إقليم كردفان.. الحرب وشح الأمطار يدفعان السكان نحو المجاعة

محمد عبد الباقي
تفاقمت الأوضاع الإنسانية في إقليم كردفان المكون من ثلاث ولايات، بصورة متسارعة وغير مسبوقة في ظل تراجع هطول الأمطار وشحها في عدد من المناطق، بالتزامن مع فقدان العملة الوطنية جزءًا كبيرًا من قيمتها الحقيقية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وانعدام فرص العمل ومصادر الدخل المحدودة التي كانت تمثل جزءًا مهمًا في دعم استقرار الأسر والأفراد.
وتضع هذه الظروف التي يعود جزء كبير منها إلى استمرار الحرب التي دخلت عامها الرابع ملايين السكان أمام واقع معيشي بالغ التعقيد حيث لم يعد كثير منهم قادرًا على تأمين احتياجاته الأساسية من الغذاء والشراب في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وتزداد صعوبة الحصول على أبسط مقومات الحياة اليومية.
ويواجه سكان آلاف القرى والمدن في كردفان ظروفًا استثنائية، بعد أن باتت المجاعة تهددهم نتيجة لعدم قدرتهم على توفير الطعام بصورة منتظمة، في ظل تراجع الأنشطة الاقتصادية والزراعية.
ولا تبدو أوضاع آلاف النازحين الذين يقيمون في مخيمات مؤقتة في الأبيض العاصمة التاريخية لكردفان أفضل حالًا، بيد أن معاناتهم تبدو أشد قسوة، بعدما اضطروا إلى مغادرة مناطقهم ومنازلهم، وتركوا ممتلكاتهم وأغراضهم الشخصية وأعمالهم ومصادر رزقهم خلفهم، بحثًا عن مناطق أكثر أمنًا.
ويعيش أكثر من مليون نازح في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة في مدينة الأبيض، و يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على الغذاء ومياه الشرب ومصادر الدخل، إلى جانب محدودية و غياب الخدمات الصحية، بينما يعيش حوالي 470 ألف نازح في مدن ولاية غرب كردفان التي يسيطر عليها الدعم السريع.
وتزداد معاناة هؤلاء النازحين في ظل غياب الجهات الحكومية والمنظمات القادرة على تقديم المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، و توفير الرعاية الصحية والخدمات الأساسية التي يحتاجون إليها، ما جعل حياتهم اليومية أكثر صعوبة بعد مضاعفة مخاطر الجوع والمرض.
ومع هذه الظروف المعقدة، يجد سكان كردفان أنفسهم أمام أزمة مركبة تتداخل فيها آثار النزاع المسلح مع الجفاف وارتفاع الأسعار وفقدان مصادر الدخل، بينما تتقلص قدرة الأسر على الصمود أمام شبح المجاعة.
وتحولت الأزمة بالنسبة إلى كثير من السكان إلى معركة يومية من أجل الحصول على الطعام والماء وتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، في ظل ظروف إنسانية تزداد تعقيدًا بمرور الوقت.
وبدأت أزمة الغذاء تلوح في الأفق بكردفان بعد توقف النشاط الزراعي في المشاريع الزراعية الكبرى بغرب وجنوب كردفان منذ بداية الحرب، ما خلق أزمة غذاء بدأت تستفحل، إلى أن وصلت إلى مرحلة أصبح فيها الذرة الغذاء الرئيس للسكان شبه معدومة في أسواق كردفان وما تبقى منها تباع بأسعار مرتفعة وخيالية.
يقول إبراهيم صالح، وهو مزارع من ولاية جنوب كردفان، لـ”أفق جديد”: “هنالك نكبة سبقت الوضع الحالي بعامين، ولكن لا أحد كان منتبهًا لها، وهي توقف الزراعة في المشاريع الزراعية بهبيلا والجبال الشرقية بجنوب كردفان بسبب حالة الهشاشة الأمنية وانعدام الوقود والتهديدات الأمنية التي طالت المزارعين، ومنذ توقف تلك المشاريع أصبح الاعتماد كليًا على المخزون من الذرة إلى أن نفد خلال العامين الماضيين”.
ويضيف صالح: “في العام الحالي تفاجأ الناس بعدم هطول الأمطار، مما ضاعف المعاناة وجعل آلاف الأسر تتضور جوعًا في إقليم كردفان الواسع”.
ويتابع: “حالة الجوع كان يمكن تجنبها لو توقفت الحرب وتمكن الناس من الزراعة في العامين الماضيين، ولما أصبحت الذرة التي ينتجها الناس بأيديهم نادرة إلى هذه الدرجة، وقد وصل سعر الجوال سعة 30 ملوة من الذرة الفترتيت إلى نحو 800 ألف جنيه في أسواق كردفان وهذه حالة نادرة.
ويحذر صالح من تفاقم الأوضاع قائلًا: “أمام وصول الوضع إلى هذه المرحلة يتوجب تدخل عاجل من الدولة والمنظمات لمساعدة الناس على توفير قوت يومهم، وإلا استشرت المجاعة وانعدم الطعام تمامًا، ومات الناس بالجوع في الطرقات”.
أما في غرب كردفان فمعاناة الناس تبدو مركبة بين انعدام الغذاء وعدم الاستقرار، حيث يعيش أكثر من 400 ألف نازح في عشرات المخيمات بالفولة وبندة وعدد من مدن غرب كردفان الأخرى.
ويروي عبد الله سليمان أحد سكان مدينة الإضية بغرب كردفان بأن حياة المواطنين وصلت إلى مرحلة متأخرة من نقص المواد الغذائية وصعوبة الحصول عليها من المناطق المجاورة.
ويقول عبد الله لـ”أفق جديد”: “في أبريل الماضي انعدم الغذاء تمامًا بمنطقة الحرت التابعة للإضية، مما دفع المواطنين إلى تناول علف الحيوانات من شدة الجوع، و في بقية المناطق داخل الإضية وهي إحدى محليات الولاية، فإن المواد الغذائية صارت شحيحة للغاية وقد وصل سعر جوال الدخن في ولاية غرب كردفان إلى نحو مليون جنيه، وهو مبلغ يفوق قدرة المواطنين الذين بقوا في الولاية الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع لأكثر من عامين”.
ويضيف عبد الله سليمان: “المعضلة الأكبر حاليًا أن الولاية شبه معزولة، ويصعب الوصول إليها من أي جهة وهو ما يجعل سلاسل الإمداد مقطوعة والأسواق متوقفة، والسلع الغذائية شحيحة ونادرة للغاية في معظم أجزاء الولاية، وخاصة في المناطق التي يوجد فيها النازحون”.
وفي مدينة الأبيض، التي يعيش فيها معظم النازحين من الإقليم والذي خلت فيه ثلاث مدن من سكانها تمامًا وهي الخوي وبارا والدبيبات، يعيش أغلب هؤلاء النازحين حاليًا في الأبيض ويواجهون أوضاعًا مأساوية بسبب الغلاء الفاحش في الأسعار التي أصبحت فوق طاقة المواطن والنازح.
ويقول سعد أحمد، وهو نازح من الخوي في الأبيض، لـ”أفق جديد”: “آلاف النازحين داخل المدينة يقيمون في مخيمات غير نظامية، ويواجهون ظروفًا إنسانية معقدة بسبب الغلاء، وهنالك من لا يستطيع توفير وجبة واحدة لأطفاله لعدم وجود فرص عمل في المدينة”.
ويخبر سعد بأن النازحين هربوا من القرى والمدن في كردفان وجاءوا إلى الأبيض في ظروف قاسية، لأنهم تركوا أنشطتهم الزراعية وأعمالهم خلفهم، وجاءوا من دون أي ممتلكات، ومع حالة الغلاء التي ضربت الأسواق أصبح كثير منهم لا يوفرون وجبة واحدة في اليوم.
ويشير سعد إلى أن جوال الذرة سعة 20 ملوة يبلغ سعره حوالي 250 ألف جنيه، ورطل اللبن 3500 جنيه، ورطل الزيت 12 ألف جنيه، ورطل البن 28 ألف جنيه، بينما يبلغ سعر كيلو اللحم 80 ألف جنيه للضأن و50 ألفًا للبقر.
وينطبق الحال كذلك على سكان الجهة الشرقية الشمالية من إقليم كردفان، حيث يجد سكان القرى الواقعة في ريفي أم روابة صعوبة في توفير احتياجاتهم اليومية، بعد شح هطول الأمطار وعدم توفر أي وظائف يمكنهم العمل فيها.
ويقول علي دفع الله، من إدارية ود عشانا التابعة لأم روابة، لـ”أفق جديد”: “هنالك غلاء مفاجئ في الأسعار، حيث قفز سعر جوال الذرة الفترتيت من 45 ألفًا في بداية العام إلى 300 ألف اليوم، كذلك وصل سعر جوال السكر إلى 480 ألفًا، ورطل الزيت 13 ألفًا، ورطل اللبن 3500 جنيه”.
ويضيف علي: “في ظل ارتفاع الأسعار، لا يملك الناس أي مصدر دخل، وحتى الزراعة التي كانوا يعتمدون عليها، سواء كانوا مزارعين أو عمالًا باليومية، فقد توقفت بسبب شح الأمطار وهذا ما جعل معظم الأسر غير قادرة على تناول وجبة واحدة في اليوم”.
ويؤكد أن الوضع يسير بوتيرة متسارعة نحو المجاعة الشاملة، لأن المواطنين، رغم توفر السلع وعدم وجود ندرة فيها، غير قادرين على تأمين احتياجاتهم بسبب حالة الفقر الشديد التي وضعتهم فيها الحرب.
ويختم علي بالقول: “منذ بداية الحرب قبل أكثر من ثلاثة أعوام توقفت الأنشطة والأعمال وأصبحت الأجور غير مجزية بسبب تراجع سعر الصرف، وفي هذا العام جاءت الطامة الكبرى، وهو شح الأمطار في الوقت الذي خسر فيه السكان مدخراتهم ولم يبقَ لهم مال يوفرون به السلع التي أصبح سعرها يزداد يوميًا”.





