من مركز الكلى إلى حقول كرياندونغو .. رحلة رجل حمل أسرته من الحرب إلى المجهول

كرياندونغو/ سمر سليمان

في الساعة الحادية عشرة صباحاً تقريباً، خرج د. مصعب علي الطاهر محمد بلال من مركز الشهيدة سلمى لزراعة الكلى بجامعة الخرطوم مع مجموعة من المرضى والأطباء والممرضات، مستفيدين من هدنة قصيرة أتاحت لهم فرصة مغادرة المركز الذي أصبح وجودهم فيه خطراً على حياتهم. تقدم مصعب الصفوف وهو يعرف أن الطريق محفوف بالمخاطر، لكنه لم يفكر في نفسه كثيراً؛ كان همه أن يخرج المرضى من المكان بأقل قدر ممكن من الخطر. يقول إن الفكرة التي مرت في ذهنه ببساطة هي: إذا حدث شيء، فليحدث لي أولاً. لم تكن أسرته تعرف أنه غادر المركز، وعلمت والدته وأفراد الأسرة بخروجه بعدما شاهدت شقيقته مقطع فيديو انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي وظهر فيه ضمن الخارجين. بعض المرضى لم يستطيعوا مغادرة المركز بسبب حالتهم الصحية، فيما توفي آخرون داخله، وبقيت تلك المشاهد في ذاكرته، خصوصاً أن المكان الذي قضى فيه سنوات من حياته المهنية، وتابع فيه المرضى ومسؤولياتهم الطبية اليومية، تحول فجأة إلى مكان يحاول العاملون والمرضى الفرار منه.

اندلعت الحرب ومصعب يعمل في مركز زراعة الكلى، بعد سنوات أمضاها في المجال الصحي، بينها خمس سنوات في العناية المركزة مسؤولاً عن الدم والأكسجين ومتابعة المرضى منذ دخولهم إلى العناية وحتى خروجهم منها. مع الأيام الأولى للحرب، انقطعت المياه والطعام والكهرباء، وأصبح قرب المركز من مناطق عسكرية خطرة يضاعف المخاطر على المرضى والعاملين. الخروج من المركز لم يكن نهاية الأزمة، بل بداية رحلة نزوح طويلة. من الدروشاب اتجه مصعب إلى الكدرو، ثم واصل إلى دردوق بعدما تغير الوضع الأمني، ومع استمرار الرحلة بدأت مدخراته تنفد. اضطرت الأسرة إلى بيع هواتفها لتوفير المال، ثم استأجرت حافلة واتجهت إلى ربك، حيث أقامت فترة مع أعمامه قبل الانتقال إلى مدارس الإيواء بحثاً عن مكان أكثر أمناً.

في سبتمبر، ترك مصعب أولاده في ربك واتجه جنوباً بحثاً عن العمل. لم يجد أمامه سوى الخيارات المتاحة في المكان الذي وصل إليه، فعمل كاشيراً في مطعم. بالنسبة لرجل قضى سنوات في بيئة طبية تتطلب معرفة دقيقة ومسؤولية كبيرة تجاه المرضى، شكلت الوظيفة الجديدة تحولاً قاسياً في حياته، لكنها في تلك اللحظة لم تكن مسألة اختيار مهني، بل وسيلة لتوفير المال. لم يستمر العمل طويلاً، فاتجه إلى صيد الأسماك واشترى أدوات للصيد بنحو ستة آلاف واثني عشر حبلاً. بدأ يخرج للصيد، ثم يقطع الأسماك ويضع عليها الملح حتى تجف، أو ما يعرف بـ«الكجيك»، قبل تعبئتها وبيعها. حاول أن يبني لنفسه مصدراً جديداً للدخل، لكن العنف ظل يلاحق محيطه؛ ففي إحدى المرات قتل أحد أقاربه خلال أحداث عنف. ويقول مصعب إن عمه ظل يشجعه على الاستمرار، وكان يقول لهم إن الحياة القديمة انتهت وإن عليهم أن يبدأوا حياة جديدة، حتى إنه شجعه على شراء شباك للصيد.

ثم تلقى اتصالاً يخبره بأن أولاده وصلوا إلى الرنك، فعاد إليهم وسط المطر والسيول والخريف. قطع الطريق حتى وصل إلى منطقة جلهاك بعد رحلة شاقة، والمياه تصل إلى منتصف جسده تقريباً، وهناك التقى أولاده وشقيقته. سجلتهم إحدى المنظمات، ثم انتقلوا إلى أويل، حيث عمل مصعب لفترة، لكن الأولويات تغيرت مرة أخرى. لم يعد السؤال عن الوظيفة وحدها، وإنما عن الحياة اليومية للأسرة: كيف يعيشون؟ كيف يوفرون الطعام؟ وكيف يحمون الأطفال؟ من أويل بدأت الأسرة مرحلة جديدة من الرحلة، واستقلت قارباً استغرق ثلاثة أيام للوصول من الرنك إلى ملكال. يصف مصعب الرحلة بأنها كانت مرهقة، وسط مكان ضيق وغير مريح، وعمليات تفتيش متكررة وانتظار طويل، فيما كان السودانيون في طريق اللجوء يقفون في صفوف للحصول على مواد غذائية أساسية مثل الدقيق والعدس والكاو والملح.

ملكال لم تكن مكاناً غريباً تماماً على مصعب؛ فهو مولود في المنطقة، لكن المدينة التي عرفها في طفولته أصبحت محطة في رحلة اللجوء. ومع اندلاع أحداث الكنابي في الجزيرة، ازداد قلق الأسرة وهي تتابع الأخبار من خارج السودان. لم يعد الخوف مرتبطاً فقط بالمكان الذي تركوه، بل أصبح احتمال انتقال العنف إلى المناطق التي لجأوا إليها هاجساً مستمراً. يقول مصعب إن الأحداث بدأت تصل إليهم، ووجدوا أنفسهم أمام السؤال نفسه من جديد: إلى أين نذهب؟ وهل يوجد مكان آمن فعلاً؟ قرروا في النهاية التوجه إلى أوغندا، ودبروا تكاليف السفر بما استطاعوا، وباعوا ما تبقى لديهم حتى يتمكن مصعب من السفر مع أولاده.

وصلت الأسرة إلى معسكر يومانزي، وهناك بدأت مواجهة جديدة مع تفاصيل الحياة في اللجوء. الطعام مختلف، والثقافة الغذائية مختلفة، والأطفال لم يعتادوا على الوجبات المتاحة. أصبحت الأسرة تقف في الصف منذ الساعة الواحدة للحصول على الطعام، ومرة يبكي الأطفال ومرة يصبرون، بينما يتحول الحصول على وجبة إلى جزء أساسي من برنامج اليوم. بعد ذلك انتقلت الأسرة إلى الكلسترات في كرياندونغو، حيث واجهت ظروفاً أكثر صعوبة؛ الحشائش والحشرات والقلق المستمر من الملاريا. ويقول مصعب إن محدودية العلاج تمثل واحدة من أكبر مشكلات اللاجئين، إذ تنتهي شكاوى صحية كثيرة إلى علاج الملاريا، مهما اختلفت الأعراض.

حاول مصعب العثور على عمل، فاشتغل باليومية بأجر قليل، وأحياناً من دون وجبة، قبل أن يعود إلى البطالة. شهاداته وخبرته الطويلة لم تفتح أمامه باباً للعمل في المكان الذي وصل إليه لاجئاً، فلم يجد سوى الزراعة. بدأ بزراعة البامية والعيش الريفي والفول السوداني، بحثاً عن مصدر يوفر لأسرته بعض الغذاء والدخل. في الأرض الجديدة يقضي أيامه وهو يتابع المحصول، في صورة تختصر جانباً كبيراً من التحول الذي فرضته الحرب على حياته؛ الرجل الذي تولى في الخرطوم مسؤولية الدم والأكسجين في العناية المركزة أصبح يقف اليوم في قطعة أرض صغيرة ينتظر محصول البامية.

لا يعرف مصعب إلى أين ستقوده هذه الحياة. العودة إلى السودان تحمل سؤالاً ثقيلاً: «نرجع بشنو؟»، والبقاء في أوغندا لا يقدم إجابة أسهل: «نستقر كيف؟». لا عمل ثابت ولا دخل يكفي، فيما حياة اللجوء نفسها تحتاج إلى موارد وقدرة على الاحتمال. قبل الحرب، امتلك مصعب مهنة وخبرة وبيتاً وحياة مستقرة يعرف تفاصيلها، أما اليوم فيحاول بناء حياة جديدة في بلد آخر، مستنداً إلى قدرته على العمل وإلى ما تبقى من أمل في أن يجد لأسرته مكاناً آمناً.

يتذكر وضعه قبل الحرب، ثم يقارن ذلك بما وصل إليه، ويقول: «زمان وضعي كان كيف والآن كيف؟». ثم يصمت قليلاً قبل أن يستعيد ما يمنحه القدرة على مواصلة الطريق: «الله يلعن الحرب والله يلعن من كان السبب فيها، لكن نقول الحمد لله، البركة في صلاتنا وقرآننا عشان ربنا يخفف علينا».

في كرياندونغو، لا يعرف مصعب إن كانت الأرض التي يزرعها اليوم ستظل محطة مؤقتة في رحلة النزوح أم تتحول إلى بداية حياة جديدة. كل ما يعرفه أن الحرب نقلته من مركز زراعة الكلى في الخرطوم إلى عمل في مطعم، ثم إلى صيد الأسماك، ومنها إلى رحلة عبر القوارب ومخيمات اللجوء، قبل أن تنتهي به في قطعة أرض يزرعها بيديه. وبين كل هذه المحطات ظل يحمل معه أسرته وذاكرته وخبرته المهنية، فيما يبحث عن الشيء الذي دفعه إلى مغادرة الخرطوم في البداية: مكان يستطيع فيه أطفاله أن يعيشوا بأمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى