جدل الطليعة والاجتماعي

يوسف الغوث
تمثل سيرة المفكر والمناضل السوداني عوض عبد الرازق فصلًا معرفيًا ومحوريًا في تاريخ الحركات اليسارية في الفضاء الإفريقي والعربي على حد سواء، إذ يتجاوز دوره مجرد التأسيس التنظيمي للحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) عام 1946، ليمتد إلى صياغة أولى السجالات الفكرية حول مأزق توطين الأيديولوجيا الماركسية في بيئات ما بعد الاستعمار ذات البنى التقليدية والمحافظة.
وتكمن الأهمية المعرفية لإعادة قراءة تجربة عبد الرازق في كونها تكشف عن بواكير الصراع النظري بين تيار الواقعية التاريخية الذي تزعمه، وتيار النقاء التنظيمي والأيديولوجي الصارم الذي قاده الراحل عبد الخالق محجوب، وهو الخلاف الذي لم يكن ترفًا فكريًا، بل كان محددًا بنيويًا للمسارات اللاحقة للدولة السودانية الحديثة وإشكاليات التحديث السياسي فيها.
تميزت الحقبة التاريخية الممتدة بين عامي 1946 و1949 بصعود مطرد لعوض عبد الرازق كأحد أنشط الفاعلين السياسيين في كواليس الحركة العمالية والطلابية، حيث تولى الأمانة العامة للتنظيم خلفًا للدكتور عبد الوهاب زين العابدين، وعمل بجد على نقل الخلايا الشيوعية من طور الحلقات التثقيفية الضيقة والسرية إلى فضاء الفعل الجماهيري المفتوح، وذلك من خلال قيادة الاحتجاجات المناهضة للوجود الاستعماري البريطاني، لا سيما مناهضة مشروع الجمعية التشريعية، ودعم إضرابات عمال السكك الحديدية في عطبرة.

بيد أن هذا الزخم الميداني سرعان ما اصطدم بأسئلة التأسيس الهيكلي والهوية الفكرية للحزب الناشئ. وهنا تبلور ما يُعرف تاريخيًا في أدبيات اليمين واليسار السوداني بأزمة عوض عبد الرازق أو الخلاف الفكري التاريخي، الذي تمحور حول الموقف من الخصوصية السوسيولوجية للمجتمع السوداني وطبيعة التحالفات الطبقية الممكنة،
إذ كان عبد الرازق يطرح أطروحة مفادها أن الشروط التاريخية والموضوعية للسودان في أربعينيات القرن العشرين غير ناضجة لإنتاج حزب شيوعي كلاسيكي بالصيغة اللينينية الحادة، وكان يرى البديل الاستراتيجي في إبقاء التنظيم كجبهة وطنية ديمقراطية واسعة ومرنة تتحالف مع البرجوازية الوطنية المتمثلة في الأحزاب الاتحادية وحزب الأشقاء،
على أن يتم تثقيف الكوادر بالماركسية دون الاصطدام المبكر والمباشر مع المكونات العقدية والقبلية للمجتمع السوداني.
وفي المقابل، واجه هذا الطرح معارضة شرسة من جناح عبد الخالق محجوب والعناصر الشيوعية العائدة من مصر، والذين دفعوا باتجاه القطيعة التنظيمية وبناء حزب طليعي يحمل اسمًا وهوية ماركسية قاطعة لا لبس فيها، مستندين إلى أن الوعي الطبقي يتشكل في أتون الممارسة النضالية وليس عبر الانتظار التاريخي لتطور البنى التحتية للمجتمع.
وقد أفرز هذا التباين الحاد صراعًا تنظيميًا محتدمًا حُسم عبر الكادر والمؤتمرات الحزبية المتعاقبة لصالح الجناح الراديكالي، لتتم إزاحة عوض عبد الرازق من منصبه عام 1949، ومن ثم توجيه اتهامات له بالانحراف اليميني والانتهازية والتراجع البرجوازي الصغير، وصولًا إلى فصله النهائي من التنظيم في مطلع الخمسينيات.
وفي فبراير 1952، قاد عبد الرازق أول مجموعة تنفصل عن الحزب الشيوعي، وأسس لاحقًا الجمعية الوطنية…
إن إعطاء هذه التجربة حقها من التحليل الأكاديمي المعاصر يستوجب تجاوز الأدبيات الحزبية الاختزالية التي وصمت عبد الرازق بالتخاذل، فالقراءات السوسيوسياسية الحديثة تعيد الاعتبار لأطروحته بوصفها استشرافًا مبكرًا للأزمات الهيكلية التي واجهت الحزب الشيوعي السوداني لاحقًا، حيث أثبتت المحطات التاريخية مثل أزمة حل الحزب عام 1965 وتصفيته الجسدية بعد أحداث يوليو 1971، أن مخاوف عبد الرازق من العزلة المجتمعية الناتجة عن الصدمة الأيديولوجية لم تكن مجرد هواجس ذاتية، بل كانت قراءة دقيقة وعميقة لجدلية العلاقة بين الطليعة السياسية والقواعد الاجتماعية في المشرق العربي وإفريقيا.
يُعد عوض عبد الرازق رائدًا مبكرًا للتيار الواقعي في الفكر اليساري السوداني، وقد ظل دوره محوريًا في تأسيس الحركة الشيوعية السودانية، وفي صياغة أول سجال فكري حول حدود توطين الماركسية في مجتمع ما بعد الاستعمار. وإذا كانت الأدبيات الحزبية قد اختزلت تجربته في خانة الانحراف، فإن القراءات المعاصرة تعيد إليه مكانته كمفكر استشرف أزمات الطليعة السياسية في السودان قبل وقوعها بعقود.





