السودان.. وطن يدفع ثمن خصومات قادته

إبراهيم هباني
في السودان، قد يبدأ الخلاف السياسي بسؤال صغير: من يجلس في صدر المجلس؟ ثم لا يلبث أن يصير سؤالا عن مصير البلد كله.
يختلف رجلان على القيادة، فينقسم من حولهما الأصدقاء والأحزاب والبيوت. ويبحث كل فريق عن حجة كبرى لخصومة يعرف المقربون منها أنها بدأت بجرح قديم، أو وعد لم ينفذ، أو مكانة ظن أحدهم أن الآخر انتزعها منه. ومع الوقت، يتوارى أصل الحكاية. يصبح الغضب موقفا سياسيا، ويصبح الولاء للرجل شهادة على الوفاء للمبدأ.
ليس السودانيون أكثر قابلية للخصام من سواهم. لكننا كثيرا ما نمنح رموزنا مكانة تجعل مراجعتهم ضربا من العقوق.
نختلف حول الزعيم، ثم نصطف باسمه، ثم نطلب من الوطن أن يتحمل نتيجة الاصطفاف. وإذا تصالح القادة، طُلب من أتباعهم أن ينسوا ما قالوه بالأمس. وإذا افترقوا من جديد، عادت الخصومة في ثوب قضية وطنية.
في الستينيات، أُخرج نواب الحزب الشيوعي من الجمعية التأسيسية، قبل أن تقضي المحكمة بعدم دستورية الإجراء. كانت وراء القرار خصومة سياسية وفكرية، لكن دلالته بقيت أبعد من الحزب المعني: حين لا تحتمل الأغلبية وجود خصمها، تصبح قواعد الحكم نفسها قابلة للكسر.
وبعد عقود، انقسمت السلطة بين عمر البشير وحسن الترابي عام 1999. لم يكن ذلك مجرد غضب بين رجلين؛ فقد تعلق النزاع بالنفوذ وصلاحيات الحكم. لكنه أظهر كيف يمكن لخلاف في قمة السلطة أن يشطر تنظيما حكم البلاد، وأن يعيد ترتيب ولاءات رجال الدولة على أساس موقفهم من شخصين.
ثم جاءت ثورة ديسمبر بفرصة نادرة: أن يكون الولاء لفكرة الدولة المدنية أكبر من الولاء لأي قائد فيها. غير أن تحالف القوى التي حملت الانتقال كان هشا منذ البداية، تتجاذبه خلافات الرؤية والثقة والمصالح. لا يتحمل المدنيون مسؤولية انقلاب أكتوبر 2021؛ فالذين نفذوه مسؤولون عن قرارهم. لكن تشتت القوى المدنية جعل الدفاع عن الانتقال أصعب، فيما انشغل بعض شركائه بمعارك النفوذ قبل أن تستقر قواعد الحكم.
وفي أبريل 2023، اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، بعدما كان قائداهما شريكين في السلطة. أسبابها أكبر من خصومة شخصية: نزاع على دمج القوات والقيادة والموارد ومستقبل الحكم. غير أن الفاجعة تكمن هنا تحديدا؛ فقد تُركت مسائل تمس حياة الملايين في يد قوى مسلحة لا توجد مؤسسة قادرة على إلزامها بحل خلافها سياسيا. اختلف القادة على شكل الدولة، فوجد الناس دولتهم تتصدع فوق رؤوسهم.
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يلاحق كل معسكر اليوم: أين ينتهي حقك في نصرة من تؤمن به، وأين يبدأ حق الآخرين في ألا يدفعوا ثمن خصومته؟
الحرب منحت السودانيين أسبابا حقيقية للغضب. من فقد ابنه أو بيته، ومن ذاق النزوح أو النهب، لا ينتظر درسا في التسامح. يريد أمنا وعدالة وحقيقة. لكن ثمة من يستعير هذا الألم ليمد عمر الحرب: يطلب من الناس أن يثقوا بالقائد، وأن يؤجلوا مساءلته، وأن يعتبروا كل دعوة لوقف القتال خدمة لخصمه.
في أبريل 2026، قدرت المنظمة الدولية للهجرة عدد النازحين داخل السودان بنحو تسعة ملايين، إلى جانب قرابة أربعة ملايين فروا عبر الحدود منذ بدء الحرب. ليست هذه الأرقام برهانا على مزاج شعب، بل شهادة على كلفة غياب دولة تحكم الخلاف قبل أن يتحول إلى سلاح.
لدينا عادة أن نسأل:
من الرجل الذي سيحكم السودان؟ والأجدر أن نسأل: ما القواعد التي تمنع أي رجل من أخذ السودان معه إذا خسر؟
لا تحتاج البلاد إلى قائد لا يغضب؛ فهذا غير موجود. تحتاج إلى مؤسسات لا تغضب معه، وقضاء لا يبدل حكمه إرضاء له، وجيش لا يدخل معاركه السياسية. وتحتاج، قبل ذلك، إلى مواطن يستطيع أن يحب رمزه وأن يقول له، حين يخطئ: يكفي.
فالبلد الذي يعلق مصيره على رضا قادته سيظل يدفع ثمن غضبهم.





