بورتسودان.. حين يصبح المأوى المؤقت مهددًا بالإخلاء

أفق جديد

في أحد مراكز الإيواء المؤقتة بمدينة بورتسودان، لم تعد الفرش البسيطة وأمتعة الأسر وحدها شاهدة على ما خلّفته الحرب. خلف أبواب المركز تتكدس مقتنيات عائلات نزحت من مناطق القتال، وتنام أمهات وأطفال في مساحة ضيقة، بينما يحاول الجميع التمسك بما تبقى من إحساس بالأمان بعد رحلة طويلة من الخوف والنزوح.

لكن هذا الاستقرار الهش مهدد بالانتهاء قريبًا، بعدما شرعت سلطات ولاية البحر الأحمر في ترتيبات لإخلاء عدد من مراكز الإيواء المؤقتة في المدينة، في إطار خطة لإعادة تنظيم أوضاع النازحين.

وبينما ترى السلطات أن الخطوة ضرورية لتنظيم مراكز الإيواء وتهيئة الظروف المناسبة للمرحلة المقبلة، تجد آلاف الأسر النازحة نفسها أمام سؤال أكثر إلحاحًا: إلى أين نذهب؟

فالمركز الذي أصبح بالنسبة إلى كثير من النازحين عنوانًا مؤقتًا للأمان، قد يتحول خلال أيام إلى مكان يتعين عليهم مغادرته، في وقت لا تزال فيه العودة إلى مناطقهم الأصلية محفوفة بالمخاطر، ولا تبدو مواقع الإيواء البديلة واضحة لكثير منهم.

وفي أبريل الماضي أعلنت لجنة الطوارئ الإنسانية بولاية البحر الأحمر شروعها في تنفيذ خطة لإخلاء عدد من مراكز إيواء النازحين في مدينة بورتسودان، وقالت إن الخطوة تأتي ضمن ترتيبات عاجلة لتنظيم أوضاع الإيواء، بالتنسيق مع الجهات المختصة.

وأشارت اللجنة إلى أنها تعمل على توفير مراكز إيواء بديلة، إلى جانب دعم برامج العودة الطوعية للنازحين الراغبين في العودة إلى مناطقهم الأصلية.

غير أن الإعلان الرسمي لا يبدد مخاوف الأسر التي تقول إن المعلومات المتاحة لها بشأن المواقع البديلة ما تزال محدودة، وإن الانتقال من مركز إلى آخر قد يعني بالنسبة إليها فقدان خدمات ومرافق اعتادت عليها خلال أشهر النزوح.

يقول الزاكي ضرار، وهو نازح يقيم منذ أشهر في أحد مراكز الإيواء المؤقتة ببورتسودان: “نحن ندرك أهمية أي ترتيبات تقوم بها السلطات، ولا أحد يريد أن يعترض على التنظيم، لكن المشكلة أننا لم نتلق معلومات واضحة حول إلى أين سنُنقل. هناك حديث عن مراكز بديلة، لكننا لم نلمس شيئًا على الأرض حتى الآن”.

ويخشى ضرار، في حديثه لـ”أفق جديد”، أن يؤدي نقل الأسر بصورة سريعة إلى مضاعفة معاناتها، خصوصًا أن كثيرًا منها يعيش أصلًا في ظروف اقتصادية وإنسانية قاسية، ويحتاج إلى المياه والرعاية الصحية والغذاء والخدمات الأساسية.

بالنسبة إلى عائشة عبد الله، وهي أم لعدد من الأطفال، لم يعد النزوح مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل أصبح سلسلة متواصلة من فقدان الاستقرار.

تقول إن أسرتها عاشت خلال فترة النزوح أكثر من مرة تجربة البحث عن مكان جديد، قبل أن تجد نفسها مطالبة بالمغادرة مجددًا.

وتضيف لـ”أفق جديد”: “منذ أن غادرنا منزلنا ونحن ننتقل من مكان إلى آخر. كل مرة نحاول التأقلم، ثم نُطلب للمغادرة من جديد. الأطفال تأثروا كثيرًا، ونحن نحتاج إلى الاستقرار قبل أي شيء آخر”.

وتشير إلى أن مركز الإيواء، رغم محدودية إمكاناته، وفّر للأسرة قدرًا من الأمان وقربًا من الخدمات والمرافق الأساسية، وهو ما تخشى فقدانه عند الانتقال إلى موقع جديد.

وتقول فاطمة الهادي، وهي نازحة أخرى، إن الأسر لا تبحث عن رفاهية، وإنما عن مكان يمكن للأطفال فيه النوم بأمان، والحصول على المياه والعلاج، ومواصلة حياتهم بعيدًا عن الخوف.

تضع عملية إخلاء مراكز الإيواء السلطات أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن إعادة تنظيم أوضاع الإيواء وتوفير بدائل مناسبة، من دون أن يتحول ذلك إلى أزمة جديدة لأسر فقدت منازلها بسبب الحرب؟

ويرى مراقبون أن التحدي لا يتمثل في قرار إخلاء بعض المراكز بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي سينفذ بها القرار، ومدى استعداد السلطات لتوفير بدائل تحفظ للنازحين الحد الأدنى من الكرامة والأمان.

فمراكز الإيواء البديلة، وفقًا لمختصين في الشأن الإنساني، لا ينبغي أن تكون مجرد مساحة تستوعب الأسر، وإنما أماكن تتوفر فيها المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والحماية، مع مراعاة احتياجات الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة.

وتستضيف مدينة بورتسودان أعدادًا كبيرة من النازحين منذ اندلاع الحرب، بعدما تحولت ولاية البحر الأحمر إلى إحدى أبرز الوجهات التي لجأت إليها الأسر الفارة من مناطق القتال.

تقول السلطات إنها تنسق مع الجهات ذات الصلة بملف العودة الطوعية بهدف توفير ظروف مناسبة تتيح للنازحين العودة إلى مناطقهم بصورة آمنة وكريمة.

غير أن بشير عثمان، وهو نازح من كردفان، يرى أن العودة في الوقت الراهن لا تزال أقرب إلى الحلم منها إلى خيار واقعي.

يقول لـ”أفق جديد”: “العودة بالنسبة لنا حلم، لكنها ليست ممكنة الآن. لا توجد خدمات ولا استقرار أمني، وإذا أُجبرنا على المغادرة دون بديل حقيقي، فسنكون في وضع أسوأ بكثير”.

وتلخص هذه المخاوف المعضلة التي تواجه آلاف النازحين: العودة ليست آمنة، والبقاء في مراكز الإيواء قد لا يكون ممكنًا، والمواقع البديلة لم تتضح بعد.

وبين هذه الخيارات الضيقة، تبدو الأسر عالقة في مساحة رمادية، لا تعرف أين ستقضي أيامها المقبلة، ولا ما إذا كان المكان الجديد سيمنحها ما فقدته من إحساس بالأمان.

ولا تأتي هذه التطورات بمعزل عن أزمة إنسانية واسعة يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.

فقد دفعت الحرب ملايين السودانيين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها، فيما يواجه أكثر من 21 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع تأكيد المجاعة في أجزاء من البلاد، بينما يعاني ملايين الأطفال والنساء من سوء التغذية.

وتشير تقديرات إنسانية إلى أن نحو 3.7 مليون طفل يعانون من سوء التغذية، إلى جانب الأمهات الحوامل والمرضعات، في وقت تعرقل فيه الحرب وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق الأكثر احتياجًا.

وفي مثل هذا السياق، يصبح قرار إخلاء مركز إيواء أكثر من مجرد إجراء إداري، فهو بالنسبة إلى أسرة نازحة قد يعني اقتلاع ما تبقى لها من استقرار.

ولا يبدو أن تنظيم مراكز الإيواء وحق النازحين في المأوى الآمن أمران متعارضان بالضرورة؛ فالمشكلة، كما يرى مختصون، تكمن في ضرورة وجود تخطيط متزامن يضمن ألا يدفع النازحون ثمن هذه الترتيبات.

فكما تحتاج الأسر إلى تنظيم يضمن إدارة أفضل لمراكز الإيواء، تحتاج في الوقت نفسه إلى سقف يحمي أطفالها، ومياه للشرب، ومرفق صحي، ومكان لا تخشى أن تُطلب منه المغادرة بعد أيام.

وفي النهاية، قد تنجح السلطات في إخلاء بعض مراكز الإيواء وإعادة توزيع الأسر، لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المراكز التي أُخليت، وإنما في مصير الأسر التي خرجت منها.

فالنازح الذي فر من منزله بسبب الحرب لا ينبغي أن يواجه نزوحًا جديدًا بحثًا عن مأوى. والطفل الذي فقد منزله ومدرسته وبيئته الطبيعية يستحق مكانًا آمنًا ينام فيه، تمامًا كما تستحق أسرته فرصة للعيش بكرامة.

وبين أبواب مراكز الإيواء التي قد تُغلق، وخطوات الأسر التي تستعد للمغادرة، تقف بورتسودان أمام مشهد يلخص جانبًا من مأساة السودان: حرب أغلقت أبواب البيوت، والنزوح فتح أبوابًا مؤقتة، وها هي تلك الأبواب نفسها تتهدد بالإغلاق، بينما يبقى السؤال الأصعب معلقًا: أين سيكون المأوى التالي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى