النائحون كِرْوةً

أفق جديد
من أخطر ما فعلته تكنولوجيا الاتصال الحديثة بالإنسان أن حبسته داخل فقاعة معرفية. فقاعة منحته شعورًا زائفًا بأنه (دائمًا) على صواب. فالخوارزميات التي تستخدمها منصات التواصل الاجتماعي لا تعرض عليه العالم كما هو، وإنما تنتقي له، وفقًا لتفضيلاته وتفاعلاته، ما يجذب انتباهه ويؤكد قناعاته. فلا يجُد حوله غير أصوات تردد آراءه، وتؤيد أحكامه، وتسخر من مخالفيه.
والإنسان حين يسمع الرأي نفسه يتكرر مئات المرات، وتنهال على صاحبه إشارات الإعجاب والتأييد، يتوهم أن ما يراه يمثل رأي الأغلبية، وأن قناعات الجماعة التي تشاركه المنصة هي تعبير عن إرادة المجتمع كله. وهكذا يختلط انتشار الرأي داخل الفقاعة بانتشاره في المجتمع، وتصبح كثافة التفاعل دليلًا زائفًا على صحة الفكرة وشعبيتها.
وأخطر ما في “وهم الإجماع الزائف” أنه لا يكتفي بمنح “الناشط صاحب الحساب أو المنصة” يقينًا زائفًا بصحة آرائه، بل شعورًا زائفًا بحقٍ مشروع في تمثيل (المواطن) والتحدث باسمه، ولا يعود المخالف مجرد صاحب رأي آخر، وإنما خارجًا على إرادة أغلبية مُتوهمة، ومتمردًا على إجماع لم ينعقد قط.
هذه الحالة أخطر من الجهل التقليدي القائم على نقص المعلومات؛ فالجاهل يدرك أنه لا يعلم، أما أسير الفقاعة الخوارزمية فهو جاهل على اعتقاد بأنه عالم، ويخطئ وهو موقن بأنه يمتلك الحقيقة، ويتحدث باسم الناس، وهو لا يعرف إلا أصوات الذين يشبهونه. إنها مفارقة عصر الاتصال؛ خوارزميات قد تحبس الإنسان داخل عالم صغير من الموافقين، ثم تمنحه الوهم بأن هذا العالم الصغير هو المجتمع كله.
وهكذا، لا تكتفي الفقاعة بعزل الإنسان عن اختلاف مع الآخرين، بل تدفعه إلى إنكار حقهم في الاختلاف؛ إذ يتحول وهم امتلاك الحقيقة إلى وهم امتلاك الأغلبية، ثم إلى ادعاء امتلاك الحق في الحديث باسم الشعب ومحاكمة المخالفين لإرادته. وليس هناك أخطر من إنسان يعتقد أنه يمتلك الحقيقة، إلا إنسان يعتقد أن الجميع يشاركونه هذه الحقيقة، وأن من يخالفه إنما يخالف الشعب كله.
وتتجلى خطورة هذه الظاهرة في سودان الحرب، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي، لدى بعض الناشطين و”اللايفاتية” و”النائحات والننائحين بأجر”، إلى فضاءات لإنتاج وهم الإجماع الشعبي. فكل مؤثر تحيط به جماعة من المتابعين تردد أقواله، وتصفق لمواقفه، وتهاجم مخالفيه، حتى يتوهم أن جمهوره هو الشعب، وأن كثافة التفاعل مع منشوراته تمنحه تفويضًا سياسيًا لم يحصل عليه من أحد.
والأخطر أن بعض هؤلاء المؤثرين لم يعودوا يكتفون بادعاء التعبير عن الرأي العام، بل يتصرفون كما لو أنهم أوصياء عليه؛ يوزعون صكوك الوطنية، ويحددون من يستحق الانتماء إلى الوطن ومن ينبغي تخوينه، بينما يتولى جمهورهم مهمة ملاحقة المختلفين معهم، لا بالحجة، وإنما بالتجريح والإهانة والتخوين. و”الانصرافي” و”عمسيب” و”بسيوني” و”أم وضاح” خير أمثلة للحالة.
وهكذا تحولت الفقاعة الخوارزمية من فضاء لتبادل الآراء إلى وسيلة لإنتاج سلطة سياسية متوهمة. مؤثر يعتقد أن متابعيه يمثلون الشعب، وجمهور يعتقد أن كثرة متابعيه تمنحه حق إخضاع الآخرين لإرادته، ثم خوارزميات تعزز لدى الطرفين الشعور بأنهم الأغلبية التي لا يجوز مخالفتها.
ولعل أخطر ما كشفته حرب السودان ليس مجرد جرأة بعض “اللايفاتية” على التحدث باسم الشعب دون تفويض منه، بل استعداد جماعات من متابعيهم للتصرف كقطيع سياسي، يمنح المؤثر حق تمثيل الملايين، ثم يتولى محاكمة هؤلاء الملايين بتهمة الخروج على إرادة لم يعبّروا عنها، وإجماع لم ينعقد أصلًا.
والمفارقة أن من يرفع صوته مدعيًا تمثيل الشعب والحديث باسمه، في الغالب أنه محبوس داخل فقاعة متابعيه ولم يخرج يومًا ليتعرف إلى ما يفكر فيه بقية الشعب.
فقاعة رقمية
يبدأ الخبير في مجال مواقع التواصل الاجتماعي محمد ممدوح شورة من النظر في طبيعة عمل المنصات نفسها، موضحاً أن منصات التواصل لا تعرض للمستخدم كل المحتوى المنشور، وإنما تعتمد على خوارزميات لترتيب المحتوى وتحديد ما يظهر له، استناداً إلى تحليل سلوكه واهتماماته الرقمية.
ويشرح في حديثه لـ “أفق جديد” قائلا: إن هذه الخوارزميات تحلل مجموعة من المؤشرات، من بينها نوع المحتوى الذي يتفاعل معه المستخدم، والحسابات التي يتابعها، والمنشورات التي يقضي وقتاً أطول في مشاهدتها، والموضوعات التي يعود إليها باستمرار. وبناءً على هذه البيانات، تحاول المنصة تقديم المحتوى الأكثر ارتباطاً باهتماماته والأكثر احتمالاً لجذب انتباهه وتحفيز تفاعله.
غير أن المشكلة، بحسب شورة، تظهر عندما تؤدي هذه العملية مع مرور الوقت إلى حصر المستخدم داخل دائرة من المحتوى والآراء المتشابهة، وتقليل تعرضه لوجهات النظر المختلفة، وهي الظاهرة المعروفة بمفهوم «فقاعة الترشيح». ويرتبط بها مفهوم آخر هو «غرف الصدى»، التي تنشأ عندما يكون المستخدم داخل شبكة من الحسابات والمجموعات المتقاربة في أفكارها ومواقفها، فتستمر الآراء نفسها في التكرار والتأكيد، بينما يتراجع حضور الآراء المخالفة.

وفي الحالة السودانية، يرى شورة أن خطورة الظاهرة تتضح عندما يتابع المستخدم مجموعة من الصفحات والحسابات التي تتبنى الموقف السياسي نفسه، إذ يمكن أن يتكون لديه، بفعل التكرار، انطباع بأن هذا الموقف يمثل غالبية السودانيين، بينما لا يرى في الحقيقة سوى جزء محدود من المشهد، لا يعكس بالضرورة تنوع الآراء داخل المجتمع.
ومع ذلك، يشدد شورة على أن الخوارزميات لا تعزل المستخدم بالضرورة عن الآراء المختلفة بصورة تلقائية، لأن الأمر يرتبط أيضاً باختيارات المستخدم وطبيعة الحسابات التي يتابعها وتصميم المنصة نفسها. ويخلص إلى أن الخطورة الحقيقية ليست في الخوارزميات بذاتها، وإنما في احتمالية إسهامها في تضييق البيئة المعلوماتية للمستخدم، بحيث يرى جزءاً من الواقع ويعتقد أنه الصورة الكاملة.
ويتقاطع هذا التفسير مع ما يطرحه رئيس تحرير صحيفة «الجريدة» أشرف عبد العزيز، الذي يرى أن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي أسهمت بصورة كبيرة، منذ اندلاع الحرب، في تشكيل اتجاهات الرأي العام، من خلال إعطاء الأولوية لخطاب الكراهية وتعزيز الاستقطاب، عبر حصر المتابعين في المحتوى الإعلامي الذي يتطابق مع انحيازاتهم.
ويشير عبد العزيز إلى أن هذه الآليات البرمجية استُغلت أيضاً لتصدير روايات محددة وفرض شائعات الحرب النفسية على حساب التغطيات الإنسانية وحقائق الميدان. كما باتت، بحسب إفادته، تتحكم بصورة مباشرة في نوعية المعلومات التي تصل إلى الجمهور بشأن الحرب، من خلال تقليص وصول المحتوى التوثيقي أو حجبه بداعي مخالفته المعايير، مقابل تغليب الإثارة العسكرية على الكوارث الإنسانية.
ويضيف لـ”أفق جديد” أن الخوارزميات تتبع سلوك المستخدم وتزوده باستمرار بما يوافق انحيازاته ومواقفه المسبقة، وهو ما يعزله عن الرأي الآخر ويضعف فرص الحوار الوطني المتوازن.

أغلبية وهمية
لا يتوقف تأثير الخوارزميات عند تحديد المحتوى الذي يشاهده المستخدم، بل يمتد إلى تشكيل تصوره عن حجم التأييد الذي يحظى به رأي أو موقف سياسي معين. وهنا يلفت شورة إلى أن التفاعلات والإعجابات والمشاركات تُعد من المؤشرات التي تسهم في تكوين انطباع المستخدم عن مدى انتشار رأي معين، لكنها لا تعكس بالضرورة مدى قبوله أو انتشاره وسط المجتمع.
ويستعين شورة بمفهوم «الدليل الاجتماعي»، الذي يشير إلى ميل الأفراد للاستدلال بسلوك الآخرين عند تكوين مواقفهم، خصوصاً في القضايا التي تكون المعلومات بشأنها غير مكتملة أو محل خلاف.
وبحسب شرحه، فإن المستخدم عندما يشاهد منشوراً يحظى بعشرات الآلاف من الإعجابات والمشاركات، قد يعتقد أن الرأي المطروح يمثل أغلبية المجتمع، رغم أن تلك الأرقام لا توضح بالضرورة عدد المؤيدين الحقيقيين، ولا مدى تنوعهم أو توزيعهم الجغرافي.
ويضيف أن الحملات المنظمة وتكرار نشر المحتوى والتفاعلات المنسقة بين مجموعات من الحسابات يمكن أن تؤدي إلى تضخيم حضور رأي معين وإظهاره بصورة أكبر من حجمه الحقيقي.
وفي مقابل ذلك، يشير إلى ظاهرة «دوامة الصمت»، التي تحدث عندما يتردد بعض الأفراد في التعبير عن آرائهم المخالفة بسبب اعتقادهم أنهم يمثلون أقلية، بينما يبدو الرأي الأكثر ظهوراً وكأنه رأي الأغلبية.
ويقول إن مؤثراً أو صفحة سودانية قد يحققان أرقام تفاعل كبيرة حول موقف سياسي معين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الموقف يحظى بقبول واسع وسط السودانيين، لأن الجمهور قد يكون محصوراً في دائرة جغرافية أو فكرية محددة، أو في منهج ونمط تفكير واحد، كما قد تكون بعض التفاعلات ناتجة عن حملات تضخيم منظمة.
ومن هنا يدعو إلى التمييز بين حجم التفاعل الرقمي وحجم التأثير ومدى التأييد الحقيقي، فعدد الإعجابات والمشاركات يمكن أن يقيس انتشار المحتوى، لكنه لا يستطيع بمفرده تحديد اتجاهات الرأي العام أو إثبات وجود أغلبية مؤيدة لرأي بعينه.
وفي السياق ذاته، يلفت عبد العزيز إلى أن المحتوى المشحون بالعاطفة والغضب يحظى بفرص انتشار أكبر، إذ تمنح الخوارزميات، وفق تقديره، أولوية للخطاب الجهوي والقبلي وعبارات الكراهية والتخوين على حساب الخطاب المدني الداعي إلى التهدئة والسلام. وقد دفع ذلك بعض صناع المحتوى إلى استغلال هذه الديناميكية لتحقيق مشاهدات أعلى، من خلال تضخيم الخلافات وتكريس الانقسام المجتمعي.
ويفسر عبد العزيز انتشار المحتوى التحريضي المثير للغضب بأن الخوف والغضب والاستقطاب مشاعر إنسانية تفرض ردود فعل فورية، تدفع المستخدمين إلى إعادة النشر والتعليق بكثرة، بينما تحتاج المعلومات الموثقة والموضوعية إلى وقت للتحقق، وغالباً ما تقدم بلغة رصينة لا تستثير الانفعالات بالقدر نفسه.
ويخلص إلى أن آليات قياس الانتشار تهتم بحجم الانتباه الذي يحظى به المحتوى، بصرف النظر عن مضمونه الأخلاقي أو دقته الواقعية، وهو ما يفسر، في تقديره، قدرة الأخبار الزائفة على الانتشار على حساب الحقيقة.
شرعية المتابعين
من النتائج الأخرى التي أفرزتها البيئة الرقمية تحول أعداد المتابعين والتفاعلات إلى مصدر لنفوذ يتجاوز أحياناً حدود التأثير الإعلامي، ليصل إلى ادعاء التمثيل الاجتماعي والسياسي.
ويشرح شورة أن البيئة الرقمية منحت الأفراد قدرة كبيرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير في النقاش العام، وأصبح بإمكان شخص واحد، من خلال حساب على فيسبوك أو منصة أخرى، أن يمتلك جمهوراً واسعاً دون الحاجة إلى مؤسسة إعلامية أو صفة رسمية.
لكن الإشكالية، بحسب رأيه، تبدأ عندما يتحول الحضور الرقمي من مجرد تأثير في الجمهور إلى محاولة اكتساب شرعية اجتماعية أو سياسية من خلال أعداد المتابعين والتفاعلات.
ويشير إلى أن بعض المؤثرين والناشطين يستغلون الحضور المستمر والبث المباشر والتفاعل مع الجمهور لبناء صورة ذهنية عن أنفسهم باعتبارهم أصواتاً معبرة عن المجتمع أو متحدثين باسمه. ومع تكرار الظهور وتضخيم حجم التفاعل، قد يتكون لدى المتابعين انطباع بأن هذا الشخص يتمتع بقبول أو تفويض شعبي، رغم أن الأرقام لا تثبت بالضرورة وجود تمثيل حقيقي.
ويضيف أن بعض المؤثرين يحولون المتابعين إلى مجموعات ضغط رقمية، من خلال توجيههم لإعادة نشر مواقف معينة أو مهاجمة المنتقدين والمختلفين معهم، الأمر الذي يساعد على توسيع النفوذ وفرض الحضور داخل النقاش العام. وبهذه الطريقة، يتحول الجمهور من مجرد متلقٍ للمحتوى إلى أداة في صناعة النفوذ والتأثير.
ويشدد شورة على ضرورة التمييز بين التأثير الرقمي والتمثيل المجتمعي، فامتلاك عشرات الآلاف من المتابعين قد يمنح الشخص قدرة على التأثير في النقاش العام، لكنه لا يمنحه تلقائياً الحق في الحديث باسم المجتمع أو ادعاء تمثيل الرأي العام، لأن التمثيل يحتاج إلى تفويض أو آلية واضحة يمكن التحقق منها، بينما لا يمثل التأثير الرقمي في حد ذاته دليلاً على الشرعية أو التمثيل الشعبي والجماهيري.
اقتصاد الغضب
لم يعد التفاعل الرقمي مجرد مقياس لاهتمام الجمهور، بل أصبح في بعض الحالات مصدراً للمكاسب المادية والمعنوية، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن العلاقة بين اقتصاد المشاهدات وتراجع الضوابط المهنية والأخلاقية لدى بعض صناع المحتوى.
وفي هذا الجانب، يرى المصباح أحمد، رئيس دائرة الإعلام في حزب الأمة القومي، أن الحروب العبثية تدفع قادتها عادة إلى صناعة آلة إعلامية موازية، تتولى تبرير الحرب وتوفير الغطاء السياسي والمعنوي لاستمرارها، وتعمل على تشكيل الوعي العام وفقاً لأجندات أطراف الصراع ومصالحهم.

ويقول إن دور الإعلام المهني المستقل، الذي يحتكم إلى المعايير الوطنية والأخلاقية، يتراجع في مثل هذه الظروف، بينما تتسع مساحة الإعلام الانتهازي القابل للتوظيف لخدمة أجندات الحرب.
ومن هنا، بحسب المصباح، برزت أصوات إعلامية وناشطة تفتقر إلى الحد الأدنى من الضوابط المهنية والأخلاقية، وتتولى تسويق سرديات الحرب وتبرير الانتهاكات وتخوين المخالفين والتحريض على استمرار الصراع.
ويشير إلى أن الحرب وفرت لبعض هؤلاء فرصة لتحقيق مكاسب مادية ومعنوية واكتساب نفوذ لم يكن متاحاً لهم في الظروف الطبيعية، حتى أصبحت مصالحهم مرتبطة باستمرار الحرب والاستقطاب.
ولا يغفل المصباح أثر البيئة النفسية والاجتماعية التي يغذيها الخوف والانتقام والتعصب والاستقطاب الحاد، معتبراً أن ما يشهده السودان ليس مجرد انحدار في لغة الخطاب، وإنما أزمة أعمق تتعلق بتوظيف الإعلام في خدمة الحرب بدلاً من توظيفه لحماية المجتمع وصيانة وحدته وتعزيز فرص السلام.
ويذهب المصباح إلى أن الحروب تعيد تشكيل موازين النفوذ الاجتماعي والإعلامي بصورة استثنائية، فلا يكون الصعود في مثل هذه الظروف مرتبطاً بالضرورة بالكفاءة أو التأهيل أو الخبرة، وإنما قد تحكمه اعتبارات الولاء والاستعداد لتبني خطاب أطراف الصراع والدفاع عن سردياتها.
ويقول إن الأشخاص الذين يتمتعون بالاتزان والاستقلالية في مواقفهم ويرفضون الحروب والصراعات العبثية، غالباً ما يجدون أنفسهم في مواجهة مصالح قادة الحرب، لأنهم يدعون إلى تغليب المصلحة الوطنية والاحتكام إلى العقل والبحث عن الحلول السلمية، ولذلك لا يكونون بالضرورة الخيار المفضل لدى الأطراف التي تحتاج إلى أصوات تبرر مواقفها وتسوق سياساتها.
وفي المقابل، تبرز شخصيات تفتقر إلى التأهيل والخبرة المهنية، لكنها تمتلك الاستعداد لتبني الخطاب المطلوب وتقديم السرديات التي ترضي أطراف الصراع وتوفر لهم الغطاء الإعلامي والسياسي.
كما يرى أن منصات التواصل الاجتماعي أسهمت في تغيير معايير صناعة النفوذ والتأثير، إذ لم يعد التأثير مرتبطاً بالضرورة بالمعرفة أو المكانة المهنية والخبرة، وإنما أصبح في كثير من الأحيان مرتبطاً بالقدرة على إثارة الجدل واستقطاب المتابعين وتوظيف العواطف والانفعالات.
ويختصر المصباح هذه المفارقة في أن الانتشار أصبح بديلاً عن الكفاءة، والضجيج بديلاً عن المعرفة، والولاء بديلاً عن المهنية، وهو ما يراه اختلالاً حقيقياً في منظومة التأثير وتشكيل الوعي العام.
جذور الخطاب
أما الصحافي والناشط السياسي مصطفى سري، فيذهب إلى قراءة أكثر ارتباطاً بالتاريخ السياسي والاجتماعي للحركة الإسلامية وتجربتها في الحكم، معتبراً أن الناشطين المرتبطين باستمرار الحرب لا يملكون، في تقديره، برنامجاً لتحقيق التنمية، وأن تفكيرهم ينصب على مشاهد الدماء والأشلاء.
ويقول إن غالبية هؤلاء كانوا مرتبطين بنظام الحركة الإسلامية أو كانت لهم مصالح مالية معه، وفقدوا تلك المصالح بعد انتصار ثورة ديسمبر. ويضيف أن خطاب بعضهم كان مبتذلاً حتى في سنوات حكم الحركة الإسلامية، وأن ثقافة الإساءة والشتم لم تكن جديدة على ذلك الخطاب.

ويستعيد سري في هذا السياق خطابات يونس محمود عبر الإذاعة السودانية، التي يقول إنها تضمنت إساءات لقيادات المعارضة، بل امتدت إلى رؤساء دول، مستشهداً بما صدر بشأن العاهل السعودي الراحل الملك فهد بن عبد العزيز. كما يشير إلى إساءات الرئيس المعزول عمر البشير لقيادات المعارضة والحركات المسلحة بألفاظ وصفها بأنها بالغة القسوة.
ويربط سري بين ذلك الإرث وبعض الخطابات التي ظهرت خلال الحرب الحالية، مشيراً إلى خطابات الفريق ياسر العطا بشأن دولة الإمارات وقياداتها، وما تبعها، بحسب قوله، من إساءات صدرت عن ناشطين وعدد من قيادات الحركة الإسلامية. ويخلص إلى أن الحركة الإسلامية تمثل، في تقديره، المنبع الأساسي لخطاب الإساءة والتشهير والابتذال في السودان.
وفي تفسيره لصعود أشخاص لم تكن لهم مكانة معروفة قبل الحرب، يرى سري أن الظاهرة تكشف عن انحطاط استشرى، للأسف، في أوساط من المجتمع السوداني، تغذيه خطابات الكراهية والعنصرية والبغضاء التي تصاعدت بصورة غير مسبوقة. ويشير إلى أن ذلك دفع كثيراً من المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه العنصرية والكراهية كامنة في صدور قطاعات من السودانيين، ولم تجد الظروف التي أظهرتها إلا مع اندلاع الحرب.
لكنه يضيف عاملاً نفسياً يراه بالغ الأهمية، يتمثل في صدمة الحرب أو ما يعرف بالصدمة النفسية، موضحاً أن حرب أبريل 2023 اختلفت عن العمليات العسكرية السابقة التي شهدتها العاصمة الخرطوم، سواء أحداث التاسع عشر من يوليو 1971، أو انقلاب الجبهة الوطنية بقيادة محمد نور سعد في الثاني من يوليو 1976، أو دخول قوات حركة العدل والمساواة إلى أم درمان في أغسطس 2008.
ويقول إن تلك العمليات كانت محدودة مقارنة بحرب أبريل التي اندلعت داخل الأحياء السكنية، وشهدت استهدافاً مباشراً للمدنيين، وفرار غالبية السكان، مع انتقال العمليات العسكرية من ولاية إلى أخرى، واستهداف أطراف الصراع مجموعات إثنية بدعاوى التعاون مع الطرف الآخر.
ويرى سري أن مشاهدة القتلى، وطريقة عرض الأسرى، ومشاهد القتل والذبح أمام شاشات الهواتف المحمولة، تركت آثاراً نفسية مدمرة، وأسهمت في دفع بعض الأشخاص إلى التحريض على ارتكاب الجرائم، حتى بين المواطنين أنفسهم، في ظل انتشار السلاح وسط ما يعرف بالمستنفرين من قبل الجيش، ومجموعات الفزع التابعة لقوات الدعم السريع.
ويشير كذلك إلى إقامة حفلات غنائية خصيصاً للتحريض على ارتكاب الجرائم، قائلاً إن عدداً من المغنيات أسهمن في ذلك.
اغتراب التحريض
ومن الملاحظات التي يثيرها مصطفى سري أن عدداً كبيراً من المؤثرين المرتبطين بالحرب يقيمون خارج السودان منذ سنوات طويلة، وبعضهم غادر البلاد قبل الحروب السابقة. ويرى أن المفارقة تتمثل في أن بعض أصحاب الشهادات العليا والمواقع الأكاديمية والبحثية، ومن بينهم أساتذة جامعات وباحثون في العلوم الإنسانية وأطباء وإعلاميون ومطربات، كانوا من بين الأكثر تأثيراً في التحريض على العنف.
ويشير إلى أن عدداً منهم شارك في حشد السودانيين في عواصم دول تحكمها أنظمة ديمقراطية، من أجل التحريض على استمرار الحرب لمصلحة طرفي النزاع، وإن كان الحشد، بحسب إفادته، أكثر كثافة لصالح الجيش والقوات المشتركة.
ويضيف أن تلك التظاهرات شهدت في كثير من الأحيان اعتداءات على ناشطين يناهضون الحرب، بينما لم يدخل مؤيدو طرفي الحرب أنفسهم في مواجهات أو اعتداءات متبادلة بين أنصار الطرفين في تلك العواصم.
ويرى سري أن هذه المفارقة تكشف، في قراءته، أن المدنيين هم المستهدفون الأساسيون في الصراع، لا سيما الشباب والشابات الذين أشعلوا ثورة ديسمبر وتحملوا تبعاتها، ثم تعرضوا للاستهداف في مجزرة ميدان القيادة العامة.
ويقول إن استهداف هؤلاء استمر، سواء بالقتل أو التعذيب أو الاعتقال في مدن السودان المختلفة، أو عبر الاعتداء على أعراضهم في الخارج، والتهديد بتصفيتهم من خلال رسائل ترسلها حسابات مزيفة، فضلاً عن الاعتداءات اللفظية.

الأزمة الأخلاقية
لا يحصر المصباح أحمد تراجع الخطاب الأخلاقي في سلوك المؤثرين وحدهم، وإنما يضعه ضمن أزمة أوسع كشفت عنها الحرب في المجتمع السوداني ومؤسساته وقياداته.
ويقول إن الحرب أظهرت أزمة أخلاقية عميقة لم تقتصر على الأفراد، بل امتدت إلى بعض القيادات الاجتماعية والسياسية والمؤسسات، وكشفت حجم التراجع في منظومة القيم التي ظل المجتمع السوداني يعتز بها.
ويستدل على ذلك بممارسات النهب والسلب والانتهاكات التي شهدتها المدن والمناطق المختلفة، والتي يقول إن أفراداً من خلفيات اجتماعية ومؤسسية مختلفة تورطوا فيها، بما في ذلك بعض المواطنين ومنتسبون إلى المؤسسات النظامية لدى طرفي الحرب، الأمر الذي كشف، في تقديره، عن تآكل خطير في منظومة الضبط الاجتماعي والأخلاقي.
ويضيف أن خطاباً متدنياً يتسم بالإساءة والتجريح الجهوي والعنصري والتحريض على العنف لم يصدر عن بعض الناشطين والإعلاميين فحسب، وإنما امتد إلى بعض القيادات السياسية التي انحازت إلى خيارات العسكرة، وأسهمت في توفير الغطاء السياسي لاستمرار الحرب وتأجيج الصراع، بدلاً من الاضطلاع بمسؤوليتها الوطنية في حماية المجتمع والدفاع عن مصالح المواطنين.
ويرى المصباح أن البيئة الرقمية وغياب المساءلة وتراجع المؤسسات المهنية أسهمت جميعها في توسيع هذه الأزمة، ووفرت مساحة لظهور نمط جديد من الإعلام يقوم على الضوضاء والاستفزاز والعدوانية، بدلاً من المعرفة والكفاءة والمصداقية والمسؤولية.
كما يربط تفاقم الأزمة بغياب العدالة وسيادة حكم القانون، وتراجع الثقة في المؤسسات، فضلاً عن توظيف بعض المؤسسات القانونية والعدلية بصورة انتقائية في الصراعات السياسية وملاحقة بعض الرافضين للحرب والداعين إلى السلام.
أما مصطفى سري، فيربط الأزمة الحالية بترسبات الحروب السابقة في جغرافيا السودان المختلفة، وما خلفته من مشاعر الانتقام والغبن بين المكونات السكانية. ويقول إن اتفاقيات السلام التي وقعت في عدد من المناطق لم تعالج تلك الترسبات النفسية، كما أن الحكومات لم تستعن بالأخصائيين النفسيين لتقديم المعالجات والإرشادات للمجتمعات المتأثرة بالحروب.
ويرى أن تراكم هذه المشاعر، إلى جانب ما وصفه بالغبن لدى بعض المجموعات، أسهم في إظهار الأزمة الأخلاقية وعكس ظهور أنماط من السلوكيات الاجتماعية المقلقة، من بينها ظاهرة الانتحار أو محاولاته، والاعتداءات الجنسية على أطفال صغار السن، والقتل العشوائي.
ويشير سري أيضاً إلى أن البيئة الرقمية استُخدمت في التحريض ونقل الأخبار المضللة والمزيفة، بما يزيد من حدة التحريض والدعوة إلى التشفي، وأن بعض الأجهزة الإعلامية لعبت دوراً سلبياً من خلال نشر أخبار مزيفة ومقالات مليئة بالتحريض.
ويضيف أن منصات وحسابات مجهولة استُخدمت لبث خطاب الكراهية والإساءة والتحريض على القتل واستمرار الحرب.
مسؤولية المنصات
في الجانب المتعلق بمسؤولية شركات التواصل الاجتماعي، يرى محمد ممدوح شورة أن دور المنصات يتجاوز توفير مساحة للنشر، ليشمل مسؤولية الحد من الممارسات التي تسهم في نشر خطاب الكراهية والتحريض والتنمر الرقمي.
ويشير إلى أن بعض أنظمة التوصية قد تمنح المحتوى المثير للجدل والاستفزاز انتشاراً أكبر بسبب حجم التفاعل الذي يحققه، وهو ما يمكن أن يخلق بيئة تكافئ الخطاب العدائي بصورة غير مباشرة.
وتزداد الخطورة، بحسب شورة، عندما يتحول جمهور بعض المؤثرين إلى مجموعات منظمة لمهاجمة المختلفين معهم، سواء عبر التشهير أو التنمر أو حملات الإساءة المتكررة.
ويقول إن المسألة في الحالة السودانية أكثر حساسية بسبب الاستقطاب السياسي والاجتماعي، وتأثير خطاب الكراهية والتخوين على العلاقات بين مكونات المجتمع، مشيراً إلى أن الاعتداءات الرقمية لا تقف عند حدود المنصات، بل تمتد آثارها إلى تهديد سلامة الأفراد وسمعتهم، وتسهم في تعميق الانقسامات الاجتماعية.
ومن ثم، يدعو شورة المنصات إلى تطوير آليات أكثر فعالية لرصد حملات المضايقة المنظمة، وتطبيق سياسات واضحة ضد التحريض والتهديد وخطاب الكراهية، مع ضمان عدم استخدام هذه السياسات لتقييد حرية التعبير أو إسكات الآراء السياسية المخالفة.
ويؤكد أن المطلوب ليس منع الاختلاف، وإنما ضمان ألا يتحول الاختلاف إلى وسيلة للتهديد والإقصاء والاستهداف.
ويتفق أشرف عبد العزيز مع ضرورة الانتباه إلى الآثار التي تترتب على آليات التوصية بالمحتوى، مشيراً إلى أن المحتوى التوثيقي قد يتراجع وصوله أو يُحجب بداعي مخالفة المعايير، بينما تحظى الإثارة العسكرية بانتشار أوسع من الكوارث الإنسانية.
وهذا، بحسب رؤيته، يضع شركات المنصات أمام مسؤولية تتعلق بكيفية تصميم أنظمة التوصية، ومدى قدرتها على الحد من انتشار المحتوى التحريضي، دون التضحية بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات أو تقييد حرية التعبير.
التضخيم الرقمي
وفي ما يتعلق بالتمييز بين التأثير الحقيقي والتأثير المصنوع، يوضح شورة أن الأمر لا يمكن حسمه بالاعتماد على عدد المتابعين أو الإعجابات والمشاركات، وإنما يحتاج إلى تحليل أعمق لطبيعة الجمهور وسلوكه.
ويشير إلى أن تزامن تفاعل مجموعة من الحسابات مع المحتوى نفسه، أو نشر رسائل متشابهة خلال فترات زمنية قصيرة، قد يمثل مؤشراً على وجود تنسيق أو حملات تضخيم، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود تلاعب.
ومن الناحية التقنية، يلفت إلى وجود أدوات متخصصة تساعد في تحليل شبكات التفاعل ورصد أنماط النشاط الرقمي، من بينها «جيفي» و«نود إكس إل» لتحليل العلاقات بين الحسابات واكتشاف التجمعات وشبكات التضخيم، إلى جانب أدوات الرصد الإعلامي مثل «براند ووتش» و«ميلت ووتر» لتحليل انتشار الموضوعات واتجاهات التفاعل.
لكنه يشدد على أن نتائج هذه الأدوات تحتاج إلى تفسير وتحليل بشري، ولا يمكن اعتبارها دليلاً حاسماً على أن حساباً بعينه وهمي أو أن حملة معينة مصطنعة.
أما قياس مدى تمثيل المؤثرين للرأي العام السوداني، فيرى شورة أنه يتطلب تجاوز الأرقام الرقمية إلى دراسة طبيعة الجمهور من حيث التوزيع الجغرافي والاجتماعي والسياسي ومدى تنوعه، وما إذا كان يعكس فعلاً شرائح مختلفة من المجتمع السوداني أم يظل محصوراً في دائرة محددة من المتابعين.
ويؤكد أهمية المقارنة بين بيانات المنصات ونتائج استطلاعات الرأي المستقلة والمقابلات الميدانية، مشيراً إلى أن الوصول إلى قياس علمي لتأثير المؤثرين في السودان يحتاج إلى منهجية تجمع بين تحليل البيانات الرقمية، واستطلاعات الرأي بعينات ممثلة قدر الإمكان، ودراسة سلوك الجمهور.
ويخلص إلى أن عدد المتابعين قد يقيس حجم الحضور الرقمي، والتفاعلات قد توضح مستوى النشاط، لكن أياً منهما لا يثبت بمفرده أن الشخص يمثل الرأي العام السوداني، فالتأثير الرقمي شيء والتمثيل المجتمعي شيء مختلف تماماً.
المحاسبة
وعن سبل استعادة معايير المسؤولية الأخلاقية والمهنية، يرى المصباح أحمد أن الأمر يتطلب مساراً متكاملاً يبدأ بإيقاف الحرب وإنهاء حالة الاستقطاب، وإعادة الاعتبار لسيادة حكم القانون واستقلال المؤسسات العدلية، ومحاسبة كل من تورط في الانتهاكات والتحريض على العنف وخطاب الكراهية، دون تمييز أو انتقائية.
كما يدعو إلى إعادة بناء المؤسسات الإعلامية والمهنية على أسس الاستقلال والكفاءة والالتزام بالمواثيق الأخلاقية، وتعزيز التربية المدنية والإعلامية، وترسيخ ثقافة الاختلاف وقبول الآخر واحترام التعدد.
ويؤكد أن المسؤولية الأخلاقية ليست ترفاً في أوقات السلم، وإنما تصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الحرب والأزمات، لأن المجتمعات لا تنهار بفعل السلاح والدمار وحدهما، بل قد تنهار أيضاً عندما تفقد قدرتها على التمييز بين الحق والباطل، وبين الاختلاف والعداء، وبين الوطنية والتحريض.
ومن جهته، يدعو مصطفى سري إلى محاسبة قادة المنصات والصحف والأجهزة الإعلامية بعد رصد ما نشروه، ويرى أن المحاسبة الأخلاقية يمكن أن تتحقق من خلال كشف أصحاب الخطاب التحريضي وفضح ممارساتهم، إلى جانب اللجوء إلى العدالة، رغم ما وصفه بتعثرها في الوقت الراهن، معتبراً أن نقل الصراع إلى ساحة القانون يظل أحد المسارات الممكنة للمساءلة.
وفي المحصلة، يرى المصباح أن السودان، وهو يخوض واحدة من أصعب مراحله التاريخية، يحتاج إلى استعادة منظومته الأخلاقية والوطنية، وإعلاء قيمة الإنسان وكرامته، وتحرير المجال العام من خطاب الكراهية والتخوين. فالسلام، بحسب تعبيره، لا يتحقق بمجرد إسكات البنادق، وإنما يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الثقة بين السودانيين، وترميم النسيج الاجتماعي، وتأسيس ثقافة وطنية قوامها التسامح والتعايش واحترام القانون، والإيمان بأن هذا الوطن يسع الجميع.
وتكشف الإفادات، على اختلاف زوايا أصحابها، عن تداخل معقد بين التكنولوجيا والسياسة والاقتصاد والمجتمع في إنتاج المشهد الرقمي السوداني خلال الحرب. فالخوارزميات لا تصنع وحدها خطاب الكراهية، لكنها قد توسع نطاق انتشاره عندما تكافئ المحتوى الأكثر إثارة وتفاعلاً، والاقتصاد الرقمي قد يحول الاستفزاز إلى مصدر للمكاسب، فيما يمنح غياب المساءلة بعض الأصوات مساحة لتجاوز الحدود المهنية والأخلاقية.
وفي المقابل، لا تعني كثافة المتابعين أن صاحب الحساب يمثل المجتمع، ولا تعني كثرة الإعجابات أن الرأي يحظى بتأييد الأغلبية، كما لا تمنح القدرة على تحريك جمهور رقمي تفويضاً سياسياً أو اجتماعياً للحديث باسم السودانيين.
وتبقى المعضلة الأعمق أن الفضاء الذي كان يفترض أن يتيح للسودانيين مساحة للتواصل وتبادل المعلومات في زمن الحرب، أصبح في بعض جوانبه امتداداً للاستقطاب وميداناً لصناعة العداوات. وبينما تتواصل الحرب على الأرض، تتواصل معها معركة أخرى على الشاشات، لا يدور الصراع فيها حول امتلاك الحقيقة وحدها، وإنما حول من يملك القدرة على فرض روايته، وحشد الجمهور خلفها، وإقناع المتابعين بأن الضوضاء التي يسمعونها هي صوت الشعب كله.
لم تكتفِ الحرب السودانية بتدمير المدن والبيوت ومصادر الرزق، ولا بتفكيك الروابط الاجتماعية وتشريد ملايين المواطنين، بل امتدت آثارها إلى المجال العام، حيث انكشفت أنماط مقلقة من السلوك والخطاب، وتراجعت لدى بعض الأصوات المؤثرة أبسط الضوابط الأخلاقية والإنسانية. وعلى منصات التواصل الاجتماعي، ظهرت موجة من الإساءات والتشهير والطعن في الأعراض والتحريض على العنف والتخوين، حتى أصبح بعض المؤثرين والناشطين يتعاملون مع الفضاء الرقمي باعتباره ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتوزيع أحكام الوطنية والخيانة، تحت لافتات الدفاع عن الوطن أو الانتصار لأحد طرفي الحرب.
لكن ما الذي يدفع إنساناً إلى التخلي عن ضوابطه الأخلاقية، وتحويل الخلاف السياسي إلى عداوة شخصية، والاختلاف في المواقف إلى مبرر للطعن في الأعراض والكرامة الإنسانية؟ ولماذا صعدت إلى واجهة التأثير شخصيات لم تكن معروفة في المجال العام قبل الحرب، بينما تراجعت أصوات مهنية وثقافية كانت تحظى بالاحترام والتقدير؟ وهل كشفت الحرب عن أزمة أخلاقية كامنة في المجتمع السوداني، أم أن البيئة الرقمية أوجدت نمطاً جديداً من النفوذ يقوم على الابتذال والعدوانية والضوضاء؟
هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بسلوك أفراد أو مجموعات من الناشطين، وإنما تفتح الباب أمام قراءة أعمق للتداخل بين الصدمة النفسية الجماعية، والتفكك الاجتماعي، والاستقطاب السياسي، واقتصاد المشاهدات، وطبيعة عمل الخوارزميات، وغياب المساءلة المهنية والقانونية.
وفي محاولة لفهم هذه الظاهرة، تستطلع «أفق جديد» آراء الدكتورة ناهد محمد الحسن، الطبيبة النفسية والكاتبة الصحافية، ومهند منير، الإعلامي المتخصص في المحتوى الرقمي، اللذين يقدمان قراءتين تتكاملان في تفسير التحولات التي أصابت الخطاب العام السوداني خلال الحرب، وإن اختلفت زاوية المعالجة بين التفسير النفسي والعصبي والاجتماعي من جهة، والتفسير الإعلامي المرتبط بتغير البيئة العامة وموازين التأثير من جهة أخرى.

صدمة جمعية
تضع الدكتورة ناهد محمد الحسن ملاحظة منهجية مهمة قبل الدخول في تفسير الظاهرة، إذ تؤكد أن ما تقدمه هو تحليل لظاهرة اجتماعية ونفسية، وليس تشخيصاً لأشخاص بعينهم، لأن الطب النفسي لا يشخّص أحداً عن بُعد، كما أن هذه الظاهرة لا تخص معسكراً سياسياً دون آخر. وتشير إلى أن دراسات المراقبة الرقمية رصدت تنافس طرفي الحرب بشراسة على امتلاك سردية الصراع في الفضاء الرقمي، وأن الجميع، كتاباً وقراءً، يعيشون داخل هذه الصدمة ويتأثرون بها.
وتشدد على أن محاولة الفهم لا تعني التبرير، وإنما تمثل الخطوة الأولى نحو المساءلة والتعافي.
وتبدأ ناهد تفسيرها من المستوى النفسي، حيث ترى أن الحرب تمثل صدمة جمعية تدفع الجماعات الكبيرة إلى ما يسميه المحلل النفسي فاميك فولكان «النكوص الجمعي»، وهي حالة ترتد فيها الجماعة إلى آليات دفاع نفسية بدائية، أبرزها الانشطار والإسقاط.
في حالة الانشطار، تنقسم صورة العالم إلى معسكرين مطلقين؛ نحن الأخيار الخُلّص، وهم الأشرار المطلقون. فلا يعود هناك مجال لرؤية التعقيدات أو الاعتراف بالأخطاء أو التمييز بين المسؤولية الفردية والجماعية، بل تصبح الجماعة التي ينتمي إليها الفرد مصدراً مطلقاً للحق، فيما يتحول الآخر إلى مصدر مطلق للشر.
أما الإسقاط، فيتمثل في إلقاء ما يعجز الفرد أو الجماعة عن احتماله في الذات من خوف وعجز وشعور بالذنب على الآخر، بحيث يصبح الخصم مستودعاً لكل الصفات والمخاوف التي ترفض الجماعة الاعتراف بوجودها داخلها.
وتشير ناهد إلى أن اجتماع هذه الدفاعات النفسية على المستوى الجماعي يؤدي إلى ما وصفه فولكان بـ«الحاجة إلى عدو»، حيث تودع الجماعة في خصمها كل ما ترفضه في ذاتها، فتحافظ بذلك على صورة نقية ومتماسكة عن نفسها.
وفي مثل هذا المناخ، لا يُطلب من المؤثر، بحسب تحليلها، أن يفسر الواقع أو يساعد الجمهور على فهم تعقيداته، وإنما أن يوفر له مساحة يفرغ فيها غضبه، وهنا يؤدي الشتم والسباب والإساءة وظيفة نفسية واجتماعية يجد فيها بعض المتابعين متنفساً لمشاعرهم المتراكمة.
وتضيف أن المستوى الاجتماعي لا يقل أهمية عن المستوى النفسي، فملايين السودانيين فقدوا بيوتهم ومهنهم ومكانتهم الاجتماعية، وأصبح الإذلال المتراكم يبحث عن مخرج، فيما يمثل العدوان اللفظي واحداً من أرخص الوسائل التي يستعيد بها الإنسان شعوره بالقوة والسيطرة.
وتتغذى هذه الحالة، بحسب ناهد، على انقسامات اجتماعية قديمة لم تعالج جذورها، مشيرة إلى تقرير عن الخطاب القبلي في الفضاء الرقمي السوداني وجد أن نحو 82 في المائة من المحتوى القبلي الذي جرى تحليله احتوى على شكل واحد على الأقل من الخطاب العدائي.
كوابح مفقودة
لا تقف ناهد عند التفسير النفسي والاجتماعي، بل تنتقل إلى البيئة الإعلامية، حيث ترى أن ثلاث آليات تتضافر في إنتاج الخطاب العدائي وتوسيعه.
الأولى هي ما يعرف بـ«أثر انفلات الكوابح الرقمي»، الذي وصفه جون سولر، ويشير إلى أن الشاشة تحجب وجه المتلقي عن صاحب الإساءة، فتسقط الحواجز الاجتماعية والنفسية التي كانت تضبط الكلام في المواجهات المباشرة. فالإنسان الذي قد يتردد في توجيه إهانة إلى شخص يقف أمامه، يجد نفسه أكثر استعداداً لكتابتها عندما لا يرى ملامح المتلقي ولا يواجه رد فعله الإنساني المباشر.
أما الآلية الثانية فتتعلق بمكافأة الخوارزميات للعداء، إذ تشير ناهد إلى دراسة تناولت أكثر من مليوني منشور، ووجدت أن كل كلمة إضافية تشير إلى الجماعة المنافسة رفعت احتمال مشاركة المنشور بنسبة 67 في المائة.
والآلية الثالثة هي المكافأة الاجتماعية التي يحصل عليها صاحب الخطاب العدائي من خلال الإعجابات والتفاعلات. وتستشهد بدراسة شملت 12.7 مليون تغريدة، أظهرت أن ميل المستخدمين إلى التعبير عن السخط يزداد كلما حصلوا على إعجابات أكثر على تعبيراتهم السابقة عن السخط.
وتستخلص من ذلك أن المنصة لا تكتفي بعكس الغضب الموجود لدى المستخدمين، وإنما يمكنها أن تسهم في تعليمه وتعزيزه، من خلال المكافأة المتكررة للسلوك الذي يجذب التفاعل.
وهنا تتضح إحدى المفارقات التي تفسر انتشار الإساءة في الفضاء الرقمي السوداني؛ فالمحتوى العدائي لا ينتشر فقط لأن صاحبه غاضب، وإنما لأن البيئة التي ينشر فيها قد تمنحه مكافآت اجتماعية ورقمية تدفعه إلى تكرار السلوك وتطويره، حتى يصبح الابتذال جزءاً من نمط إنتاج المحتوى، وليس مجرد انفعال عابر.
صناعة النفوذ
أما صعود أشخاص لم تكن لهم مكانة في الحياة العامة أو حضور مؤثر في المجتمع قبل الحرب، فتفسره ناهد من خلال أربعة عوامل متداخلة.
أولها انهيار ما يعرف بـ«حراس البوابة» في المجال الإعلامي. فالحرب أدت إلى توقف صحف وقنوات، وتشتت الصحفيين، وتعطل النقابات والمؤسسات التي كانت تمنح الاعتراف المهني وتفرض المعايير. ومع غياب هذه المؤسسات، لم تعد هناك بوابات واضحة للعبور إلى المجال العام، وأصبح عدد المتابعين في كثير من الحالات هو العملة الأساسية لما يسميه عالم الاجتماع بيير بورديو «الرأسمال الرمزي».
وبذلك لم يعد السؤال الأساسي: من أنت؟ وماذا تعرف؟ وما خبرتك؟ وإنما أصبح: كم شخصاً يسمعك؟
العامل الثاني يرتبط بالخوف والبحث عن اليقين. وتستند ناهد إلى نظرية «عدم اليقين والهوية» لمايكل هوغ، التي تشير إلى أن الناس في أوقات الغموض الشديد يميلون إلى الانجذاب نحو الأصوات الحاسمة والقاطعة.
وفي ضباب الحرب، كما تشرح، قد ينتصر الشخص الذي يقول «أنا متأكد» على الخبير الذي يقول إن الصورة معقدة، لأن المؤثر الصاخب يبيع للخائفين يقيناً زائفاً، فيما يشتريه الخائف بامتنان، بحثاً عن إجابة بسيطة لواقع شديد التعقيد.
أما العامل الثالث فيتمثل في أن الابتذال قد يُقرأ لدى بعض المتابعين باعتباره دليلاً على الصدق والعفوية. فاللغة الفجة تبدو لهم غير مصنوعة وتشبه لغتهم اليومية، وهو ما يخلق ما يعرف بـ«العلاقة شبه الاجتماعية»، التي وصفها هورتون وفول، حيث يشعر المتابع بأنه يعرف المؤثر شخصياً، ويمنحه ثقة قد لا يمنحها لمؤسسة إعلامية محترفة.
والعامل الرابع هو أن بعض هذا الصعود ليس عفوياً بالكامل، وإنما يمكن أن يكون مدعوماً ومداراً من أطراف ومجموعات تمتلك مصالح سياسية وإعلامية.
وتشير ناهد إلى تقرير «ساحة المعركة الرقمية»، الذي رصد اختلافاً في أنماط الحضور الرقمي بين طرفي الحرب، إذ أشار إلى أن فيسبوك يمثل المنصة الأقوى لأنصار الجيش، وتهيمن عليه سرديات قومية وعسكرية مدعومة من الإعلام التقليدي ومؤثرين موالين، بينما يتلاءم أسلوب تيك توك السريع والدرامي مع الاستراتيجية الإعلامية لقوات الدعم السريع.
وتخلص إلى أن النفوذ الرقمي ليس دائماً نتيجة شعبية طبيعية أو تلقائية، بل قد يكون في بعض الحالات نفوذاً مصنوعاً تدعمه شبكات وتوفر له بيئة الانتشار.
اقتصاد الكراهية
في تفسير العلاقة بين اقتصاد المشاهدات وتراجع المعايير الأخلاقية، ترى ناهد أن تأثير اقتصاد التفاعل كبير، لكنه يعمل بوصفه مضخماً للظاهرة وليس منشئاً لها. فاقتصاد المشاهدات لم يخلق الغضب، لكنه حوله إلى نموذج عمل، بحيث أصبح الاستفزاز استثماراً رابحاً، فيما يبدو الاعتدال خسارة في معادلة الانتشار.
وتستند في ذلك إلى أرقام رصدتها منظمة «بيلد أب»، إذ حصدت منشورات خطاب الكراهية على فيسبوك خلال شهر نوفمبر 2025 وحده نحو 2.06 مليون إعجاب و429 ألف تعليق.
وتشير إلى أن الإعجابات على محتوى الكراهية تضاعفت تقريباً في يوليو 2026 مقارنة بشهر يونيو من العام نفسه، بينما رصد التقرير شحاً في الموارد المخصصة لإنتاج المحتوى الداعي إلى السلام.
وتختصر هذه المفارقة بعبارة مباشرة: «الكراهية ممولة، والسلام فقير».
ولا تكتفي ناهد بالأرقام المنشورة في تقارير الرصد، بل تقدم نموذجاً من تحليلها الشخصي لنحو مئتي تعليق على فيديو وثقته شبكة «عاين» لناشطات سودانيات يروين تجاربهن مع العنف الرقمي.
وتقول إن 82 في المائة من التعليقات التي حللتها كانت عدائية، مقابل 8 في المائة فقط من التعليقات الداعمة، فيما كان التعليق الأعلى تفاعلاً في سلسلة التعليقات يسخر من العنف الإلكتروني، وحصد 252 إعجاباً.
وتلفت إلى أن الجمهور في هذه الحالة لم يكن متفرجاً محايداً، بل كان يكافئ العدوان نفسه، من خلال منح التعليقات المسيئة تفاعلاً أكبر من التعليقات الداعمة للضحايا.
لكن ناهد تحذر من اختزال الظاهرة في المال وحده، لأن المكافأة ليست مادية دائماً، فالإعجاب نفسه يمثل «عملة نفسية» تمنح صاحب المحتوى إحساساً بالمكانة والانتماء والتأثير.
ومن هنا تطرح مسؤولية الجمهور في هذه المعادلة، معتبرة أن كل إعجاب على منشور مسيء يمثل، للأسف، مساهمة صغيرة في تمويله، سواء كان التمويل مادياً أو معنوياً.
الشاشة والضمير
في محاولة لتفسير استعداد بعض المؤثرين للتخلي عن الضوابط الأخلاقية واستخدام الألفاظ النابية والطعن في الأعراض والتحريض على العنف، تنتقل ناهد إلى البعد العصبي، موضحة أن الدماغ يمتلك منظومة من المكابح التي تضبط السلوك العدواني، لكن البيئة الرقمية قد تضعف عمل هذه المكابح.
وتشير إلى أن السلوك العدواني يرتبط بمناطق تحت القشرة الدماغية، من بينها الوطاء والجهاز الحوفي، وتستشهد بتجارب أظهرت أن تنشيط بؤرة صغيرة في الوطاء لدى الفئران يدفعها إلى مهاجمة الإناث وحتى الأشياء الجامدة، بينما يؤدي إسكات هذه البؤرة إلى كبح السلوك العدواني.
غير أن هذه الدوائر، كما تشرح، تخضع لرقابة القشرة الجبهية، ويرتبط العدوان الاندفاعي بخلل في هذه الرقابة.
ومن أهم الكوابح التي يتحدث عنها عالم الأعصاب جيمس بلير، وفق عرضها، أن ملامح الخوف والحزن على وجه الضحية تعمل بوصفها «إشارة توقف» تكبح المعتدي. كما تستحضر تجارب ستانلي ميلغرام الشهيرة، التي أظهرت أن استعداد الأشخاص لإيذاء الآخرين يتراجع كلما اقتربوا من ضحاياهم ورأوا وجوههم.
وتقول إن الشاشة تمحو هذا الوجه تماماً؛ فالشخص الذي يكتب شتيمته أو يطلق تهديده لا يرى دمعة الضحية ولا انكسارها، ولا تصله الإشارات الإنسانية التي يمكن أن تدفعه إلى التراجع عن سلوكه.
ثم تأتي المكافأة الاجتماعية والرقمية لتكمل الدائرة، إذ تشير إلى أبحاث على الحيوان وجدت أن العدوان ذاته قد يصبح سلوكاً مجزياً لدى بعض الأفراد عبر دوائر المكافأة في الدماغ.
لكن التفسير العصبي، في نظر ناهد، لا يعني أن الإنسان يفقد مسؤوليته الأخلاقية أو يصبح معذوراً في سلوكه العدواني، وإنما يساعد على فهم الظروف التي تضعف الكوابح وتزيد احتمالات الانخراط في العنف.
فك الارتباط
وعلى المستوى النفسي والسلوكي، تستعين ناهد بنظرية «فك الارتباط الأخلاقي» التي طورها ألبرت باندورا، لتفسير الطريقة التي يعطل بها الإنسان ضميره دون أن يشعر بالضرورة بأنه ارتكب خطأ.
وتشير إلى أن الإنسان لا يتخلى عن كوابحه الأخلاقية دفعة واحدة، وإنما يستخدم مجموعة من الآليات التي تمنحه مبررات للاستمرار في السلوك العدواني.
أولى هذه الآليات هي التبرير الأخلاقي، حين يقول الشخص لنفسه إنه يدافع عن الوطن، وبذلك يصبح كل ما يفعله مقبولاً في نظره، حتى لو تضمن انتهاك كرامة الآخرين أو التحريض على قتلهم.
والآلية الثانية هي نزع الإنسانية عن الخصم، باستخدام الألقاب والتحقيرات التي تحوله من إنسان له حقوق وكرامة إلى شيء أو كائن لا يستحق الاحترام.
أما الثالثة فهي التسمية المخففة، حين يعاد تقديم التشهير باعتباره كشفاً للخونة، ويصبح التحريض يقظة وطنية، وتتحول الإهانة إلى دفاع عن قضية عامة.
والرابعة هي توزيع المسؤولية، عندما يبرر الفرد سلوكه بالقول إن الجميع يفعلون ذلك، فلا يشعر بأنه يتحمل مسؤولية شخصية عن الإساءة أو التحريض.
وتضيف ناهد إلى هذه الآليات ما تسميه «اللوم الجماعي»، مشيرة إلى أن تقرير «ساحة المعركة الرقمية» رصد سرديات متقابلة لدى طرفي الحرب، إحداها تصف مجتمعات وقبائل بأكملها بأنها حواضن اجتماعية للخصم، وتبرر العنف ضدها على هذا الأساس، بينما تصور سردية مقابلة الحرب باعتبارها صراعاً ضد هيمنة تاريخية لفئات بعينها على الدولة.
وترى أن خطورة السرديتين تكمن في أنهما تنقلان العداء من المقاتل المسؤول عن أفعاله إلى جماعة اجتماعية كاملة، فيصبح المدنيون أنفسهم أهدافاً للاتهام والعقاب بسبب هوياتهم أو انتماءاتهم المفترضة.
استهداف النساء
وتولي ناهد اهتماماً خاصاً لظاهرة الطعن في الأعراض واستهداف النساء الناشطات في الفضاء الرقمي، معتبرة أن هذه الممارسات تحمل دلالات تتجاوز الإساءة الشخصية إلى محاولة إذلال جماعة بأكملها.
وتقول إنه في مجتمع ترتبط فيه الكرامة الاجتماعية بمفاهيم الشرف، يصبح استهداف النساء وسمعة الأسر وسيلة لإذلال الجماعة التي تنتمي إليها المرأة، وليس مجرد اعتداء على فرد بعينه.
وتستشهد بتحليلها لتعليقات فيديو شبكة «عاين»، حيث رصدت أكثر من 53 شخصاً مختلفاً كرروا عبارات تكاد تتطابق في إنكار أنوثة الناشطات السودانيات.
وتفسر هذه الظاهرة بالاستعانة بمفهوم «التنافر المعرفي» لدى ليون فستنغر، موضحة أن بعض الأشخاص عندما يرون امرأة تتحدث بثقة وتحلل وتقود، ويجدون أن ذلك لا يتوافق مع صورتهم الذهنية عما ينبغي أن تكون عليه المرأة، يصبحون أمام خيارين: مراجعة تصوراتهم المسبقة، أو إنكار أنوثة المرأة والطعن فيها.
وترى أن الخيار الثاني يكون أسهل لدى من يتمسكون بتلك التصورات ويرفضون مراجعتها.
كما تربط الاعتداءات الرقمية على النساء بنموذج ديفيد فينكلهور ونظرية «الأنشطة الروتينية» لكوهين وفيلسون، موضحة أن الاعتداء يكتمل عند اجتماع أربعة شروط: وجود دافع لدى المعتدي، وتعطيل ضميره الداخلي بالتبرير، وغياب الرقيب الخارجي الذي يفترض أن يوفره القانون أو الاستجابة الفعالة من المنصات، ووجود هدف يتصوره المعتدي مناسباً للاستهداف.
وفي هذا السياق، تصبح المرأة الناشطة، في منطق المعتدي، هدفاً مضاعفاً؛ لأنه يتوهم ضعفها من جهة، ويرى في نشاطها وتحديها لسلطته تهديداً من جهة أخرى.
وتصحح ناهد اعتقاداً شائعاً بشأن المجهولية باعتبارها السبب الأول للإساءة، مشيرة إلى دراسة سويسرية شملت أكثر من نصف مليون تعليق، ووجدت أن أصحاب التعليقات المسيئة الذين استخدموا أسماءهم الصريحة كانوا أكثر عدوانية من المجهولين.
وتفسر ذلك بأن الشخص الذي يرى هجومه واجباً أخلاقياً ودفاعاً عن قضية عادلة لا يجد بالضرورة سبباً للاختباء، وهو ما يجعل بعض المسيئين يتخلون حتى عن الحاجة إلى الأقنعة، عندما يصبح الشتم في تصورهم عملاً وطنياً يستحقون عليه الإشادة.
وتشدد هنا على ضرورة التمييز بين نوعين من العدوان: العدوان الانفعالي الذي يصدر تحت تأثير الغضب، والعدوان الأداتي البارد والمحسوب الذي يجري إنتاجه لتحقيق غرض محدد.
وترى أن كثيراً من إساءات المؤثرين تنتمي إلى النوع الثاني، لأنها تُنتج بصورة مقصودة لجذب المشاهدات وتحقيق المكاسب المالية، ولذلك لا يجوز استخدام التفسير العصبي ذريعة لإعفاء أصحابها من المسؤولية. فعلم الأعصاب، كما تقول، يشرح كيف تتعطل الكوابح، لكنه يؤكد أيضاً أن قرار تعطيلها يكون في كثير من الأحيان قراراً واعياً.
أزمة مركبة
وعن السؤال المتعلق بما إذا كانت الحرب قد كشفت عن أزمة أخلاقية كامنة في المجتمع السوداني، أم أن البيئة الرقمية أوجدت نمطاً جديداً من النفوذ يقوم على الضوضاء والابتذال والعدوانية، تجيب ناهد بأن الأمر يجمع بين الاحتمالين، وتقدم ما تسميه «الاختلال المركب»، الذي يتكون من ثلاث طبقات متشابكة.
الطبقة الأولى هي الاختلال البنيوي، المرتبط بهشاشة الدولة وضعف المؤسسات والتاريخ الطويل لتوظيف الانقسامات الاجتماعية. وتشير إلى أن تقرير «ساحة المعركة الرقمية» يربط فهم الكراهية الرقمية بهشاشة الدولة وتقلب المجتمع والتلاعب المزمن بالانقسامات الاجتماعية من قبل الأنظمة العسكرية.
أما الطبقة الثانية فهي الاختلال المعرفي، الذي يتمثل في أنماط التفكير الثنائية والقطعية، والثقافة التي تحتفي بالغلبة اللفظية أكثر مما تحتفي بالحجة والمعرفة.
والطبقة الثالثة هي اختلال النخب، حيث ترى أن بعض النخب ظلت تمارس خطاب الاحتقار والإقصاء، حتى تحول هذا الخطاب إلى نموذج يحتذى في المجال العام.
وتقول إن البيئة الرقمية جاءت لتزيل الكوابح، وتمنح ما كان كامناً من سلوكيات منبراً وعائداً، فالحرب لم تخلق القبح، لكنها رفعت عنه الغطاء ومنحته مكبر صوت.
ومع ذلك، تحذر ناهد من تعميم الحكم على المجتمع السوداني كله، مشيرة إلى أن خطاب الكراهية، وفق عينة المنشورات المرتبطة بالحرب التي ترصدها منظمة «بيلد أب»، شكّل نحو 12 في المائة من البيانات المجمعة في يوليو 2026.
وتخلص إلى أن الضجيج ليس هو الأغلبية، لكنه الأعلى صوتاً، وهي ملاحظة مهمة عند تقييم حجم الظاهرة، لأن كثافة حضور الخطاب العدائي في المنصات لا تعني بالضرورة أن غالبية السودانيين تتبناه أو توافق عليه.
السلام ممكن
وتشير ناهد إلى أن نسب خطاب الكراهية ليست ثابتة، بل تتغير تبعاً لتطورات الحرب والحراك الاجتماعي والإعلامي. وتستشهد بما رصده تقرير «بيلد أب» عندما نشر مؤثرون سودانيون مقطع فيديو مشتركاً يدعو إلى إنهاء الحرب ويؤكد أن الحديث عن السلام ليس خيانة، حيث تراجعت حصة خطاب الكراهية في الشهرين التاليين، وربط التقرير ذلك بالحراك الذي أحدثه الفيديو.
لكن النسبة عادت إلى الارتفاع في مايو بنحو 89 في المائة، كما شهد يوليو ارتفاعاً مع التصعيد العسكري، عندما أصبحت الأطر العدائية تصور الخصوم باعتبارهم تهديداً وجودياً.
وترى أن هذه المؤشرات تؤكد أن استعادة المعايير الأخلاقية ممكنة، لكنها تظل هشة ومرتبطة بإيقاع الحرب نفسها، إذ تتراجع مساحات الكراهية عندما تتقدم أصوات السلام، وتعود إلى الارتفاع مع تصاعد العمليات العسكرية وتغذية خطاب العدو الوجودي.
وتقدم ناهد مجموعة من المسارات التي ترى أنها ضرورية لاستعادة المسؤولية الأخلاقية في المجال الرقمي، تبدأ من الجمهور نفسه، الذي تصفه بأنه الحلقة الأقوى في مواجهة العدوان الرقمي.
وتقول إن أكثر ما لفت انتباهها في تحليل تعليقات فيديو «عاين» لم يكن فقط أن 82 في المائة من التعليقات كانت عدائية، وإنما أن التعليقات الداعمة لم تتجاوز 8 في المائة.
وتستعين هنا بمفهوم «أثر المتفرج»، الذي طوره دارلي ولاتانيه، ويشير إلى أن الأفراد كلما وجدوا أنفسهم وسط حشد كبير، زاد اعتقاد كل واحد منهم بأن شخصاً آخر سيتدخل، فينتهي الأمر إلى عدم تدخل أحد.
وتقول إن المعتدين في الفضاء الرقمي غالباً ما يكونون أكثر تنظيماً، بينما يتفرق المدافعون عن الضحايا، ولذلك يمكن لتعليق داعم واحد في اللحظة المناسبة أن يكسر عزلة الشخص المستهدف ويمنحه شعوراً بأنه ليس وحيداً.
وتوضح أن المعتدي يريد الضحية معزولة، لأن الهدف المعزول يصبح أكثر ملاءمة للاستهداف، بينما يمكن للمساندة العلنية أن تقطع هذه العزلة. وفي المقابل، فإن الإعراض عن المسيء وعدم مشاركة محتواه يمثلان وسيلة لقطع المورد الذي يعتمد عليه في الانتشار.
وعلى المستوى المهني، تدعو إلى إحياء مواثيق الشرف الصحفي بمشاركة الصحفيين في الداخل والمهجر، وبناء منصات موثوقة تعيد للمعلومة الرصينة جاذبيتها.
وتربوياً، ترى أهمية برامج «التحصين المسبق» التي طورها باحثون مثل ساندر فان دير ليندن، والتي تقوم على تعليم الناس آليات التلاعب العاطفي والمعلوماتي قبل تعرضهم لها، على غرار فكرة اللقاح الذي يمنح الجسم استعداداً لمواجهة المرض.
أما تقنياً، فتدعو إلى الضغط على منصات التواصل الاجتماعي لتطوير الإشراف على المحتوى باللهجة السودانية، وحرمان المحرضين من الاستفادة المالية من المحتوى العدائي.
ومجتمعياً، تشدد على ضرورة إشراك القيادات الدينية والأهلية والنسوية في إعادة تعريف مفهوم البطولة، بحيث يصبح البطل هو من يحفظ النسيج الاجتماعي لا من يمزقه.
كما تدعو إلى فتح فضاءات للحداد الجمعي ومعالجة الصدمة النفسية، لأن الألم غير المعالج يمكن أن يتحول إلى عدوان، بينما تقل حاجة الجماعة التي تجد مساحة آمنة للحزن والتعافي إلى البحث عن عدو تسقط عليه أوجاعها.
وفي الجانب القانوني، ترى أهمية توثيق التحريض ضمن ملفات العدالة الانتقالية، حتى يدرك الجميع أن الكلمة التي تحرض على العنف أو تبرر الانتهاكات لن تمر دون مساءلة.
تغير المجتمع
من جانبه، يقدم الإعلامي المتخصص في المحتوى الرقمي مهند منير قراءة تنطلق من تأثير الحرب في إعادة تشكيل المجتمع وموازين العلاقات داخله، معتبراً أن الحرب تمثل أكبر عامل لتغيير جغرافيا البشر وتاريخهم، وأن هذا التغيير يؤدي بالضرورة إلى اهتزاز ثوابت ظلت محمية بفعل أوضاع اجتماعية كانت تبدو مثالية أو مستقرة في نظر أصحابها.
ويرى أن هذا التحول يفسر جانباً من تدني الخطاب الجماهيري، خصوصاً مع تنامي روح الانتقام داخل النفوس التي تعرضت لتجارب الحرب وآثارها.
ويشير منير إلى أن خطاب الكراهية السائد، الذي يشجع عليه أطراف الحرب، أسهم في توسيع دائرة هذا التدهور، لافتاً إلى أن الأمر لم يقتصر على أشخاص يفتقرون إلى التعليم أو التأهيل، بل امتد إلى أفراد يمتلكون رصيداً علمياً كبيراً، لكنهم وقعوا في الخطأ نفسه، وأصبح لهم نفوذ رقمي يتساوى مع أصحاب التأهيل المحدود، لأن ما جمعهم هو خطاب يقوم على تغييب العقل.
وتكشف هذه الملاحظة عن جانب آخر من أزمة المؤثرين خلال الحرب، إذ لا يبدو أن المؤهل العلمي أو المكانة المهنية يمثلان حصانة تلقائية ضد الانخراط في خطاب الكراهية، فقد يجد بعض أصحاب الشهادات العليا أنفسهم داخل المنظومة ذاتها التي تنتج الإساءات والتحريض، عندما تتحول المواقف السياسية والأيديولوجية إلى معيار للحكم على الآخرين.
وفي تفسيره لما إذا كانت الأزمة الأخلاقية جديدة أم كامنة في المجتمع، يرى منير أنها كانت موجودة بالفعل، لكن الهموم المعيشية كانت تشغل الفضاء العام وتحد من ظهورها بصورة واضحة.
ويقول إن الحرب عمت السودان بكل طبقاته الاقتصادية والاجتماعية، وأدت إلى تداخل واسع بين هذه الطبقات، الأمر الذي كشف، في تقديره، كثيراً من العورات الاجتماعية التي ظلت مستترة في ظروف الحياة الطبيعية.
وبذلك لا يرى منير أن الحرب أنشأت الأزمة الأخلاقية من عدم، وإنما أتاحت ظروفاً استثنائية أظهرت جوانب منها، بعدما اجتمعت الصدمة والانتقام وخطاب الكراهية وتراجع الضوابط التي كانت تحكم المجال العام.
وعن سبل استعادة المعايير الأخلاقية، يرى أن الأمر يتطلب ثورة في جميع المجالات، على أن تتم بصورة تصاعدية، لتقليل احتمالات الصدام القوي مع التيار الذي يصفه بالأغلب في المشهد الراهن.
مسؤولية مشتركة
تكشف إفادتا الدكتورة ناهد محمد الحسن والإعلامي مهند منير عن أن أزمة الخطاب العدائي في السودان لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، ولا اختزالها في سلوك مجموعة من المؤثرين أو الناشطين. فهناك صدمة نفسية جماعية، وتراكمات اجتماعية وسياسية، وانقسامات قديمة لم تعالج، ومؤسسات مهنية تراجعت قدرتها على ضبط المجال العام، وبيئة رقمية تمنح المحتوى الأكثر إثارة فرصاً أكبر للانتشار.
كما أن اقتصاد المشاهدات لا يكتفي باستثمار الغضب الموجود، بل يمكن أن يحوله إلى مصدر للمكاسب، بينما تمنح الإعجابات والتعليقات أصحاب الخطاب العدائي شعوراً بالمكانة والانتماء، وتدفعهم إلى تكرار السلوك وتطويره.
لكن التفسير النفسي والعصبي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للإفلات من المسؤولية، فهناك فرق بين شخص ينفلت تحت تأثير الصدمة، وآخر يتعمد إنتاج الإساءة والتحريض لأنه يعرف أن ذلك يجلب له المشاهدات والمكاسب والنفوذ. كما أن الدفاع عن الوطن لا يمكن أن يكون غطاءً لانتهاك كرامة المواطنين أو استهداف النساء أو التحريض على قتل المختلفين.
وتبقى مسؤولية الجمهور جزءاً أساسياً من هذه المعادلة، لأن المؤثر الذي يعيش على التفاعل لا يستطيع الاستمرار في إنتاج المحتوى العدائي إذا توقف الجمهور عن مكافأته، كما أن الضحية التي تواجه حملة منظمة تحتاج إلى أصوات تكسر عزلتها وتدافع عن حقها في التعبير والكرامة.
إن استعادة المسؤولية الأخلاقية في السودان لن تتحقق بمجرد مطالبة المؤثرين بضبط لغتهم، ولا بإصدار مواثيق مهنية لا تجد طريقها إلى التطبيق، وإنما تحتاج إلى وقف الحرب ومعالجة الصدمة الجماعية، وإعادة بناء المؤسسات، وإحياء المساءلة القانونية والمهنية، وتطوير سياسات المنصات لمواجهة التحريض باللهجات المحلية، وتعزيز ثقافة الاختلاف والتربية الإعلامية.
وتضع ناهد محمد الحسن جوهر المعضلة في خلاصة دالة: «حين نهاجم الأجساد والأعراض بدل الأفكار، فنحن نعترف بعجزنا عن مناقشة الأفكار».
ولعل هذه العبارة تلخص جانباً كبيراً من المشهد الرقمي السوداني؛ فحين يصبح التشهير بديلاً عن الحجة، والطعن في الأعراض بديلاً عن النقاش، والتخوين بديلاً عن الاختلاف، فإن الخسارة لا تقع على الضحايا وحدهم، وإنما تمتد إلى المجتمع بأكمله.
فالحروب لا تدمر المدن والاقتصاد والمؤسسات فقط، بل يمكن أن تدمر أيضاً قدرة الناس على رؤية بعضهم بعضاً بوصفهم بشراً متساوين في الكرامة والحقوق. واستعادة هذه القدرة هي أحد الشروط الأساسية لأي سلام قابل للحياة.
وليس المطلوب أن يتوقف السودانيون عن الاختلاف، وإنما أن يستعيدوا القدرة على الاختلاف دون أن يتحولوا إلى أعداء، وأن يدركوا أن الوطنية لا تُقاس بعلو الصوت، ولا بعدد المتابعين، ولا بقدرة شخص على حشد جمهور يصفق له، وإنما بمدى احترامه للإنسان وحقه في الحياة والكرامة والاختلاف.





