«السوى ليكم هم، مال الدنيا إن شاء الله ما يتلم»..

علياء قاسم
تريند حقيقي واسع لأغنية، منذ خرجت إلى الناس، وهي تحرّك مزيجًا شعوريًا غريبًا جدًا، وتحرّك الأجساد بحماس وسرعة على إيقاع كلمات سودانية شعبية بسيطة، سرعان ما عبرت الحدود، فتلقّفها صُنّاع المحتوى في بلدان عربية مختلفة على وسائل التواصل الاجتماعي.
خلف كلماتها العادية، مرثية إنسانية موجعة لا تبدو كذلك من أول سماع لها. فالأغنية توثّق حياة عمال التعدين الأهلي، الذين ينزلون إلى آبار الذهب بحثًا عن الرزق، بينما يواجهون ضيق الآبار، وشحّ الأكسجين، وقسوة العمل ومخاطره.
تُغنّى بخفة تخدع السامع، بينما لا شيء خفيفًا في الحقيقة. ولو أصغينا قليلًا، لبدا ما تخفيه خلف إيقاعها الراقص من ثقل ومرارة.
«سألت من الخير، قالوا لي خش جوه البير»..
بئر قابلة للانهيار، لا يدري إن كانت ستعيده إلى سطحها أم ستحتفظ به في جوفها، وقد ينقطع الهواء داخلها في أي لحظة.
كل هذا العناء، وكل هذا الخطر، وكل هذا الرجاء، أحيانًا بلا عائد.
تحوّل هذا الواقع القاسي إلى إيقاع صاخب يرقص عليه الملايين من أبناء الوطن نفسه، الموزّعين بين داخله وشتاته في كل مكان، وهم يعلمون تمامًا أن كل نقرة فيه تقابل ضربة معول في جوف تلك البئر.
يرون المأساة ويشعرون بها، فهم ليسوا بعيدين عنها؛ يرقصون على حكاية تشبه حياتهم، وإن اختلفت تفاصيلها.
فما وجدوه فيها لمسهم إلى حد بعيد.

وجد فيها العامل شيئًا من يومه، ومن يفكر في الهجرة شيئًا من خوفه، ومن خذلته البلاد وضاق به الحال شيئًا من حيرته.
القهر، حين يطول، لا بد أن يجد له مخرجًا في رقصة، أو عبارة تعينهم على الاحتمال دون أن ينهاروا تحت ثقله.
فهي، وإن خرجت من جوف البئر، تحدثت بلسان حال كثيرين؛ كلٌّ له بئر تخصه.
ولعل سر هذا اللون من الغناء هو قربه من الحياة اليومية؛ يلتقط الواقع بلغته الأولى، قبل أن تمر يد التجميل عليه، أو تعيد المؤسسات صياغته. يقول ما لم تستطع اللغة الرسمية قوله، فيحمل ضمنيًا عريضة شعبية عفوية صادقة، تجعل المأساة مسموعة.
لامست الأغنية علاقة السوداني بثروته التي يراها ولا ينعم بها، وبوطنه الذي لا يجد في غناه ما يكفي ليمنحه حياة كريمة.
«إن شاء الله ما يتلم» ليست زهدًا بقدر ما هي صرخة قهر ممزوجة بسخرية، وليس معناها أنهم لا يريدون المال؛ ربما العكس تمامًا. يريدونه، لكن الطرق التي أُتيحت لهم صارت محفوفة بالموت.
وعندما ينطقونها، ينتزعون، ولو للحظة، سلطة المال عليهم، ويتخففون نفسيًا من شيء لم يعد الوصول إليه ممكنًا.
أي اقتصاد هذا الذي لا يترك لشبابه إلا أن يغامروا بأجسادهم؛ أو أن يبحث بعضهم في المخدرات عن مهرب؟
تذكّرنا الأغنية برأس المال البشري المهدور: عمال بلا حقوق، ولا تعويض، ولا تأمين. وبدلًا من استثماره، أصبح هو نفسه مادة للاستهلاك، حتى رقّ الخيط الفاصل بين كسب العيش وخسارة الحياة.
فهي، بمعانيها هذه، يمكن أن تكون بذرة وعي؛ وعيًا يحرر الإنسان من الرضا بالمأساة لمجرد الاعتياد عليها، ويدفع إلى النظر في الطرق التي أوصلت إليها، وفي البدائل التي مُنعت تجبرًا.
وأن تتحول صرخة اليأس والزهد القسري إلى واقع يمتلكون فيه بدائل آمنة.
الغناء الشعبي أصبح، من حيث لا يقصد، أرشيفًا حيًا لواقع الذين لا تكتبهم التقارير، حتى وإن جاء في هيئة ترفيه.
إن شاء الله، يتلم.
الأغنية من كلمات الشاعر الصادق الفحيلابي وتنفيذ موسيقي أحمد رحيل، وغناء خالد شبشة.





