صناعة العدو وذاكرة الحرب
من "وحشية الدراويش" إلى "عربان الشتات"

الطاهر بدر الدين
هناك شيء مريح في فكرة “عربان الشتات”، العبارة المتداولة لتفسير جزءًا من الحرب السودانية الحالية. فهي تنقل جانباً كبيراً من التفسير إلى الخارج: مقاتلون جاءوا من دول الساحل، وحدود تعبرها الجماعات والسلاح، وتدخلات إقليمية ودولية. ثم تتجمع هذه الوقائع داخل قصة أكبر: جماعة تاريخية تتحرك نحو السودان، ومشروع لاستيطان الأرض وتغيير السكان، وقوى خارجية تستخدم هذه الجماعة لتحقيقه.
الصياغة الأكثر اكتمالاً لهذه الفكرة جاءت في مقالين نشرهما القيادي الإخواني، الدرديري محمد أحمد، في يونيو 2023، بعد نحو شهرين من اندلاع الحرب: “عربان الشتات ومشروع إعادة توطينهم في السودان”، ثم “عربان الشتات وكيف نحبط مشروعهم الاستيطاني”. والدرديري أحد مثقفي وقيادات الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، وتولى مواقع سياسية ودبلوماسية رفيعة، وكان آخر وزير للخارجية في عهد الإنقاذ.
وما يستحق التأمل أن السردية التي صاغها الدرديري تجاوزت بيئتها السياسية، وأصبحت بعض مفرداتها وافتراضاتها حاضرة أيضاً لدى سودانيين ظلوا على خلاف مع الحركة الإسلامية ونظامها.
ولفهم ذلك، لا بد أولاً من عرض الفكرة الرئيسية في مقالي الدرديري باختصار نرجو ألا يكون مخلاً. فالدرديري لا يبدأ من حرب أبريل، ولا من تأسيس الدعم السريع، ولا حتى من حرب دارفور، بل يعود إلى القرن الحادي عشر وإلى الصراع بين الفاطميين في مصر والزيريين في إفريقية. ويستدعي الرواية التي تربط هجرة بني هلال وبني سليم غرباً بدفع الفاطميين بهذه القبائل نحو إفريقية بعد خروج الزيريين على سلطانهم. وفي البناء الذي يقدمه، لم تكن “التغريبة” مجرد هجرة لقبائل عربية بدوية نحو الغرب، بل كانت أيضاً توظيفاً سياسياً وعسكرياً لها: سلطة تستميل زعماء هذه القبائل وتدفع بها نحو خصمها، فتسهم في إضعافه وما ارتبط في الرواية التاريخية بخراب القيروان، ثم تستقر جماعات منها في المجال الجديد وتعيد تشكيل تركيبته السكانية.
ومن هذه السابقة يبني الدرديري قياسه على الحاضر. فبعد “التغريبة” غرباً يتحدث عن “تشريقة” من فضاء الساحل نحو السودان. ويجمع تحت اسم “عربان الشتات” جماعات عربية موزعة في تشاد والنيجر ومالي وأفريقيا الوسطى وغيرها، ثم يصل بينها وبين الجنجويد والدعم السريع وحرب أبريل. ويترك للقارئ تسمية القوة التي دفعت بهؤلاء في “تشريقتهم”، كما دفع الفاطميون بالهلاليين في “تغريبتهم”. وبذلك يصبح ما يجري، في تفسيره، إعادة إنتاج لنموذج قديم: قوة خارجية توظف جماعات عربية بدوية عابرة للحدود في صراعها، ثم تتحول الحركة العسكرية إلى استقرار سكاني وتغيير ديموغرافي.
هنا تحديداً يبدأ بناء السردية. والسردية لا تعني بالضرورة اختلاق الوقائع؛ فقد تتكون من وقائع صحيحة، لكن عبر انتقاء بعضها دون بعض، وترتيبها، وإقامة علاقات بينها، ثم منحها اتجاهاً ومعنى. وجود بني هلال واقعة تاريخية، وانتشار جماعات عربية في الساحل حقيقة أخرى، وحركة المقاتلين عبر الحدود واقعة يمكن التحقق منها. أما جعل هذه الوقائع فصولاً في قصة واحدة تبدأ بالقيروان قبل نحو ألف عام وتنتهي بـ”عربان الشتات” ومشروع استيطاني في السودان اليوم، فذلك بناء آخر يقوم به الكاتب.
وهنا أيضاً يُبنى العدو سردياً. جماعات مختلفة في التاريخ والجغرافيا تُجمع تحت اسم واحد، ثم يُمنح الاسم أصلاً مشتركاً وتاريخاً مشتركاً ومشروعاً مشتركاً، حتى يصبح الفرد المعاصر ممثلاً لتاريخ بدأ قبله بمئات السنين. وعندي أن هذا البناء يقدم قراءة عنصرية للتاريخ والحاضر، لا لمجرد حديثه عن الهجرة أو الأصول، وإنما لأنه ينقل الأصل والنسب والثقافة من موضوعات لفهم التاريخ إلى أدوات لتفسير سلوك البشر في الحاضر، ثم يختزل جماعات مختلفة في كيان واحد يُفترض فيه أصل واحد وطبيعة واحدة ومشروع واحد.
والتاريخ الأقرب يربك هذا البناء أكثر مما يربكه الجدل حول الأنساب. فحتى نهاية الستينيات في دارفور لم تكن علاقات الرزيقات الأبالة بالمجتمعات الزراعية التي يدخلون ديارها بحثاً عن الماء والمرعى علاقات حرب دائمة. قامت في مناطق وفترات عديدة على تبادل المنافع؛ يتحرك الرعاة عبر مسارات معروفة، وترعى حيواناتهم مخلفات الحقول وتخصب الأرض، ويتبادل الطرفان المنتجات والخدمات. والانخراط الواسع للأبالة في النزاعات المسلحة تطور حديث نسبياً.
ثم تغيرت البيئة التي كانت تسمح باستمرار هذه العلاقات. ضرب الجفاف الساحل في السبعينيات والثمانينيات، فتراجعت المياه والمراعي ونفقت أعداد كبيرة من الماشية، واشتد التنافس على الأرض والموارد. وكان أثر ذلك أشد على مجتمعات يقوم اقتصادها على الحركة الموسمية، ولا يتوقف استمرار نمط حياتها على امتلاك رقعة ثابتة من الأرض، بل على الوصول إلى الماء والمرعى والمسارات التي تصل بينهما. وفي الوقت نفسه انتشر السلاح، وكانت حروب تشاد والصراع الليبي-التشادي من أهم قنواته. وهكذا أخذت النزاعات على الموارد تتحول تدريجياً إلى صراعات أشد خطراً، وأصبحت مسائل الماء والمرعى والمسار والأرض مرتبطة، بالنسبة إلى بعض هذه الجماعات، بالحماية وبإمكان استمرار نمط حياتها نفسه.
دخلت الدولة إلى هذه البيئة المضطربة، لا إلى فراغ. ولم تكن العسكرة قدراً محمولاً في أصل هذه المجتمعات. وجدت (الإنقاذ 1989) جماعات أضعفتها التحولات البيئية، وضاقت أمامها الموارد، وتزايدت مخاوفها في ظل دولة لم توفر لها الأمن والخدمات ولم تسوِّ نزاعات الأرض والحقوق. لكنها، حين احتاجت إلى مقاتلين في حربها، وجدت في هذه الهشاشة مورداً يمكن استثماره. غذّت المخاوف والتناقضات القائمة، وسلحت جماعات محلية، وربطت مصالح بعض قياداتها بالحرب، ثم وظفتها ضمن استراتيجيتها لمواجهة التمرد في دارفور.

بدلاً من معالجة الهشاشة، جرى تسليحها. ووصلت البندقية إلى حيث لم تصل المدرسة والمياه والعلاج وتسوية حقوق الأرض والحماية المتساوية. ولم يتوقف أثر ذلك عند توفير مقاتلين للدولة؛ فسنوات العسكرة أعادت تشكيل المجتمعات نفسها، وأنتجت قيادات ومصالح وشبكات اقتصادية وعسكرية جديدة، وجعلت السلاح جزءاً من موازين القوة والوصول إلى الموارد والحماية.
وهنا مفارقة تكاد تختصر القصة: الذين يُعرَّفون اليوم بأنهم قادمون “من وراء الحدود”، وضعت الدولة بعضهم بالأمس في تشكيلات سمتها “حرس الحدود”. حين احتاجت السلطة إلى بندقيتهم كانوا حراساً للحدود؛ وحين أصبحت القوة التي ساهمت في بنائها تهديداً لها، صار امتدادهم عبر الحدود دليلاً على غربتهم.
وهذا التاريخ يكشف أيضاً ضعف تفسير العنف باعتباره امتداداً لطبيعة ثابتة في الجماعة. فما تغير خلال هذه العقود لم يكن أصل الناس أو أنسابهم، بل البيئة والموارد وانتشار السلاح وعلاقتهم بالدولة. فإذا كانت العلاقات نفسها قد انتقلت من فترات طويلة من التعاون وتبادل المنافع إلى الصراع والعسكرة، فإن السؤال الأجدى يصبح: ما الذي تغير في شروط حياة الناس وفي علاقتهم بالدولة؟ وهنا يقدم التاريخ القريب تفسيراً أقوى من نسب يعود إلى ألف عام.
لكن سردية الدرديري تتحرك في الاتجاه الآخر حين تنتقل من الأصل والتاريخ إلى العلامات التي يقول إن “عربان الشتات” يمكن تمييزهم بها عن عرب السودان: اللهجة والملبس والطعام وأنماط الحياة والتدين، وصولاً إلى “النظافة الشخصية”. وهنا يكتمل ما يسمى بالجوهرنة (essentialization): لا تعود الجماعة معرفة فقط بأصل وتاريخ مفترضين، بل تصبح لها صفات ثقافية واجتماعية ثابتة يُفترض أنها تكشف أفرادها وتفسر اختلافهم.
وعند هذه النقطة ينتقل التصنيف من التاريخ إلى الإنسان نفسه. لم يعد السؤال فقط من أين جاءت هذه الجماعات، بل كيف نتعرف إلى “الغريب” حين نراه؟ ومن هنا يصبح الطريق قصيراً من النسب إلى اللهجة والملبس، ومن الثقافة إلى الهيئة والوجه.
وقد ظهر خلال الحرب الدائرة ما راج باسم “قانون الوجوه الغريبة”، لا بوصفه قانوناً مدوناً، وإنما في حالات الاشتباه والفرز على أساس الملامح واللون واللهجة والانتماء الجهوي المفترض. وهكذا تبدأ عملية التغريب بقصة عن الأصل والتاريخ، ثم تنتقل إلى الثقافة وطريقة الحياة، لتنتهي بإمكان الاشتباه في إنسان معاصر لأن وجهه أو لسانه لا يطابق الصورة المسبقة عمن هو “من هنا”.
وهنا تكمن، في رأيي، إحدى أخطر نتائج هذه القراءة: أنها لا تكتفي بإعادة تفسير تاريخ جماعات بعينها، بل تمنح نفسها أيضاً أدوات لتحديد من يبدو سودانياً ومن يبدو غريباً عنه.
إذا كانت هذه القراءة قد وجدت قبولاً خارج البيئة السياسية والأيديولوجية التي أنتجتها، فإن جانباً من تفسير ذلك يكمن في اختلاف خبرة السودانيين بالدولة وحروبها. فالخرطوم ليست فقط مركز الدولة والإعلام والجامعات والنخب السياسية والمهنية؛ هي أيضاً مدينة عاشت قطاعات واسعة منها زمناً طويلاً مع الجيش بوصفه مؤسسة من مؤسسات الدولة أكثر مما عرفته بوصفه جيش حرب. عرفت معسكراته وقيادته وانقلاباته وأدواره الإدارية والسياسية وقمعه، لكنها لم تعرف بالتجربة المباشرة نفسها الوجه الذي عرفته مجتمعات في جنوب السودان سابقاً ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق: (الأنتنوف) والقصف الجوي، والقرى التي تتحول إلى مسارح للعمليات، والنزوح الممتد، والحرب التي تصبح جزءاً من الحياة اليومية.
دخل السودانيون إلى حرب أبريل، بهذا المعنى، بذاكرات مختلفة عن المؤسسة نفسها. ما كان بالنسبة إلى قطاعات واسعة من سكان المركز “الجيش”، بوصفه مؤسسة وطنية من مؤسسات الدولة، كان بالنسبة إلى سودانيين آخرين أيضاً القوة التي عرفوها عبر عقود من الحرب. وعندما وصلت الحرب إلى الخرطوم كان الدعم السريع هو القوة الأحدث والأغرب على المجال الاجتماعي الحضري، وهو الذي دخل الأحياء والمنازل. لذلك وجدت سردية “الغريب القادم من الخارج” تجربة حاضرة يمكن أن تتصل بها.
وتزداد أهمية هذا الاختلاف لأن الخرطوم ليست مجرد مكان آخر وصلت إليه الحرب؛ إنها أيضاً أهم مراكز إنتاج الرواية الوطنية عنها. ففيها تتركز مؤسسات الإعلام والتعليم والثقافة، والنخب السياسية والمهنية، وإن كانت القدرة على إنتاج الخطاب موزعة داخلها بصورة غير متساوية. وهكذا وصلت الحرب هذه المرة إلى بيئة أكثر قدرة على تحويل تجربتها الخاصة إلى رواية عامة عن الحرب، بينما ظلت تجارب مجتمعات عاشت حروب السودان لعقود أقل حضوراً في الذاكرة الوطنية.
وفي المقابل، استطاع الدعم السريع أن يراكم السلاح والمال والذهب، لكنه لم يراكم بالقدر نفسه القدرة على إنتاج المعرفة عن البيئات الاجتماعية التي جاء منها كثير من مقاتليه. ظل تاريخ البوادي والدامرة والمسارات، واقتصاد الرعي، والتحولات التي أصابت الأرض والموارد، وعلاقة هذه المجتمعات بالدولة، أقل حضوراً في معرفة المركز بالسودان.
كان من الأسهل رؤية المقاتل عندما وصل إلى الخرطوم من رؤية التاريخ الذي سبق وصوله إليها. الدرديري لم يصنع هذا الجهل ببعضنا، لكنه أعطاه قصة؛ وما نعرفه قليلاً من السودان يصبح أسهل في تقديمه باعتباره شيئاً ليس من السودان.
ومع استقرار هذه القصة بدأت وقائع الحرب الجديدة تجد أماكنها داخلها. نُهب المتحف القومي، وتضرّرت مؤسسات ثقافية وسجلات ومكاتب مرتبطة بالأرض. وهي خسائر حقيقية وفادحة. لكن بعض الخطاب تجاوز توثيق التخريب إلى تفسيره باعتباره جزءاً من مشروع لمحو تاريخ السودان وملكيته وذاكرته تمهيداً للإحلال السكاني. وهكذا امتدت عملية التغريب من الإنسان إلى الوطن نفسه: “الغريب” لا يأتي فقط من الخارج، بل يأتي، وفق هذا البناء، لينزع عن السودان تاريخه وذاكرته وملكية أهله؛ نوع من “نزع السودانية” أو de-Sudanization.
وظهر عمل هذا الإطار مبكراً في خبر إحراق دار الوثائق القومية بالخرطوم. انتشر الخبر في الأسابيع الأولى للحرب مصحوباً بتفسير جاهز عن تدمير ممنهج لتاريخ السودان. لكن المؤرخ أحمد إبراهيم أبوشوك تحقق آنذاك من العاملين في الدار، فتبين أن خبر الحريق غير صحيح، وأن الصورة المستخدمة لإثباته تعود إلى حريق في أستراليا. وراج أيضاً خبر احتراق الدار السودانية للكتب، قبل أن يتضح أن الحريق أصاب مبنى مجاوراً، وإن تعرضت الدار لاحقاً بالفعل للنهب والتخريب وفقدت كتباً نادرة.
أهمية هذه الأمثلة ليست في التقليل من الخراب الذي أصاب السودان، وإنما في أنها تكشف مرحلة أخرى من حياة السردية. ففي البداية تنتقي السردية الوقائع وترتبها لتنتج تفسيراً؛ وبعد أن يستقر التفسير، يبدأ هو نفسه في تحديد الطريقة التي نستقبل بها الوقائع الجديدة. وإذا ترسخت فكرة أن هناك مشروعاً لمحو السودان وإحلال سكان آخرين، يصبح خبر إحراق أرشيف البلاد قابلاً للتصديق، بل قابلاً للتفسير، قبل التحقق من وقوع الحريق نفسه.
وللسودان تجربة أقدم مع ما يمكن أن تفعله سرديات الحرب حين تعيش بعد الحرب. فقد شهدت الدولة المهدية عنفاً وقمعاً حقيقيين، لكن معرفتنا اللاحقة بذلك التاريخ تشكلت أيضاً من خلال إنتاج استعماري كان ريجنالد ونجت، مدير المخابرات في الجيش المصري، أحد أبرز صناعه. ولم يكن ونجت مجرد ناقل محايد لشهادات الآخرين؛ فقد لعب دوراً مهماً في تحرير وإخراج روايتي الأسيرين جوزيف أورفالدر ورودلف سلاطين إلى القارئ الإنجليزي، في سياق كانت فيه بريطانيا تبني صورتها عن المهدية وحجتها لإعادة غزو السودان. ومن هذه الكتابات وغيرها تراكمت صورة “وحشية الدراويش”، في مقابل غردون الذي أعادت الأدبيات البريطانية بناء صورته بطلاً مسيحياً وشهيداً.
ولا تكمن المشكلة في أن عنف الدولة المهدية كان مختلقاً. على العكس، أهمية المثال تأتي تحديداً من أن العنف كان حقيقياً، بينما ظلت هناك سلطة في اختيار أي عنف يُروى، وأي ضحايا يتقدمون إلى مركز الرواية، وكيف تُربط الوقائع بعضها ببعض، وما الذي تصبح دليلاً عليه.
فعنف دولة الخليفة عبد الله لم يقع على جماعات الوسط والشمال وحدها. طالت حملات القمع والقتل والترحيل جماعات في غرب السودان أيضاً، بما فيها جماعات كانت قريبة من الخليفة إثنياً وثقافياً، ومن بينها الرزيقات وفروع من الأبالة والماهرية. ومع ذلك، حين تستدعى “وحشية المهدية” في بعض المساجلات السودانية المعاصرة، تبرز واقعة (المتمة) وأصوات ضحايا بعينهم، بينما يتراجع ضحايا آخرون يعقد حضورهم الصورة البسيطة عن صراع بين “غرب” غازٍ و”مركز” ضحية. ليست المسألة أن المتمة لم تقع، ولا أن ضحاياها أقل استحقاقاً للذاكرة، وإنما أن اختيار من نتذكره ومن ننساه يمكن أن يحدد القصة التي نستخرجها من الماضي.
وهنا تظهر مفارقة أخرى. فالقراءة التي تدخل التاريخ محملة بتقسيماتها المعاصرة تستطيع أن تنتقي منه ما يعيد هذه التقسيمات إليها في صورة “تاريخ”. وربما لهذا السبب أيضاً عادت بعض المساجلات التي صاحبت حربنا الحالية إلى أرشيف صاغ جزءاً مهماً منه قلم المخابرات الاستعمارية، واستدعت منه صوراً وتعريفات قديمة لمشكلات السودان، من دون أن تتوقف دائماً عند السؤال عما إذا كانت تلك التعريفات نفسها جزءاً من الإرث الذي ينبغي نقده.
والأهم أن أثر هذا النوع من إنتاج المعرفة قد يعيش أطول بكثير من اللحظة السياسية التي أنتجته. ففي مقدمة كتابه “الإمام المهدي: لوحة لثائر سوداني”، يذكر المؤرخ محمد سعيد القدّال أنه، في سياق الاحتفال بمئوية الثورة المهدية عام 1981، عاد إلى مكتبة جامعة الخرطوم فوجد أكثر من أربعين كتاباً عن غردون، بينما لم يجد سيرة حديثة مماثلة عن المهدي. بعد قرابة قرن، لم يعد اختلال القوة الذي أحاط بالمهدية موجوداً فقط في ميدان القتال أو في الدعاية التي صاحبت إعادة الاحتلال؛ أصبح موجوداً أيضاً في المكتبة، وفي حجم ما كتب عن كل طرف، وفي المادة التي يبدأ منها جيل جديد لفهم تاريخه.
وهذا هو ما يجعل “عربان الشتات” أكبر من الخلاف حول مقالين كتبا في الأسابيع الأولى للحرب. فما يكتب أثناء الحرب يمكن أن يصبح جزءاً من أرشيف ما بعدها، وما يتكرر بما يكفي قد ينتقل من كونه تفسيراً سياسياً إلى “حقيقة” موروثة لا يعود أحد يسأل كيف صُنعت. وإذا استقرت فكرة أن هناك جماعة تاريخية اسمها “عربان الشتات” جاءت إلى السودان ضمن مشروع استيطاني، فلن يبقى أثرها محصوراً في تفسير حرب أبريل. ستعود عندما يناقش السودانيون الأرض والحواكير والعودة والجنسية والرقم الوطني والتعويض والمصالحة. وعندها يمكن أن ينتقل السؤال من مسؤولية الإنسان عما فعله أثناء الحرب إلى سؤال عن الإنسان نفسه: هل هو من هنا أصلاً؟
وكون هذه القراءة وجدت قبولاً خارج البيئة السياسية والأيديولوجية التي أنتجتها يجعل المشكلة أوسع من الدرديري والحركة الإسلامية. فهو يكشف عن مقدمات أقدم وأوسع: تصور غير متساوٍ للسودان، تبدو فيه سودانية بعض الناس بديهية لا تحتاج إلى إثبات، بينما تظل سودانية آخرين قابلة للفحص كلما تغيرت موازين القوة أو اندلعت حرب جديدة.
ولا يحتاج نقد ذلك إلى إنكار تدخل خارجي أو وجود مقاتلين أجانب، ولا إلى تبرئة أي قوة مسلحة. بل يتطلب أن ننظر إلى تاريخ السودان كما صنعناه نحن أيضاً. فالدولة لم تترك أزمات الأطراف “بلا حلول” فحسب؛ خاضت فيها حروباً ممتدة، وقصفت سكانها وهجرت الملايين، واستثمرت في تناقضات مجتمعاتها ومخاوفها، وسلحت بعضها ضد بعض، وحولت الهشاشة والحاجة إلى الحماية إلى موارد لإدارة الحرب واستدامة السلطة.
لقد استمرت بعض الصور التي ساهمت الاستخبارات الاستعمارية في إنتاجها عن المهدية أكثر من مائة عام، وما زلنا نستدعي أجزاء منها في حروب حاضرنا. وليس هناك ما يضمن أن “عربان الشتات” لن تفعل الشيء نفسه إذا تركناها تتحول من سردية حرب إلى حقيقة موروثة. عندها لن يكون الضرر أنها أخطأت في قراءة الماضي فقط؛ بل أنها ستضيق أيضاً المجال الذي يستطيع فيه السودانيون أن يتخيلوا مستقبلاً مشتركاً.





