نُذُر مجاعة أخرى..سنة 6 تعود كما هي

أسر تنتظر توزيع مساعدات الذرة، السودان، 1985. تصوير هيوز دي لاتود

مغيرة حربية

حفرت المجاعات تاريخيًا وَسْمًا عميقًا في الذاكرة الجمعية لشعوب السودان، وصارت معلمًا وتاريخًا دوَّن به السودانيون حوادثهم ومأساتهم وتواريخ الميلاد والوفيات، فمجاعة مثل التي ضربت البلاد العام 1673 في عهد الفونج والتي عرفت بـ”سنة أم لحم” يؤرخ بها محمد ود ضيف الله في طبقاته لوفاة أو ميلاد كثير من الشيوخ والأعيان. وكانت سنةً شديدة القحط والجوع، نزح فيها الناس واضطروا لأكل الكلاب، فسميت أيضًا بـ”سنة أم نجيع” و”سنة أم كلاب”، تسببت في حدوثها الحروب الأهلية الطويلة والأوبئة الفتاكة وأمراض الجدري والكوليرا.

ذاكرة الجوع

يذهب الباحث إسماعيل عبد الرحمن، أن المجاعات في السودان شحنت الذاكرة الجمعية للسودانيين بكثير من الألم والمأساة. يطل شبحها مرة بعد مرة، حتى بدا تاريخ السودان تاريخًا للحرب والمجاعات، منذ عهد السلطنات القديمة مرورًا بمجاعة “سنة ستة” وفي العام 1914، خلال الحرب العالمية الأولى والعام 1984 إبان العهد المايوي. “المجاعات تحدث نتيجة للحروب والجفاف الشديد وشُح الأمطار وسوء التدابير الاقتصادية والأوبئة الفتاكة، فهي واحدة من أسوأ الكوارث وأشدها وطأة وفتكًا بما لا يتصور في حصد الأرواح وخراب البيوت والفواجع التي تسجلها ذاكرة الأجيال وتنقلها في المحكيات والأمثال الشعبية فيما يُشبه الملاحم والأساطير”.

ويضيف أنه في بداية عهد دولة المهدية تحت حكم الخليفة عبد الله التعايشي، صادف أن شُح المطر في عام 1306/1887 لتكون مجاعة رهيبة لأكثر من عامين كاملين، فتكت بحياة السودانيين وأوردتهم حياض الردى في مأساة لا تُنسى. ويقول الباحث إسماعيل في حديث لـ”أفق جديد”: “لم يكن انحباس المطر السبب الحاسم لحدوث المجاعة الفتاكة. ويوثق التاريخ المكتوب أن سوء التدابير الاقتصادية والسياسية والقرارات الخاطئة التي اتخذتها دولة الخليفة، كانت من أسباب حدوث المجاعة، فالخليفة بعد توليه رئاسة الدولة وبعد أن وطد أركان حكمه وسلطته، أصدر قرارًا شديد الصرامة بهجرة جميع القبائل في دارفور وكردفان وبحر أبيض، إلى أمدرمان لتكون تحت سمعه وبصره خوفًا من حدوث العصيان والتمرد وليضمن ولاءها”.

خلفت الهجرة القسرية إلى أمدرمان واقعًا جديدًا اعتمد فيه الناس في معاشهم على “الميرة” وهو عطاء يبذل من بيت المال في الدولة مما أسهم في استهلاك مخزون الحبوب والغلال الغذائية. ويضيف الباحث إسماعيل: “هجر الناس الزراعة لأعوام خلت وتفرغوا للجندية والحروب، وفي ذات العام أعلن الخليفة الحرب على الحبشة في ظرف اقتصادي بالغ الحرج وأمر بتجهيز الجيش برغم جثوم شبح المجاعة على الدولة”. ويضيف قائلًا: “بدا الحال يائسًا وبلغ الجوع بالناس مبلغًا جنونيًا جعلهم يقتاتون الجلود والعظام ولحاء الشجر ويبحثون بلا جدوى عن حُبيبات الذرة في بيوت النمل القديمة وفي المطامير المهجورة ويشترونه بقبضة اليد مقابل مبالغ طائلة، واضطر أغلب الجوعى لإغلاق بيوتهم عليهم والموت داخلها جوعًا، فيما يعرف بـ”السدادة” و”التطويب”.

الصراع من أجل البقاء

في 9 ديسمبر 1984 اعترف الرئيس جعفر نميري بأن النصف الشمالي من البلد يعاني من المجاعة، وهو أمر كان كبار المسؤولين في الخرطوم يترددون في الإقرار به علنًا. وضربت المجاعة أجزاء واسعة من السودان في تلك السنة شملت دارفور وكردفان ومناطق في الإقليم الشمالي وإقليم البحر الأحمر، حيث واصل الجفاف والتصحر زحفه القاسي ولم تهطل الأمطار لأكثر من عامين متتالين وفقد الناس كل ما لديهم ونفدت كل الاحتياطات بما في ذلك الذرة والمياه.

ويرى باحثون أن المجاعة التي ضربت السودان عام 1984 جاءت نتاجًا لسياسات بشرية وطبيعية متداخلة. وانتقدوا فشل نظام نميري في إدارة الموارد، وسياسات التهميش التي زادت من حدة التأثير في المناطق الريفية والهامشية، ودور المنظمات الدولية في تقديم المساعدات، مع الإشارة إلى محدودية تأثيرها في ظل الفساد والبيروقراطية.

تدفق آلاف الجوعى صوب المدن الكبرى طلبًا للغذاء، مخلفين وراءهم مواشيهم التي نفقت وبيوتًا دفنتها رمال التصحر. يقول الحاج رحيمان وهو يتذكر تلك الأيام القاسية، إن المطر لم يهطل في بوادي شمال كردفان لأكثر من ثلاثة أعوام وغابت المياه حتى في الآبار والدوانكي والحفاير ونفقت آلاف الماشية أمام أعين أصحابها. “كنت شابًا وقتها، خرجنا راجلين حتى منطقة المويلح غربي أمدرمان”. ويضيف في حديثه لـ”أفق جديد”: “كان الجوع شديدًا بين الناس، عسكرنا في المنطقة مع عشرات الأسر وهناك تلقينا المساعدات لفترة مؤقتة، بعدها تسللنا إلى المدينة طلبًا للرزق والعمل”.

خلفت جائحة الجوع في العام 1984 نحو 250 ألف شخص قتلوا بسبب الجوع والمرض المرتبط به، بحسب تقارير الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة وأكدت التقارير أن الموت لم يكن مباشرة بسبب الجوع، بل بسبب الأوبئة الحصبة والإسهالات التي انتشرت بعد النزوح وتجمع الناس في مخيمات بلا مياه نظيفة، وفقد الرعاة في دارفور وكردفان أكثر من %60 – 80% من الثروة الحيوانية.

أدى النزوح من الشمال للجنوب بسبب الجوع وشح المراعي وموارد المياه لاحتكاكات بين القبائل الرعوية والمزارعة في دارفور، تحول لانفلات أمني وحوادث للنهب المسلح منتصف العام 1984، مع تسرب كميات كبيرة من الأسلحة من الحدود الغربية مع تشاد، ما أسس لظاهرة الصراعات القبلية التي انفجرت بعد المجاعة مباشرة.

ذاكرة حيَّة

غيرت الحرب الأهلية الطويلة في جنوب السودان قبل الاستقلال (1955- 2011) نمط الحياة وسط الجنوبيين، دمرت الزراعة والتجارة ودفعت أعدادًا كبيرة من السكان إلى النزوح، بينما كانت المساعدات التي تصل إلى المحتاجين محدودة للغاية.

يقول الصحفي الجنوب سوداني أتيم سايمون في حديثه لـ”أفق جديد”: “بالنسبة لنا في جنوب السودان، ليست المجاعة مجرد مصطلح تستخدمه المنظمات الإنسانية لوصف نقص الغذاء، وإنما ذاكرة حية ارتبطت بالحرب والنزوح وفقدان الناس لمصادر حياتهم. أجيال كاملة من الجنوبيين عاشت فترات كان فيها الجوع جزءًا من تفاصيل الحرب، خصوصًا في بحر الغزال وأعالي النيل وأجزاء أخرى من الجنوب”.

وتعد مجاعة بحر الغزال في عام 1988 واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في هذه الذاكرة، وتشير تقديرات وثقتها منظمات حقوقية إلى وفاة ما يصل إلى نحو 250 ألف شخص. وتكررت مأساة الجوع بصورة أشد قسوة بعد عشر سنوات. ففي 1998 ضربت المجاعة بحر الغزال مجددًا، ولم تكن نتيجة الجفاف وحده. الحرب والغارات على القرى ونهب الماشية والمحاصيل وحرق المنازل والنزوح الواسع، إلى جانب القيود التي أعاقت وصول المساعدات الإنسانية، كلها عوامل حولت أزمة الغذاء إلى كارثة. وفي ذروة الأزمة ارتفع عدد المحتاجين إلى الغذاء في بحر الغزال وحدها من نحو 250 ألف شخص في يناير إلى قرابة مليون بحلول أغسطس.

مجاعة بحر الغزال بجنوب السودان عام 1998- تصوير هيان ليم دوك

يقول سايمون: “لهذا يصعب فصل تاريخ المجاعات في جنوب السودان عن تاريخ الحرب نفسها، وكذلك عن سنوات طويلة من ضعف التنمية والخدمات والبنية التحتية. ففي المجتمعات الريفية لم يكن فقدان الأبقار أو المحصول يعني خسارة اقتصادية فحسب؛ كان يعني أن الأسرة فقدت غذاءها ومدخراتها وقدرتها على تجاوز موسم الجفاف التالي، ومع النزوح كانت تنهار شبكات التكافل التي يعتمد عليها الناس في أوقات الشدة أيضًا”. ويضيف أن تقارير رصدت في تلك الفترة تعطل طرق التجارة والأسواق والإنتاج الزراعي إلى درجة جعلت انتقال الغذاء بين المناطق نفسها بالغ الصعوبة. “أعتقد أن الأثر الأعمق لتلك المجاعات لا يمكن قياسه بعدد الضحايا وحده. فقد تركت وراءها ذاكرة اجتماعية ثقيلة: أطفال فقدوا آباءهم، أسر تفرقت أثناء النزوح، قرى فقدت ماشيتها ومحاصيلها، ومجتمعات اضطرت إلى مغادرة أراضيها بحثًا عن الطعام. ولذلك ما زالت صور طائرات الإغاثة وإسقاط أكياس الغذاء من الجو، ومراكز توزيع الغذاء، والمسافات الطويلة التي كان الناس يقطعونها للحصول على الطعام، حاضرة في ذاكرة كثير من الجنوبيين”.

ويرى المفارقة المؤلمة في أن جنوب السودان، رغم امتلاكه مساحات واسعة من الأراضي الخصبة والمياه والثروة الحيوانية، إلا أنه عاش لعقود طويلة على حافة الجوع. ويضيف قائلًا: “هذا ربما هو الدرس الأهم في تاريخ تلك المجاعات: الجوع لم يكن دائمًا نتيجة غياب الغذاء، بقدر ما كان في كثير من الأحيان نتيجة الحرب التي منعت الناس من إنتاجه والوصول إليه، وحرمت المجتمعات من الاستقرار الذي يسمح لها بأن تعيش من مواردها”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى