أما كان المجد للبندقية؟

وئام كمال
بدأت الحكاية بتأشيرة.
قبل أيام من موعد كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، امتنعت الولايات المتحدة عن منح عبد الفتاح البرهان تأشيرة الدخول. لم يكن المنع إجراءً إدارياً عابراً، بل كان رسالة سياسية واضحة كشفتها وكالة رويترز نقلاً عن مصدر دبلوماسي سوداني ومحلل غربي مقرب من الطرفين: التأشيرة مرهونة بالتوقيع على هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً اقترحها المستشار الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.
تسعون يوماً فقط يتوقف فيها الرصاص، ليأكل الناس ويتعالجوا ويعودوا إلى بيوتهم. هذا ما تصفه الأمم المتحدة بأنه ضرورة لوقف أكبر أزمة إنسانية في العالم.
البرهان رفض. وكتب في مجلة فورين بوليسي الأمريكية أنه سيرفض أي توجيهات خارجية، وأن الهدن السابقة لم تكن إلا فرصة لإعادة تنظيم قوات الدعم السريع.
لكن سفيره في الأمم المتحدة، الحارث إدريس، فعل العكس تماماً. ففي رسالة مؤرخة في 21 سبتمبر إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش، طالب بتدخل فوري لدى السلطات الأمريكية لضمان إصدار التأشيرة، محذراً من منع رئيس دولة عضو من المشاركة شخصياً في أعمال الجمعية العامة. حتى أن المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك قال إن غوتيريش يشعر بقلق بالغ وأثار المسألة فوراً مع واشنطن.
فأين ذهب المجد للبندقية؟
الرجل الذي قال المجد للبندقية، والسياسة لا تحكم، والذي انقلب على حكومة مدنية جاءت بإرادة الشارع، والذي اعتبر المواكب المليونية في ثورة ديسمبر فوضى وعمالة وفض اعتصامها بالرصاص، عاد اليوم يبحث عن الشرعية في ذات الشارع الذي احتقره، لكن بعد أن أغلقت أمامه أبواب السفارات.
وهنا تبدأ المغالطة الثانية والأكبر: البحث عن شرعية الشارع بالحافلات.
محاولات الحشد
بعد فضيحة التأشيرة، بدأ معسكره الإعلامي يروج لمسرحية جديدة: حشد في كل مدن سيطرته يوم الجمعة . بورتسودان وعطبرة وشندي ودنقلا وكسلا. باصات تُحرك من الولايات، موظفون يُهددون بالفصل، طلاب يُجمعون من المدارس، ومستنفرون بزي مدني. ثم لم تك إلا هزيمة أخرى..
وهذه ليست المرة الأولى. فقبل أقل من عام، وقف البرهان أمام حشد في قرية السريحة بولاية الجزيرة ليعلن التعبئة العامة مجدداً، ويدعو كل قادر على حمل السلاح للقتال، ويشترط نزع سلاح الدعم السريع قبل أي تفاوض، وهو ما وصفه حتى خصومه بأنه أحلام يقظة بعيدة عن الواقع.
إعلامه الذي طبل قبل أسبوعين لذهابه إلى أمريكا كأنه انتصار دبلوماسي ساحق ودليل على شرعيته الدولية، هو نفسه اليوم يطبل لعدم ذهابه كأنه بطولة قومية ورفض للإملاءات الأمريكية.
نفس الرحلة التي كانت انتصاراً لو تمت، أصبح إلغاؤها انتصاراً أيضاً. إن ذهب فهو الشرعي، وإن مُنع فهو البطل الذي قال لا. وفي الحالتين الشعب هو الخاسر.
وهذه هي كل تناقضات البلابسة التي تتجمع في مشهد واحد:
يقولون نحن مع الدولة، ويدعمون مليشيات موازية كالبراء والمستنفرين.
يقولون نحن مع الشرعية، وهم انقلبوا على الوثيقة الدستورية.
يسمونها حرب كرامة، والشعب يموت جوعاً ونزوحاً.
يتهمون كل من يقول لا للحرب بالخيانة، بدل مناقشة الفكرة َولكنهم لا يريدون صوت غيرهم بالخارج
يقولون ليست حرب كيزان، وقادتها هم قادة النظام السابق.
يرفعون شعار لا للتدخل الأجنبي، ويستقبلون سلاح إيران وتركيا ويستنجدون بروسيا ومصر.
يصورون أن الخيار إما بل بس حتى آخر سوداني أو أنت مع الجنجويد، ويلغون خيار التفاوض الذي أوقف كل حروب العالم.ثم يعودو ليضعو خطط لحوار سوداني يسمعون فيه صدى صوتهم فقط..
ثم يريدون أن يغطوا كل هذه التناقضات بحشد يوم الجمعة.هذه مغالطات لاتغطيها الحشود المأجورة
لكن المنطق بسيط: من يملك شرعية البندقية لا يحتاج إلى هتاف، ومن يملك شرعية الشارع لا يحتاج إلى تأشيرة.
فرئيس الجيش – كما سماه المستشار مسعد بولس – فقد الاثنتين. بندقيته لم تحسم حرباً دخلت عامها الثالث، وشارعه الحقيقي لا يقف في بورتسودان، بل يقبع في معسكرات النزوح في تشاد، وفي الجزيرة المنكوبة، وفي الفاشر المحاصرة، وهو يهتف بهتاف واحد: أوقفوا هذه الحرب.
أما كان المجد للبندقية؟ نعم، كان. لكن البندقية حين تفشل في حماية الشعب، لا يبقى لها مجد، ولا تصنع الحافلات لها شرعية، ولا يفتح لها باب السفارة الأمريكية.ويتنصل منها العالم شيئا فشيئا..
مليونية الجمعة لن تفتح أبواب واشنطن، ورفض التأشيرة لن يصنع بطلاً قومياً.
ودخان اللساتك المعلق بسماوات السودان لا يزال يحجب شرعية حكم العسكر…..





