وينين غابرييل..  لاعب كرة سلة جنوب سوداني فرّ من الحرب ويعود لبناء ملاعب للاجئين

من مخيمات اللجوء إلى ملاعب دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين والألعاب الأولمبية، يخوض وينين غابرييل رحلة استثنائية، محوّلاً معاناة عائلته مع النزوح إلى رسالة إنسانية تهدف إلى منح اللاجئين والشباب فرصاً جديدة عبر الرياضة.

بقلم: ريدهيما شوكلا – فوربس أفريقيا

وُلد وينين غابرييل في المنفى، بعدما اضطرت عائلته إلى الفرار من جنوب السودان بسبب الحرب، ونشأ في بلد ومدينة لم يخترهما والداه. وبعد سنوات من الكفاح للوصول إلى دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين، عاد إلى جذوره، حاملاً معه رسالة تتجاوز حدود الرياضة، تتمثل في بناء ملاعب للاجئين ومساعدة المجتمعات التي عانت ويلات النزوح.

يقول غابرييل، في حديثه إلى مجلة «فوربس أفريقيا»، مستعيداً ظهوره الأول مع فريق ساكرامنتو كينغز: «لن أنسى أبداً الدقائق الأولى التي لعبتها في دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين. أتذكر أنني فكرت في عائلتي وكل ما بذلوه من جهد للوصول إلى تلك اللحظة. لقد وُلدت في المنفى بعدما فرّت عائلتي من جنوب السودان، وها أنا أشارك الملعب مع عمالقة اللعبة. وبصراحة، ما زلت أشعر بذلك الإحساس حتى اليوم».

لم يكن غابرييل يتذكر الحرب التي دفعت عائلته إلى مغادرة موطنها، لكنه ظل يحمل آثارها في قصة حياته، وفي إصراره على رد الجميل للمجتمعات التي تعيش تجربة اللجوء.

قبل أن يصبح جنوب السودان دولة مستقلة، كانت عائلة غابرييل تعيش في رومبيك،

أجبرت الحرب والدي غابرييل على مغادرة رومبيك والتوجه شمالاً إلى الخرطوم، بحثاً عن الأمان. واضطرا إلى إنفاق ما تبقى لديهما من مدخرات خلال رحلة النزوح، قبل أن يكتشفا أن العاصمة السودانية لم توفر لهما الاستقرار الذي كانا يأملان فيه.

وُلد وينين غابرييل عام 1997، وكان الطفل الرابع في أسرته. ومع غياب فرص العمل أمام والده، قررت الأسرة الانتقال إلى القاهرة، في محاولة للعثور على ظروف معيشية أفضل وانتظار فرصة لإعادة التوطين في بلد آخر.

في مصر، عملت والدته في تنظيف المنازل، بينما تطوع والده في مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى جانب عمله في وظائف متفرقة، في انتظار البت في طلب إعادة توطين الأسرة.

وجاءت فرصة المغادرة في وقت شهد ارتفاعاً في أعداد اللاجئين الذين غادروا مصر لإعادة التوطين. ففي عام 1999، حصلت عائلة غابرييل على فرصة للانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

كانت الرحلة بداية فصل جديد في حياة الأسرة، التي استقرت في ولاية نيوهامبشير، وهي منطقة أمريكية صغيرة بدت مختلفة تماماً عن الأماكن التي عرفها أفرادها من قبل.

في الولايات المتحدة، عمل والدا غابرييل في وظيفتين لكل منهما، بالتزامن مع تعلم لغة لم يكونا يتقنانها في البداية. ورغم صعوبة الظروف، لم يتخلّيا عن هدفهما الأساسي: توفير الأمان والتعليم لأبنائهما.

يقول غابرييل: «لم يتذمرا قط. لقد عرفا معنى ألا يملكا شيئاً على الإطلاق. وكان توفير الأمان والتعليم لأبنائهما أكثر مما كانا يأملان فيه منذ فترة طويلة».

لكن طموحات الأبناء تجاوزت مجرد الاستقرار والاندماج في المجتمع الجديد. فقد أصبحت كرة السلة جزءاً أساسياً من حياة الأسرة، وخصوصاً بعد أن اتخذت شقيقته الكبرى هذه الرياضة طريقاً نحو التعليم الجامعي.

حصلت شقيقته على منحة دراسية للالتحاق بمدرسة إعدادية، قبل أن تواصل تعليمها في كلية بوسطن. وكان غابرييل يسعى إلى السير على خطاها منذ سنواته الدراسية الأولى، فتقدم بطلبات للالتحاق بمدارس توفر له فرصاً أفضل لتطوير مهاراته في كرة السلة.

غطت المساعدات المالية معظم تكاليف دراسته، لكنها لم تكن كافية لتغطية جميع النفقات. ويوضح غابرييل أن دخل والديه كان مخصصاً لتوفير احتياجات الأسرة الأساسية، ولم يكن لديهما فائض يسمح بتحمل تكاليف تعليمه الرياضي.

وفي تلك المرحلة، تدخّل شقيقه الأكبر، الذي يكبره بسبع سنوات، وتعهد بتغطية تكاليف دراسته الجامعية من خلال العمل.

ويقول غابرييل: «قال لي: سأدفع لك رسوم الجامعة حتى تتمكن من الالتحاق بها والتركيز على كرة السلة فقط».

التحق غابرييل بالجامعة من دون الحصول على أي عروض للمنح الدراسية في البداية، لكنه نجح لاحقاً في جذب اهتمام الجامعات، وحصل على 23 عرضاً للمنح الدراسية. ومع تطور مستواه، صُنّف في المرتبة الرابعة عشرة بين أفضل اللاعبين على مستوى البلاد، قبل أن يلتزم بالانضمام إلى جامعة كنتاكي، إحدى أبرز الجامعات في كرة السلة الجامعية الأمريكية.

رغم النجاحات التي حققها على مستوى الجامعات، لم تسر الأمور كما كان يأمل عند اقتراب موعد دخوله عالم الاحتراف. ففي عام 2018، لم يقع الاختيار على غابرييل خلال مسودة الدوري الأمريكي للمحترفين، في ضربة قاسية لطموحاته الرياضية.

يقول مستعيداً تلك الليلة: «كانت ليلة حزينة. لم أتحدث مع أحد».

تلقت أسرته عروضاً واتصالات من فرق أبدت اهتماماً به، لكنها لم تتضمن عقداً احترافياً واضحاً، إلى أن تواصل معه فريق ساكرامنتو كينغز. لم يكن الفريق يمتلك اختياراً متاحاً لضمّه ضمن المسودة، لكنه أبدى اهتماماً حقيقياً بقدراته، ووعده بعقد ثنائي الاتجاه يتيح له التنقل بين الفريق الأول وفريق التطوير.

قرر غابرييل خوض التجربة، رغم البداية الصعبة في الدوري الصيفي بمدينة لاس فيغاس. وبعد أن حصل على فرصته، وقّع مع ساكرامنتو، لكنه أمضى معظم موسمه الأول في دوري التطوير التابع للرابطة الوطنية لكرة السلة، المعروف اختصاراً باسم «G League».

وخلال تلك الفترة، شكك كثيرون في قدرته على الوصول إلى المستوى المطلوب للعب في الدوري الأمريكي للمحترفين. لكن غابرييل تمسك بهدفه، معتبراً أن الاستسلام ليس خياراً.

ويقول: «الاستسلام ليس خياراً، إنه الفشل الحقيقي الوحيد».

لم تكن الرحلة خالية من الإصابات والعقبات؛ فقد تعرض لكسر إجهادي في القدم، أدى إلى الاستغناء عنه قبل نهاية الموسم. ومع ذلك، أعاده فريق ساكرامنتو كينغز في العام التالي، ليحصل على فرصة جديدة لإثبات قدراته.

قدم غابرييل مستويات قوية في الدوري الصيفي ومعسكر التدريب، وتمكن في اليوم الأخير من حجز مكانه في قائمة الفريق. وعندما عاد إلى منزله بعد تأمين مكانه، لم يتمالك دموعه.

لكن الوصول إلى الدوري الأمريكي للمحترفين لم يكن نهاية التحديات. فقد ظل أقرب إلى دوري التطوير منه إلى المشاركة المنتظمة مع الفريق الأول، إلى أن انتقل عبر صفقة تبادل إلى بورتلاند، حيث حصل على فرصة حقيقية لإثبات نفسه في دوري المحترفين.

ومع كل خطوة جديدة في مسيرته، لم ينسَ غابرييل الظروف التي تجاوزتها عائلته، ولا التضحيات التي قدمها والداه وشقيقه الأكبر حتى يتمكن من مواصلة حلمه.

وبدلاً من الاكتفاء بالنجاح الرياضي، بدأ يفكر في كيفية منح الآخرين الفرص التي ساعدته على تغيير حياته.

العودة إلى جنوب السودان.. من أجل الأطفال واللاجئين

في عام 2022، قام غابرييل بأول رحلة له إلى جنوب السودان وقام بتنظيم معسكراً لكرة السلة، وزار مخيمات للنازحين داخلياً، وبدأ العمل على توفير مساحات رياضية تتيح للأطفال والشباب ممارسة الرياضة وتطوير مهاراتهم.

كما أنشأ ملعباً لكرة السلة في جوبا، عاصمة جنوب السودان، وأصبح يعود إلى البلاد سنوياً لمواصلة مبادراته.

ويقول غابرييل، متحدثاً عن الفوارق التي لاحظها بين المجتمعات: «هناك مستويات مختلفة من الحرمان. حتى اليوم، عندما أزور رومبيك أو جوبا، أرى معاناة الناس. ثم أذهب إلى مخيمات اللاجئين، فأرى معنى الحرمان الحقيقي».

بالنسبة إليه، لم تعد الملاعب مجرد أماكن لممارسة الرياضة، بل وسيلة لمنح الأطفال مساحة آمنة، ومساعدتهم على اكتشاف قدراتهم، وتوفير فرصة للتواصل وبناء العلاقات في بيئات أثقلتها الأزمات الإنسانية.

بعد عامين من زيارته الأولى إلى جنوب السودان، عاش غابرييل واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في مسيرته، عندما شارك مع منتخب بلاده في دورة الألعاب الأولمبية في باريس عام 2024.

تأهل منتخب جنوب السودان لكرة السلة إلى الألعاب الأولمبية للمرة الأولى في تاريخه، ليصبح ظهوره في باريس حدثاً رياضياً وتاريخياً بالنسبة إلى دولة حديثة الاستقلال.

وقف غابرييل مرتدياً قميص منتخب بلاده، مستعداً للمشاركة في البطولة الكبرى، فيما كان النشيد الوطني يُعزف للمرة الأولى لمنتخب جنوب السودان في الألعاب الأولمبية.

يقول: «كانت المشاركة في دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين تجربة مميزة لن أنساها أبداً، لكن تمثيل بلادي في أول دورة أولمبية لها كان نقطة تحول في حياتي».

ويضيف مستعيداً مشاعره في تلك اللحظة: «أُجبرت عائلتي على الفرار من جنوب السودان، وها أنا أقف هناك. فكرت في عائلتي، وفي كل ما مروا به، وفي المسافة التي قطعناها، وفي ما وصلنا إليه كدولة».

افتتح منتخب جنوب السودان مشواره الأولمبي بالفوز على بورتوريكو بنتيجة 90-79، في المباراة التي أقيمت يوم 28 يوليو 2024. وساهم غابرييل في الانتصار بتسجيل ست نقاط، والاستحواذ على تسع متابعات، وتنفيذ صدّتين.

ويؤكد أن تلك المباراة تجاوزت أهميتها حدود المنافسة الرياضية، قائلاً: «كانت تلك اللحظة أكبر من مجرد كرة سلة، فقد كنا نمثل جنوب السودان وشعبه أمام العالم».

ملاعب جديدة للاجئين السودانيين في جنوب السودان

واصل غابرييل جهوده الإنسانية، مستهدفاً المجتمعات التي تستضيف اللاجئين الفارين من الحرب في السودان.

وفي عام 2026، افتتح ملعباً ثانياً لكرة السلة في مقاطعة مابان، شمال شرقي جنوب السودان، حيث يعيش عشرات الآلاف من اللاجئين السودانيين إلى جانب المجتمع المحلي.

ووفقاً للأرقام الواردة في التقرير، تستضيف المنطقة نحو 220 ألف شخص فروا من الحرب في السودان، إضافة إلى مجتمع مضيف يضم قرابة 80 ألفاً من مواطني جنوب السودان.

وتأتي هذه المبادرة في ظل أزمة نزوح واسعة النطاق أعقبت اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، إذ تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من 14 مليون شخص اضطروا إلى مغادرة منازلهم منذ بداية الحرب، ما جعل الأزمة واحدة من أكبر حالات النزوح الطارئة في العالم.

بالنسبة إلى غابرييل، تحمل هذه المبادرة معنى شخصياً، فهو يعرف أن رحلة اللجوء لا تنتهي بمجرد الوصول إلى مكان آمن، وأن الأطفال الذين ينشأون في المخيمات يحتاجون إلى فرص تساعدهم على بناء مستقبل يتجاوز ظروف النزوح.

ولذلك، يسعى من خلال إنشاء الملاعب وتنظيم الأنشطة الرياضية إلى توفير بيئة تتيح للأطفال ممارسة كرة السلة، واكتساب الثقة بالنفس، والتفاعل مع الآخرين، واستعادة جانب من الحياة الطبيعية التي فقدوها بسبب الحرب.

وتوسعت جهود غابرييل الإنسانية مع تعيينه سفيراً للنوايا الحسنة لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ليصبح، وفقاً للتقرير، أول لاعب كرة سلة محترف يتولى هذا المنصب.

ويأتي تعيينه في وقت تواجه فيه المفوضية تحديات تمويلية كبيرة. فبحسب الأرقام التي نقلتها «فوربس أفريقيا» عن المتحدث العالمي باسم الوكالة، يوجين بيون، بلغت الاحتياجات التمويلية للمفوضية لعام 2026 نحو 8.5 مليار دولار، في حين لم تتجاوز نسبة التمويل المتاح 31% بحلول نهاية يونيو من العام نفسه.

وتمنح تجربة غابرييل الشخصية رسالته الإنسانية بعداً إضافياً؛ فهو لا يتحدث عن اللجوء بوصفه قضية بعيدة، بل باعتباره تجربة عاشتها أسرته، بدءاً من مغادرة جنوب السودان، مروراً بالعيش في الخرطوم والقاهرة، وصولاً إلى إعادة التوطين في الولايات المتحدة.

ويعارض غابرييل النظرة التي تعتبر اللاجئين عبئاً على المجتمعات المضيفة، قائلاً: «أعتقد أن فكرة اعتبار اللاجئين عبئاً فكرة خاطئة. فهم يأتون بأخلاقيات عمل عالية، ويساهمون في تحسين هذه المجتمعات. لكن الناس لا يريدون تشجيع ذلك».

وتعكس كلماته إيمانه بأن اللاجئين قادرون على الإسهام في المجتمعات التي تستقبلهم، إذا أتيحت لهم فرص العمل والتعليم والاندماج، بدلاً من حصرهم في صورة الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة باستمرار.

يدرك غابرييل أن الفرصة التي حصلت عليها أسرته للانتقال من القاهرة إلى الولايات المتحدة أصبحت أكثر ندرة بالنسبة إلى كثير من اللاجئين حول العالم.

ووفقاً للبيانات التي أوردها التقرير نقلاً عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، انخفضت أعداد اللاجئين الذين غادروا بلدان اللجوء عبر برامج إعادة التوطين بأكثر من النصف بين عامي 2016 و2025، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية والطلبات على هذه البرامج.

وتجعل هذه التطورات قصة عائلة غابرييل أكثر أهمية في نظره؛ فهو يعرف أن نجاحه في كرة السلة لم يكن نتيجة موهبته وإصراره وحدهما، بل ارتبط أيضاً بفرصة حصلت عليها أسرته، وبالتضحيات التي قدمها والداه وشقيقه، وبإمكانية الوصول إلى التعليم والتدريب.

ومن هنا، يرى أن من حق كل طفل، بصرف النظر عن مكان ولادته أو الظروف التي أجبرته على النزوح، أن يحصل على فرصة حقيقية لبناء مستقبله.

ويختصر غابرييل فلسفته الإنسانية في عبارة تعكس تجربته الشخصية ورسالته تجاه اللاجئين: «لا أحد يختار مكان ولادته. أعتقد أن الجميع يستحقون فرصة. لهذا السبب أنا هنا».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى