السودان بين شرعية السلام وغنائم الحرب

إبراهيم هباني
على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ظهر سودانان لا سودان واحد: سودان تحمله قوى مدنية واسعة تبحث عن وقف الحرب واستعادة الدولة، وسودان آخر تتنازعه البنادق والكتائب وأمراء الحرب، ويطالب ممثلوه العالم بالاعتراف بسلطة لم يمنحهم إياها الشعب.
الفارق بين المعسكرين لم يعد في الشعارات، بل في طبيعة المشروع الذي يقدمه كل منهما.
القوى المدنية المناهضة للحرب، بمختلف تحالفاتها ومبادراتها، تلتقي حول أولويات واضحة: وقف القتال، حماية المدنيين، إيصال المساعدات، توحيد جهود الوساطة، ثم إطلاق عملية سياسية تعيد بناء الدولة على أسس مدنية وديمقراطية.
هذه القوى لا تقتصر على تحالف “صمود” أو قيادة عبد الله حمدوك. فهي تضم لجان مقاومة، وغرف طوارئ، ونقابات وأجساما مهنية، وقوى نسوية وشبابية، ومنظمات مجتمع مدني، وشخصيات وطنية مستقلة، إلى جانب قوى سياسية تختلف في تفاصيل الانتقال، لكنها تلتقي عند ضرورة إنهاء الحرب ورفض حكم البندقية.
أما معسكر الحرب، فلا يقدم سوى سردية تبرر استمرار القتال، وتطالب العالم بالاعتراف بسلطة الأمر الواقع، وتتجنب الإجابة عن سؤال بسيط: ما مشروعكم للسودان غير الحرب؟
التحرك الذي يقوده حمدوك ووفد “صمود” في نيويورك وواشنطن يمثل أحد مسارات هذا الحضور المدني، لا المشهد كله. وأهميته أنه كشف حجم الانفتاح الدولي على الصوت المناهض للحرب، وأكد أن المدنيين ليسوا مجرد ضحايا ينتظرون ما يتفق عليه الجنرالات، بل أصحاب المصلحة الأولى في السلام ومستقبل الدولة.
لم يأت هذا الاهتمام الدولي مجاملة لأشخاص أو تحالف بعينه، بل نتيجة لفشل الرهان على حاملي السلاح. فقد أثبتت الحرب أن اختزال السودان في طرفي القتال قد يقود إلى هدنة مؤقتة أو صفقة لتقاسم السلطة، لكنه لا يصنع سلاما ولا يبني دولة.
الجنرالات يستطيعون التفاوض على وقف إطلاق النار، لكنهم لا يملكون وحدهم حق تقرير مستقبل ملايين السودانيين.
هنا تتقدم شرعية السلام. وهي شرعية لا تمنحها الصور في ممرات الأمم المتحدة، وإنما يمنحها وضوح الموقف والقدرة على تقديم بديل سياسي. فالقوى المدنية تستمد مشروعيتها من رفض الحرب والدفاع عن حق السودانيين في الحياة، لا من دبابة أو كتيبة أو منطقة نفوذ.

وفي المقابل، تتراجع واجهة الحكم الانقلابي رغم ما تملكه من أختام ومقار وأعلام. فالعالم يميز بين الدولة ومن يستولي على مؤسساتها، وبين الجيش الوطني ومن يستخدمه للوصول إلى الحكم، وبين السيادة بوصفها حقا للشعب والسيادة حين تتحول إلى شعار لحماية سلطة الأمر الواقع.
تحاول الحركة الإسلامية إعادة تقديم نفسها من خلف الزي العسكري. تريد من الخارج أن ينسى انقلابها الأول، وحكمها الذي عزل السودان، ودورها في تقويض الانتقال المدني، ثم انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، وصولا إلى الحرب التي تحولت إلى فرصتها الأخيرة للعودة إلى السلطة.
لقد اختطفت الحركة الإسلامية القوات المسلحة، وأدخلتها في صراعات الحكم، وأحاطتها بالكتائب العقائدية والتشكيلات الموازية، وربطت بعض مفاصلها بشبكات حزبية واقتصادية وأمنية. وبذلك افتقد السودان أهم حام كان يفترض أن يقف فوق الأحزاب ويحمي الوطن والشعب، لا أن يتحول إلى وسيلة لإعادة تنظيم إلى الحكم.
السودان لم يفقد حاجته إلى جيش قوي. فقد الجيش القومي المهني الذي يحتاج إليه.
والدفاع عن الجيش لا يكون بمنحه حق الحكم أو تبرير أخطائه، بل بتحريره من التنظيمات السياسية، وإبعاده عن الصراع على السلطة، وتفكيك الكتائب العقائدية، وبناء مؤسسة عسكرية واحدة تخضع للدستور والقانون. أما من يحول الجيش إلى حزب مسلح، ثم يرفع شعار حمايته، فهو يحمي نفوذه لا المؤسسة.
وإذا كان التيار المدني يتقدم تحت عنوان السلام، فإن المعسكر الآخر يتشقق بسبب الغنائم.
الخلاف بين عبد الفتاح البرهان ومني أركو مناوي ليس مجرد سوء تفاهم بين حليفين، ولا خلافا عابرا حول رحلة أو وفد أو مقعد. إنه مظهر لأزمة أعمق داخل تحالف لم يتأسس على مشروع دولة، بل على مصالح متعارضة جمعتها الحرب مؤقتا.
الحركة الإسلامية تريد استعادة حكمها. قيادات عسكرية تريد الاحتفاظ بالسلطة. الحركات المسلحة تريد توسيع حصتها في القرار والموارد. الكتائب العقائدية تريد حماية سلاحها ونفوذها. وشبكات اقتصاد الحرب تريد استمرار الفوضى التي فتحت أمامها أبواب الذهب والعقود والتهريب.
يجتمع هؤلاء ضد خصم، لكنهم يختلفون على الدولة.
وتظهر خلافاتهم الحقيقية كلما اقترب الحديث من التسوية. فالسلام يطرح أسئلة يخشونها: من يسلم السلاح؟ من يندمج في الجيش؟ من يخرج من السلطة؟ من يخضع للمحاسبة؟ ومن يتنازل عن الأموال والمواقع التي حصل عليها تحت غبار المعارك؟

الحرب تؤجل هذه الأسئلة، ولذلك أصبحت مصلحة لكثيرين.
خلاف البرهان ومناوي واحد من شقوق كثيرة في جدار حلف الحرب. تحته خلافات بين الجيش والحركات، وبين الحركات نفسها، وبين القيادات العسكرية والكتائب الإسلامية، وداخل الحركة الإسلامية ذاتها. لكل طرف قواته وحساباته واتصالاته، وكل طرف يخشى أن يسبقه حليفه إلى صفقة منفردة.
إنها ليست جبهة وطنية، بل هدنة مسلحة بين أمراء حرب.
في الجهة الأخرى، لا تحتاج القوى المدنية إلى التحول إلى تنظيم واحد حتى تكون متماسكة. قد تتباين حول شكل الانتقال أو ترتيبات الحكم أو تقييم تجربة السنوات الماضية، لكنها تتفق على القضايا الأساسية: لا حل عسكريا، لا شرعية للبندقية، لا دولة مع تعدد الجيوش، ولا سلام من دون عدالة ومؤسسة عسكرية قومية وسلطة مدنية.
هذه الوحدة حول الأهداف، لا التطابق في التفاصيل، هي مصدر قوتها. وهي ما يفسر الاهتمام الذي وجدته أصوات مدنية متعددة على هامش الجمعية العامة وفي المؤسسات الدولية، في مقابل تراجع القبول بواجهات التنظيم الإخواني وحلفائه.
لكن الانفتاح الدولي ليس بديلا عن الشرعية الداخلية. وعلى القوى المدنية أن تحول حضورها الخارجي إلى عمل وسط السودانيين، وأن تقترب من ضحايا الحرب، وتقدم برنامجا واضحا للأمن والاقتصاد والعدالة وإعادة الإعمار.
لا تكفي اجتماعات نيويورك إذا لم يصل أثرها إلى المواطن الذي فقد منزله وعمله وأسرته. ولا تكفي المطالبة بالحكم المدني من دون تصور واقعي لاستعادة الدولة وإعادة بناء الجيش وإنهاء تعدد المليشيات والكتائب.
ومع ذلك، فإن دلالة المشهد لا تخطئها العين. القوى التي حاول الانقلاب إقصاءها تعود من بوابة السلام، والذين استولوا على الدولة يتنازعون بقاياها. المدنيون يقدمون مشروعا للمستقبل، وأمراء الحرب يتشاجرون على الحاضر. الأولون يبحثون عن شرعية تنهي القتال، والآخرون يتصارعون على غنائم تبرر استمراره.
السودان اليوم بين طريقين: شرعية السلام التي تعيد الدولة إلى شعبها، وغنائم الحرب التي توزع ما تبقى منها بين الجنرالات والكتائب والحركات.
قد يملك حلف الحرب السلاح، لكنه لا يملك المستقبل. وقد تستطيع الحركة الإسلامية إطالة القتال، لكنها لن تستطيع تحويل الانقلاب إلى شرعية، أو الكتيبة إلى دولة، أو الجريمة إلى بطولة.
فالحق أبلج، والباطل لجلج.





