المئة التي لم نحتفل بها

عثمان فضل الله

كتب :عثمان فضل الله
نعم، احتفينا.
لكن بشيء من الحسرة والخوف والألم. احتفلنا لأن «أفق جديد» وصلت إلى عددها المئة، وخفنا لأننا لا نعرف بأي وجه ينبغي أن نحتفل، وحزنا لأن الطريق إلى هذا الرقم لم يكن طريقًا مفروشًا بالنجاح، بل كان طريقًا من الدم والخراب والغياب.
كان يمكن أن تكون المئة مناسبة للفرح. أن نرفع الكؤوس، ونستعيد الحكايات الجميلة، وننظر إلى ما أنجزناه بشيء من الزهو، ثم نفتح صفحة جديدة. لكننا، ونحن نقلب أعداد «أفق جديد» واحدًا بعد آخر، اكتشفنا أن المئة ليست مئة مناسبة للفرح، وإنما مئة شاهد على بلد يتآكل أمام أعيننا.
توقفت عند بعض الأعداد طويلًا. قرأت العناوين، وتأملت الصور، وعدت إلى الكلمات التي كتبناها في بدايات الحرب، ثم إلى تلك التي كتبناها بعد عام، وبعد عامين، وبعد كل مجزرة، وكل نزوح، وكل مدينة سقطت، وكل بيت تهدم، وكل أم انتظرت ابنًا لم يعد.
كنت أبحث عن شيء واحد.
عن عدد واحد يمكن أن نقتطعه من هذا الأرشيف كله ونقول: هنا كانت هناك لحظة فرح.
لم أجد.
وجدت الخرطوم وهي تحترق، والقرى وهي تُفرغ من أهلها، والأطفال وهم يكبرون في مخيمات النزوح بدل أن يكبروا في المدارس، والنساء يحملن ما تبقى من البيوت على ظهورهن، والرجال يهربون من الموت إلى موت آخر، وبلادًا كاملة تنام كل ليلة على احتمال أن تستيقظ على كارثة جديدة.
وجدت مئة عدد من البكائيات على بلادي.
مئة عدد من الدم والدموع والخراب.
مئة مرة حاولنا فيها أن نكتب عن الموت دون أن نعتاد عليه، وعن الجوع دون أن يتحول إلى رقم، وعن النازحين دون أن يصبحوا مجرد إحصائية، وعن الحرب دون أن نفقد القدرة على الغضب منها.
وهنا ربما يكون الإنجاز الحقيقي لـ«أفق جديد».
أنها، طوال هذه الأعداد، لم تتعلم كيف تعتاد الحرب.
كان يمكن لنا، مثل كثيرين، أن يصبح الموت خبرًا يوميًا، وأن تتحول المجزرة إلى عنوان، وأن يصبح النزوح رقمًا، وأن نتعامل مع الجوع بوصفه ملفًا من ملفات الأسبوع. لكننا قاومنا ذلك قدر ما استطعنا. ظللنا نكتب عن الإنسان الذي وراء الرقم، وعن البيت الذي وراء صورة الدمار، وعن الطفل الذي اختفى خلف إحصائية النازحين، وعن الوطن الذي لا ينبغي أن تختصره بندقية هذا الطرف أو خطاب ذلك الطرف.
المئة عدد ليست مئة أسبوع من الصحافة فقط. إنها مئة مرة جلس فيها أحدنا أمام شاشة، وفي رأسه سؤال ثقيل: ماذا يمكن أن نقول للسودانيين الذين لم يعد الكلام يغيّر شيئًا في حياتهم؟
ماذا نقول لمن فقد بيته؟
لمن فقد أباه أو أمه أو ابنه؟
لمن خرج من الخرطوم ولم يعرف إن كان سيعود إليها؟
لمن صار جواز سفره أهم من شهادته، ومكان نومه أهم من عنوان بيته، وكيس الدقيق أهم من كل أحلامه القديمة؟
ماذا نقول لبلد كامل صار يحتاج إلى من يذكّره بأنه ما زال حيًا؟
ربما لهذا لم يكن العدد المئة احتفالًا كاملًا.
كان فرحًا في موقع غير هذا، وزمان غير هذا.
كان يمكن أن نفرح لو أن المئة جاءت في سودان آخر؛ سودان لا يحتاج فيه الصحفي إلى البحث عن كلمات تصف الجثث، ولا يحتاج المحرر إلى الاختيار بين خبر المجاعة وخبر القصف، ولا يحتاج المصور إلى أن يختار أي صورة من صور الخراب تصلح للغلاف.
كان يمكن أن تكون المئة عيدًا.
لكنها جاءت ونحن نحصي خسائر الوطن.
ومع ذلك، لم نندم.
لأن «أفق جديد» لم تولد في زمن سهل، ولم تختر لنفسها طريقًا آمنًا. ولدت في نوفمبر 2024، والحرب كانت قد ابتلعت مساحات واسعة من البلاد، وكان الإعلام نفسه واحدًا من ضحاياها. المؤسسات أُغلقت، الصحف توقفت، الصحفيون تفرقوا بين المنافي والمدن والمخيمات، والاستديوهات والمطابع والأرشيفات تحولت في كثير من الأماكن إلى ذكريات.
في ذلك الخراب، كان مجرد إصدار مجلة فعل مقاومة.
أن تكتب يعني أن تقول إن البلاد لم تمت بعد.
أن تحقق خبرًا يعني أن تقول إن الحقيقة ما زالت تستحق أن تُبحث.
أن تراجع معلومة يعني أن تقول إن الكذب ليس قدرًا.
أن تفتح مساحة لصوت امرأة أو نازح أو صحفي أو شاهد على الانتهاك يعني أن الحرب لم تستطع أن تصادر كل الأصوات.
لهذا، حين ننظر اليوم إلى العدد المئة، لا نراه انتصارًا على الحرب. لم تنتصر «أفق جديد» على الحرب، لأن الحرب ما زالت هنا، والدم ما زال يسيل، والموت ما زال يكتب عناوينه بنفسه.
لكننا ربما انتصرنا على شيء آخر.
انتصرنا على فكرة أن الصمت هو المصير الوحيد.
ظللت، وأنا أقلب الأعداد، أبحث عن الأمل. كنت أريد أن أجد عددًا واحدًا نستطيع أن نقول عنه: هذا هو عدد السودان الذي كان يبتسم.
لكنني اكتشفت أن الأمل لم يكن في العناوين.
كان في الاستمرار نفسه.
في أن يصل العدد التالي بعد العدد السابق.
في أن يختلف فريق التحرير حول كلمة، ثم يعود فيتفق على أخرى.
في أن يكتب صحفي من مدينة بعيدة عن بيته، ثم يرسل مادته وكأنه يرسل قطعة من الوطن إلى وطن آخر.
في أن يقرأ شخص ما في مكان ما مادة كتبناها، ويشعر أن هناك من يرى ما يراه، وأنه ليس وحيدًا تمامًا في هذا الخراب.
ربما كان هذا هو الأمل الذي لم ننتبه إليه.
ليس أن نجد السودان الذي نحلم به داخل صفحاتنا، وإنما أن نرفض أن تختفي صورته من بينها.
المئة ليست نهاية الطريق.
ولا نعرف أصلًا إلى أين سيمتد الطريق، ولا كم عددًا آخر سنحتاج حتى نكتب أخيرًا عن السودان بلا خوف من قذيفة، ولا خبر عاجل عن مجزرة، ولا قصة نزوح جديدة، ولا طفل مات من الجوع، ولا مدينة تنتظر سقوطها.
لكننا نعرف شيئًا واحدًا.
أننا لا نريد أن يكون العدد المئة آخر شهادة.
نريد أن يأتي يوم نقلب فيه الأعداد القديمة، فنكتشف أن تلك البكائيات كانت فصلًا من الماضي، وأن السودان الذي كتبنا عنه وسط الموت عاد يبحث عن نفسه بين الرماد، وأن المدن التي غادرها أهلها امتلأت مرة أخرى بالأصوات، وأن الأطفال الذين حفظوا أسماء المخيمات حفظوا بدلها أسماء مدارسهم، وأن الصحافة عادت إلى شوارعها، وأن الكاميرا لم تعد تبحث عن الجثث، بل عن الحياة.
حينها فقط سنحتفل.
سنحتفل لا لأن «أفق جديد» بلغت العدد المئة، بل لأن السودان بلغ ضفة أخرى.
أما الآن، فنحن نحتفي على طريقتنا.
ننظر إلى المئة، ونضع أيدينا على قلوبنا، ونقول للبلاد التي أحببناها وكتبنا عنها وبكينا من أجلها:
ما زلنا هنا.
ولأننا ما زلنا هنا، فإن الحكاية لم تنتهِ بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى