثمارات بدلاً من دفعها إلى الخارج أو إلى السوق غير الرسمية.
ومن هنا تبدو ملاحظة البدوي بشأن محدودية فعالية السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف في ظل الظروف الحالية ذات دلالة؛ إذ لا يستطيع البنك المركزي أن يعالج وحده مشكلة تنشأ في جانب كبير منها من انهيار الإنتاج والتجارة والثقة.
«بنكك» والمغتربون.. اقتصاد الأسر في مواجهة الحرب.
وفي ذات الوقت، حتى التحويلات التي ترسلها الأسر السودانية من الخارج أصبحت جزءاً من هذه المعادلة، إذ إن التحويلات ليست رقماً في ميزان المدفوعات وحسب؛ إنها مصدر دخل مباشر لعائلات تعتمد عليها في الغذاء والعلاج والتعليم والسكن.
لذلك، فإن أي قيود تجعل وصول الأموال إلى المستفيدين داخل السودان أكثر صعوبة أو كلفة قد تكون لها آثار تتجاوز القطاع المصرفي، وفي الوقت ذاته، فإن تشديد الرقابة على التحويلات له مبررات مرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والعمليات غير المشروعة، وهي معايير مصرفية لا يمكن تجاهلها؛ وقد شدد بنك السودان المركزي خلال 2026 على مراجعة معاملات العملاء وتعزيز أنظمة الرقابة المصرفية لهذا الغرض.
وعليه، فإن المعادلة المطلوبة إذن ليست فتح القنوات بلا ضوابط، ولا إغلاقها بصورة تدفع الناس إلى بدائل غير رسمية؛ وإنما بناء قنوات مصرفية آمنة، منخفضة الكلفة، وسريعة، وقابلة للرقابة.
من يحل الأزمة؟
هنا تعود المسألة إلى بدايتها؛ لا يمكن فصل الاقتصاد عن الأمن، ولا الأمن عن السياسة، ولا السياسة عن قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية.
إذ يمكن للحكومة أن تضخ النقد الأجنبي، وأن تعدل سعر الصرف، وأن توسع التحصيل الإلكتروني، وأن تشدد الرقابة على الأسواق، وأن تستبدل العملة، وأن تبحث عن تمويل خارجي؛ وقد اتخذ البنك المركزي بالفعل عدداً من هذه الإجراءات، بما فيها توسيع استخدام قنوات الدفع الرقمي؛ لكن هذه الأدوات تظل محدودة إذا استمرت الأسباب التي تستنزف الاقتصاد.
وفي المنحى ذاته، نجد أن البنك الدولي يربط مسار التعافي المستدام باستعادة السلام والاستقرار، وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، ودعم صغار المزارعين والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاح المالي والنقدي واستعادة مسار إعفاء الديون.
أما البُعد الدولي للحرب فلا يمكن تجاهله؛ إذ وصف الأمين العام للأمم المتحدة الوضع الإنساني في السودان بأنه «وخيم»، وأشار إلى أن الصراع الداخلي يتغذى كذلك على تدخلات خارجية وتزويد أطراف بالسلاح، داعياً إلى المساءلة عن هذا النوع من التدخل؛ وهذا يضيف طبقة أخرى إلى السؤال الاقتصادي، فمن الصعب الحديث عن إعادة إعمار وتمويل واستثمار بينما تستمر قنوات التسليح التي تطيل أمد الحرب.
إزاء ذلك، فإن وضع الاقتصاد على طاولة اجتماع رسمي لا يمثل في حد ذاته سياسة اقتصادية؛ السياسة تبدأ بتحديد أسباب الانهيار، وترتيب الأولويات، وإيقاف النزيف الذي يستنزف الموارد البشرية والمالية، ثم الانتقال إلى إعادة بناء الإنتاج والصادرات والإيرادات والمؤسسات.
إن إنهاء الحرب ليس بنداً خارج الخطة الاقتصادية؛ إنه أحد شروطها الأساسية؛ وبعد ذلك تأتي ملفات سعر الصرف، والانضباط المالي، وإعادة بناء الاحتياطيات، وإحياء الصادرات، وإصلاح المصارف، وتعبئة مدخرات السودانيين في الداخل والخارج، وإعادة تشغيل الزراعة والصناعة والخدمات.
أما أن يُطلب من اقتصاد منهك أن يمول حرباً، وأن يعالج آثارها الإنسانية، وأن يحافظ على العملة، وأن يوفر الخدمات، وأن يجذب الاستثمار في الوقت ذاته، فذلك يضع الدولة أمام معادلة شديدة الصعوبة.
في المحصلة، السودان لا يحتاج إلى اجتماع آخر يصف حجم الأزمة بقدر حاجته إلى مسار يزيل أسبابها، إذ إن الاقتصاد يستطيع أن يتعافى من آثار الحرب، لكن ذلك يتطلب أولاً أن تتوقف الحرب عن إنتاج مزيد من الخراب.





