حكاية من بيئتي (43) ..انحيازاً للكِسْرَة

محمد احمد الفيلابي

في كل مرة أحكي هذه الطُرفة في سياق تقليل البعض من شأن ما تقوم به نساؤنا من خدمات جليلة، نقابلها بالجحود، وأحياناً الاحتقار. وفي أحايين كثيرة نذكر دون أن نفطن للأمر ما يسمم الأجواء، ويجرح عميقاً، غير أنهن يهزمننا دائماً بهذا القدر الكبير من الاحتمال والصمت صبراً على مكارهنا – إلا من حادت عن درب الرحمة، وما استطاعت الصبر. والصبر هنا لا يكون ضعفاً بقدر ما هو حكمةً تحفظ النفس من الانكسار، والبيت من الانهيار.

تقول الحكاية أن ذلك الجاحد، وبعد أن أجهز على كل ما قدمته له زوجته، قذف لها بالصحن الفارغ مع جملة (حارقة) أراد لها أن تكون في قمة الازدراء، قاصداً أن يغلق باب المودة، خوفاً من سماع شكاية أو طلب صغير.

كسرتك (فن دحش).

وحين استفسرت في محاولة منها لإعادة فتح ذلك الباب، ولعله كان ينتظر السؤال، فقال لها وهو يخطو مبتعداً..

بـ(الفاء) فطيرة، وبـ(النون) نيّة، وبـ(الدال) دُراشَة – أي خشنة، وبـ(الحاء) حافّة، وبـ(الشين) شوية.

وهي لم تكن كذلك، فقد (لهطها) دون أن يستبقي منها شيئاً، الأمر الذي يؤكد أن الجحود لا علاقة له بجودة ما يُقدَّم، بل بطبيعة من يتلقّى، فالذي (يَلْهَط) الطعام ثم يعيبه، لا يعيب الطعام، لكنه يعيب نفسه، كما كان تردد جدتي.

وما أظن أن هذا قد سمع بــ:

“الشاشُ الأبيضُ بين يديكِ غمام

نامتْ لفائفُك الغنّاء

يا سمراء ..

أشتمُ سماحتك الخضراء..

أصابعُ صبركِ، والعملُ الموصولُ

الجيّد لبّ نقائك

ورزانتك الشّماء

الفقر تجمّل سِمةٌ من كبرٍ وحنانْ

بصّرني معناك

يشفيني من سخطي يشكو في السوق

لغير سميعٍ..

خلّد محمد المهدي المجذوب بقصيدته الشهيرة (بائعة الكسرة) صراع الكادحين وبساطة الحياة عبر تجسيد صورة تلك المرأة السودانية الفقيرة، متجاوزاً بهموم الشعر أفق السلطة والقصور إلى رحاب البسطاء والمهمشين، حيث تتجلى في النص نظرة الشاعر التأملية والزاهدة، حين يرى في بائعة الكسرة ما يشبه «الراهبة» أو رمز الطهر والنقاء في مقابل زيف السلطان والأسواق.

و(الكسرة) في اللغة هي الفُتاتة التي تتخلَّف على المائدة. ولعل في ذلك تصغير بقصد التواضع. وقد ورد ذكر الكسرة في (طبقات ود ضيف الله) في سياق توثيق الحياة الاجتماعية وثقافة الطعام في عهد السلطنة الزرقاء (الفونج)، حيث كانت تُعرف تاريخياً باسم “السنسنة”. ويذكر أن استخدامها كان محدوداً في بدايات فترة السلطنة الزرقاء، إلى أن أدمجها الشيخ حمد بن إدريس ود الأرباب في النفقة العامة وطعام الضيافة، والمسيد بعد توليه الخلافة عام 1060هـ.

وصف (ود ضيف الله) طريقة إعدادها ومكونات طعام الصالحين والطلاب بقوله: (والكسرة سواها سن سن، والملاح سوى فيه الفلفل والشمار والكزبرة)، مما يعكس جزءاً من الحياة اليومية والتقاليد الغذائية المرتبطة بالخلوة والمسيد وتكافل المجتمع السوداني قديماً. فالصوفية هم أكثر من يطبقون القرآن أفضل تطبيق: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ – الآية (8) سورة الإنسان. وفي حديث النبي الأعظم يقرن إطعام الطعام بإفشاء السلام. لذا نجد الكسرة ركناً أساسياً في (المسيد) وفي (الخلوة)، حيث تُربط بفضائل إطعام الطعام، في محطة مفتوحة طول اليوم للفقراء والغرباء وعابري السبيل، وضيافة المريدين والطلاب، وتوزع كوجبات جماعية تعزز قيم التكافل والمحبة في المجتمع السوداني. حيث تُقدم عادة في صحون كبيرة (قدح الدبكر والكرامة أو التباسي)، يلتف حولها الجميع بمساواة تامة دون تفريق بين فقير وغني. وقد باتت القدرة على العطاء وبذل الطعام ترتبط بروحانيات التصوف والزهد وكرم الضيافة المتجذرة.

رأى الكثيرون في التقرير الذي نشرته (CNN) في 20 نوفمبر 2025، وتم تداوله على نطاق واسع في مايو من هذا العام إنصافاً للكسرة، حيث تم تصنيف الكسرة السودانية ضمن أفضل 10 أنواع خبز في العالم. وبهذا التتويج العالمي، تخرج (الكسرة) من جغرافيتها المحلية لتصبح سفيرة فوق العادة للثقافة السودانية. إنها الخبز الذي تحدى الزمن، وظل يجمع الأسر في لحظات الفرح والألفة، والآن يقف جنباً إلى جنب مع (الباغيت) الفرنسي، و(النان) الهندي والأوزبكي، وغيرها في عالم المخبوزات كأحد أعظم ابتكارات البشرية. إذ نجد (الكسرة) في المغرب اسماً مع اختلاف الشكل، لتتشارك مع كسرتنا في القائمة التي تضم خبز (الطابون) الأردني، و(اللبّة) المصري، و(السميت) التركي، و(الملوح) اليمني، و(السنكك) الإيراني، و(التورتيلا) المكسيكي، و(الكوروفاي) الروسي بشكله الدائري الذي يحمل رمزية قديمة، إذ يُعتقد أنه يعود إلى عبادة الشمس في العصور القديمة. واليوم، يُخبز لضمان الصحة والرخاء للعروسين.

ووصف تقرير الشبكة العالمية طريقة إعداد الكسرة، أو ما يُعرف محلياً بـ(العواسة)، بأنها “لوحة فنية وحركية مبهرة”. فبينما يعتمد العالم على الشوبك والأفران الحديثة، تقف المرأة السودانية أمام الصاج الساخن (الدوكة)، وبحركة دائرية خاطفة وسريعة باستخدام ورقة شجر أو قطعة بلاستيكية رقيقة، تحول العجين السائل في ثوانٍ معدودة إلى رقاقة حريرية ناعمة، شفافة، ومتماسكة في آنٍ واحد. وأضاف “إن صناعة الكسرة السودانية تتطلب مهارة يدوية فائقة وتكنيكاً حركياً معقداً يصعب على الطهاة المحترفين تقليده دون تدريب لسنوات. إنها معجزة المطبخ الإفريقي التقليدي.”

لعل التقرير حين جاء على ذكر الأداة (القرقريبة) واصفاً لها بأنها ورقة شجر أو قطعة بلاستيكية رقيقة، لم يكن يدري أن المختصين في البيئة لا يفضلون استخدام البلاستيك، إذ يُعد استخدام البلاستيك في طهي الخبز أو تعبئته ساخناً ممارسة ضارة وخطيرة، حيث تؤدي حرارة الخبز العالية إلى تحلل المادة البلاستيكية وانتقال المايكروبلاستيك والنانو بلاستيك إلى الطعام، مما يهدد الصحة العامة باضطرابات هرمونية وأمراض خطيرة. ذلك أن جداتنا كن يستخدمن تلك (القرقريبة القريبة) كما عبّر شاعر الشعب محجوب شريف، وهو يعني المستخرجة من مكونات الطبيعة كسعف الدوم.

طال إعجاب خبراء الطهي عند طريقة إعداد الكسرة عملية تحضير “العجين المُر” (التخمير)، ففي تلك العملية إبداع ودقة تمنح ذلك المذاق الحامض المميز، والنكهة الفريدة، ما يجعلها سهلة الهضم، ورفيق مثالي لامتصاص نكهات مختلف أنواع المِلاح.

رأى البعض في هذا التتويج وساماً على صدر كل أُم وحبوبة (جدة) سودانية، سهرت أمام وهج الصاج (الدوكة) لتطعم عائلتها حباً وكرامة. وارتبطت الكسرة كذلك بـ(النفير)، حيث تجتمع نساء الحي أو العائلة للمساعدة في إعداد كميات كبيرة منها للمناسبات كالأفراح والمآتم.

رغم أن الكسرة وجبة قومية، يشترك في تناولها الأغنياء والفقراء، إلا أن الاختلاف يظهر في نوع الذرة المستخدم، والملاح المصاحب من منطقة إلى أخرى تبعاً للطبيعة الجغرافية والمناخية. ففي شمال السودان نجد كسرة القمح وهي رقيقة تؤكل بملاح الروب والويكة الحمراء (التقلية) وأم رقيقة، والمرقة، ومفروك البامية والملوخية والسلج (ويسميه البروفيسور محمد عبد الله الريح.. ملاح الكلوروفيل)، وأحياناً يتناولها البعض بالماء فقط. بينما نجدها سميكة مصنوعة من الدخن في غرب السودان، وتؤكل بالعديد من الملاحات أشهرها الكول والمِرِس. وفي مناطق أخرى تستخدم الفيتريتة والذرة الشامية (عيش الريف) وأنواع أخرى من الذرة.

مؤخراً أصبحت “الكسرة” طوق نجاة حقيقي وأداة أساسية لتخفيف أزمات الغذاء والإطعام في ظل ظروف الحرب وانقطاع الإمدادات وتوقف المخابز، إذ عاد إليها الكثيرون ممن لجأوا للخبز بديلاً، عندما وجدوا أن المتوفر أمامهم هو الذرة لسد العجز وتعويض النقص الحاد في الخبز الناتج عن توقف المخابز وشلل حركة الأسواق.

ترى لو ظهر ذلك الجاحد الآن، وتمكن من الحصول على (صحن) فهي القليل من الكسرة، هل كان ليجرؤ على وصفها بأنها (فن دحش)؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى