ثلاثية الجوع: إنتاج منهار.. دخل مفقود.. وأسواق مضطربة

حيدر المكاشفي

لم تعد أم محمد وهي نازحة تقيم في أحد مخيمات النزوح، تفكر في بدائل ما تطهيه اليوم كما كانت في دارها قبل الحرب التي أجبرت الأسرة على النزوح، بل إنها كما تقول تسأل الله أن يوفقها ويعينها للحصول على ما يسد رمق أطفالها اليوم. وتظل تفتش في ما تبقى من مؤونة، تحسب ما في جيبها، ثم تعيد الحساب مرة أخرى. فهناك ثلاثة أطفال ينتظرون الطعام، ودخل انقطع، وأسعار جنونية ترتفع بين لحظة وأخرى، وحرب أغلقت أبواب العمل ومصادر الرزق. وتمضي أم محمد قائلة عندما أستطيع توفير وجبة للأطفال أشعر أنني انتصرت انتصارًا كبيرًا، وبهذه الكلمات القليلة تختصر أم محمد مأساة ملايين السودانيين الذين لم يعد الجوع بالنسبة إليهم ليس مجرد غياب للطعام، وإنما غياب للقدرة على الوصول إليه أيضًا. والعجيب أن ما ذهبت إليه هذه النازحة كررته السيدة (ز.ط) المقيمة بمنزلها بأحد أحياء الخرطوم التي عاد إليها بعض ساكنيها في محاولة لاستعادة نمط من الحياة وسط آثار الحرب والانهيار الاقتصادي، تقول السيدة الخرطومية أن المشكلة ليست أننا لا نعرف أن الطعام مهم، وإنما أننا لا نملك القدرة على شراء ما يكفي. أحيانًا لا أجد ما يكفي لوجبة للأطفال، ولهذا اضطررت أن أقسم ما أحصل عليه ليوم لعدة أيام الموجود على أكثر من يوم. أسعار الأشياء تتغير بسرعة، وما كان يكفي لعدة أيام، وهنا تبدو الأزمة من داخل البيوت أكثر قسوة من الأرقام. فالجوع في السودان لم يعد قصة نقص في الغذاء وحده، إنه قصة انهيار القدرة على إنتاجه وشرائه والوصول إليه..

الحرب تضرب الطريق إلى الطعام

تتقاطع تقارير الجهات المعنية بالأمن الغذائي والعمل الإنساني في السودان عند حقيقة أساسية، هي أن الحرب لم تضرب الإنتاج الزراعي والرعوي والأسواق وسلاسل الإمداد فحسب، وإنما ضربت كذلك مصادر دخل الأسر وقدرتها على الوصول الآمن والاقتصادي إلى الغذاء. وهذا ما يجعل أزمة الجوع أكثر تعقيدًا من مجرد حساب كميات الطعام المتوافرة في البلاد. فالمزارع الذي لا يستطيع الوصول إلى أرضه أو الحصول على البذور والأسمدة والوقود لا يستطيع إنتاج ما يكفي. والراعي الذي تعطلت حركة مواشيه أو فقد مراعيه ومصادر المياه يواجه خطر فقدان مصدر رزقه. والعامل الذي فقد وظيفته لا يستطيع شراء الغذاء حتى عندما يكون موجودًا في السوق. أما النازح فقد يجد الغذاء على بعد عشرات أو مئات الكيلومترات، لكنه لا يملك المال للوصول إليه أو شراء ما يكفي منه. وتشير مقاربات الأمن الغذائي التي تعتمدها الجهات الدولية المختصة، وفي مقدمتها التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، إلى أن انعدام الأمن الغذائي لا يرتبط بتوافر الغذاء فقط، وإنما يتصل بقدرة الناس على الحصول عليه واستهلاكه بصورة كافية وآمنة ومنتظمة. وهنا تظهر المفارقة الأكثر إيلامًا، فقد يكون الطعام موجودًا، لكن الإنسان جائع لأنه لا يملك ثمنه أو لا يستطيع الوصول إليه..

الجوع يبدأ من هنا

وفقًا لما تركز عليه تقارير برنامج الأغذية العالمي (WFP) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) بشأن السودان، فإن الصراع وتعطل الأسواق والنزوح وارتفاع تكاليف النقل ومدخلات الإنتاج وفقدان مصادر الدخل، كلها عوامل تتداخل لتقويض قدرة الأسر على تأمين غذائها. وهكذا تبدأ دائرة الجوع من خارج المطبخ. إنها تبدأ عندما يتوقف الحقل، أو يفقد المزارع مدخلات الإنتاج، أو يتعطل الطريق، أو يرتفع سعر الوقود، أو يغلق السوق، أو يفقد العامل مصدر دخله. ثم تصل الأزمة في النهاية إلى المائدة. وحين تعجز الأسرة عن شراء احتياجاتها، فإنها تبدأ عادة بتقليص الكمية، ثم تقليل عدد الوجبات، ثم التخلي عن الأغذية الأعلى تكلفة والأكثر قيمة غذائية، قبل أن تضطر إلى بيع ما تملك أو الاستدانة أو الاعتماد على المساعدات. وهكذا يتحول الفقر إلى جوع، ويتحول الجوع إلى سوء تغذية..

الأطفال يدفعون الفاتورة الأبهظ

إن الجوع لا يتوقف عند الإحساس بالمعدة الفارغة. الخطر الأكبر يبدأ عندما يتحول نقص الغذاء إلى سوء تغذية خصوصًا بين الأطفال الصغار. وتحذر اليونيسف (UNICEF)  ومنظمات الصحة والتغذية من أن الأطفال الذين لا يحصلون على الغذاء الكافي والمتنوع معرضون بصورة أكبر لسوء التغذية، وأن الخطر يصبح أشد عندما يتزامن نقص الغذاء مع الأمراض ونقص المياه النظيفة وتدهور خدمات الصحة والصرف الصحي. فالطفل لا يخسر وجبة اليوم فقط. بل يخسر معها جزءًا من نموه ومناعته وصحته وقدرته على التعلم والنمو بصورة طبيعية. وتزداد هشاشة الأطفال في البيئات التي تجمع بين النزوح والفقر وسوء التغذية وتفشي الأمراض وانهيار الخدمات الأساسية. أما الحوامل والمرضعات، فهن أيضًا في دائرة الخطر، لأن احتياجاتهن الغذائية ترتفع في مراحل الحمل والرضاعة، بينما تتراجع في الوقت ذاته قدرة كثير من الأسر على توفير غذاء متنوع وكافٍ..

الإطار أوسع من شاحنة مساعدات فقط

لا شك أن المساعدات الإنسانية ضرورية، وفي كثير من المناطق تمثل الفارق بين الحياة والموت، لكن تقارير الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية، وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة تضع الأزمة في إطار أوسع من مجرد إدخال المساعدات. فالسودان لا يحتاج فقط إلى إيصال الغذاء إلى الجائعين، وإنما يحتاج أيضًا إلى إعادة بناء القدرة على إنتاج الغذاء والوصول إليه. وهذا يعني حماية المزارعين والرعاة، وتأمين مدخلات الإنتاج، وإعادة تنشيط الأسواق المحلية، وتأمين طرق نقل السلع، وحماية سلاسل الإمداد، ودعم الأسر التي فقدت مصادر دخلها، إلى جانب توسيع خدمات الكشف عن سوء التغذية وعلاجه والوقاية منه فالمساعدات قد تنقذ أسرة من الجوع اليوم، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعل تلك الأسرة قادرة على إعالة نفسها غدًا. وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات الاستجابة للأزمة السودانية: إنقاذ الإنسان الجائع ضرورة عاجلة، لكن استعادة قدرته على إنتاج غذائه وكسب دخله ضرورة لا تقل أهمية..

اقتصاد الحرب يلتهم القدرة على شراء الغذاء

يظل الجوع أيضًا وجه من وجوه الأزمة الاقتصادية التي خلقتها الحرب فالأسرة التي كان دخلها يكفيها قبل الحرب أصبحت تواجه أسعارًا أعلى ودخلًا أقل أو معدومًا. والمنتج الذي كان يبيع محصوله في سوق قريب بات يواجه تكاليف نقل ومخاطر أمنية وانقطاعًا في الأسواق. وفي النهاية يدفع الطرفان الثمن. فالمنتج لا يستطيع الإنتاج بصورة كافية، والمستهلك لا يستطيع الشراء. وبينهما تتسع المسافة التي تفصل المواطن السوداني عن لقمة العيش. لهذا فإن معالجة الجوع لا يمكن فصلها عن معالجة الاقتصاد المحلي، وإعادة فتح الطرق والأسواق، واستعادة النشاط الزراعي والرعوي، ودعم مصادر دخل الأسر..

الجوع ليس معدة فارغة فقط

إن المجاعة الحاصلة في السودان اليوم ليست مجرد معدة فارغة. إنها مزرعة متوقفة، ومزارع فقد مدخلات الإنتاج، وعامل فقد وظيفته، وسوق مضطرب، وطريق مغلق، وأسرة فقدت قدرتها الشرائية، وطفل ينتظر وجبة قد لا تأتي. وعندما يصبح الحصول على وجبة واحدة إنجازًا يوميًا، فهذه ليست أزمة غذاء فحسب، إنها علامة على أن الحرب وصلت إلى أكثر الأماكن خصوصية في حياة الإنسان، مائدته وبيته وأطفاله. فالحرب لا تجعل الناس جوعى فقط لأنها تقلل الغذاء، وإنما لأنها تسلبهم القدرة على إنتاجه، وتحرمهم من الدخل الذي يشتريه، وتقطع الطرق التي توصلهم إليه. وحين تصبح الوجبة اليومية فتحاً كبيراً، يصبح الجوع أكثر من أزمة غذائية. إنه إنذار بانهيار منظومة الحياة نفسها..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى