صناعة الفنون الدرامية في السودان..

السر السيد

أفكار عامة

السر السيد

لقد اختفى التحسس اليوم من استخدام كلمة «صناعة» في حقل الفنون؛ فها هي الفنون، وبمختلف أنماطها، تشكل حضورًا قويًا في عالم اليوم وعلى الأصعدة كافة، وها هم الفنانون، وبمختلف مجالاتهم، يساهمون في القضايا المركزية في عالم اليوم.

ومع ثورة الاتصالات التي نعيشها اليوم، تطورت طرائق عرض الفنون وموقعها، وتغير موقع الفنان، فلم يعد ذلك الشخص الذي يوهمه الآخرون بالاختلاف، وبما يشبه (الكهانة)، وأن دوره ينحصر في صناعة المتعة والترفيه في بلاط السلطة أو بين الناس.

الفنون الآن، ومع تنوع الوسائط الاتصالية، أصبحت جزءًا من اقتصاديات أكثرية من الدول، وأصبحت ضالعة في الكثير من التحولات التي يشهدها عالم اليوم، بمعنى أنها أصبحت قوة لها استقلالها النسبي عن بقية البنى الاجتماعية. فنحن نشهد، على مستوى العالم، المهرجانات الفنية الكبرى والإنتاجات الضخمة في مختلف أنماط الفنون، وهو ما لم يكن ليتم بمعزل عن الصناعة وعلاقاتها.

من هنا أحاول في هذا المقال النظر في التجربة السودانية؛ متسائلًا: هل عرف السودان إنتاجًا للفنون الدرامية فقط، أم عرف محاولات لبناء صناعة درامية؟ وإذا كان قد عرف إنتاجًا متنوعًا، فلماذا لم يتحول هذا الإنتاج إلى صناعة مستدامة؟ وما المطلوب؟

في علاقة الفنون الدرامية بالصناعة:

يكاد يجمع غالبية الخبراء في الفنون والإعلام وعلم الاجتماع على أن الدراما من أكثر أنماط الفنون تأثيرًا في المجال العام، بسبب أنها فن يتوسل بطرائق عدة، منها الحكاية والحوار والتشخيص، ويحاكي حياة الناس وطرائق تعاطيهم مع الحكي. كما أنها تتخلق داخل الوسائط الأكثر جماهيرية وتخرج منها، كالراديو والتلفزيون والسينما والمسرح ووسائل التواصل الاجتماعي، بل وحتى الفضاءات المفتوحة كالساحات العامة والأسواق، كما يفعل المسرح أحيانًا.

لهذا كانت الدراما من أكثر الفنون قابلية للاستثمار، ومن ثم التسويق، وهو ما حتّم، بمرور الأيام، أن تتحول إلى مجال للصناعة.

ونعني بالصناعة هنا المفهوم المعروف للصناعة، والذي يعني، باختصار، إنتاج سلعة أو خدمة وتسويقها، وهو ما لا يتم إلا بعد توفر شروط إنتاجها من تخطيط ورأس مال وبنيات تحتية ومواد خام وموارد بشرية وقوانين ومستهلكين وعائدات تغطي التكلفة وتحقق الربح، وتجعل الاستمرار ممكنًا.

والسؤال هنا: هل العرض الدرامي سلعة؟

بالطبع، يمكن اعتباره سلعة وفق المفهوم الاقتصادي للسلعة، «باعتبارها منتجًا أو خدمة ينتجها العمل البشري وتُقدَّم للبيع في السوق»؛ مع ضرورة الانتباه إلى أن العمل الدرامي سلعة، ولكن لها خصوصيتها؛ فهي يمكن أن تُباع أكثر من مرة، ويمكن أن تنتقل من وسيط إلى آخر؛ كما يمكن لها أن تولد عائدًا من الإعلان أو إعادة البث أو حقوق التوزيع.

ومن هنا فإن صناعة الدراما لا تقوم فقط على إنتاج العمل، وإنما على العمل على توزيعه وتسويقه وصولًا إلى الإنتاج الجديد.

وبما أنها سلعة، كما أشرنا، فالدراما تحتاج إلى تخطيط ورأس مال، من القطاع العام أو الخاص، كالشركات أو المجموعات الفنية ذات الصلة بالدراما أو الأفراد، وتحتاج إلى مواد خام يمكن إجمالها في النص والديكور والأزياء والموسيقى والمؤثرات الصوتية والإضاءة، وتحتاج إلى موارد بشرية، وهم هنا «الشغيلة» الذين يمثلون المهن ذات الصلة بالعمل الدرامي: المؤلف والمؤلفة، والمخرج والمخرجة، والممثلون والممثلات، والراقصون والراقصات، ومصممو الأزياء والديكور والإضاءة والإكسسوارات، وفنيو الصوت والتسجيل والمونتاج والمكياج والتصوير، ومديرو الإنتاج ومساعدوهم.

وتحتاج أيضًا إلى بنيات تحتية، كالاستديوهات المصممة بمواصفات الإنتاج الدرامي، ودور العرض المسرحي والسينمائي، ومراكز التدريب والتأهيل، وتحتاج إلى قوانين تحكمها وتحميها، كقوانين حق المؤلف والملكية الفكرية والاستثمار والجمارك والقروض البنكية، والقوانين واللوائح ذات الصلة بالحق في التعبير والتمتع بالمنتجات الفنية.

والأهم احتياجها إلى جمهور وسوق؛ مع ملاحظة اختلاف الجمهور بين وسيط وآخر، فجمهور المسرح ليس بالضرورة هو جمهور التلفزيون، مما يعني أن لكل وسيط سوقه وتقاليد استهلاكه.

ليكون السؤال المهم هنا: هل توفرت هذه الشروط في التجربة السودانية؟

صناعة الفنون الدرامية في التجربة السودانية:

في تجربتنا السودانية، المصطلح المستخدم عند الجهات الرسمية وعند الجهات الخاصة، وعند صناع الدراما، عادةً في مقابل كلمة صناعة، هو (إنتاج)، فيقولون: إنتاج الفنون الدرامية أو الإنتاج الدرامي.

وسنتوقف، ولو بصورة عامة، على الكيفية التي تبدت بها صناعة الفنون الدرامية في مجالات المسرح والراديو والتلفزيون والسينما، باعتبارها تجارب نقف عبرها عند طبيعة تجربتنا.

أولًا: المسرح

بحكم أن العرض المسرحي لا يقوم إلا بالوجود الحي للجمهور، يدخل مباشرة في مفهوم (السلعة)، إذ يتحقق فيه شرط التسويق والبيع بصورة واضحة من خلال التذكرة.

والإشارة المباشرة هنا تعود إلى العرض المسرحي الذي قدمه الشيخ بابكر بدري في مدينة رفاعة عام 1903، وكرس عائده لبناء أول مدرسة للبنات في السودان. وبعده، ومنذ العام 1905 إلى العام 1918، مع الجاليات المصرية والشامية والإنجليزية واليونانية، ثم طيلة فترة العشرينيات والثلاثينيات، مع ظهور رواد المسرح السودانيين كفرقة نادي الخريجين وخالد أبو الروس، تواصل مشروع تكريس عائدات العروض المسرحية للأعمال الخيرية، كبناء المدارس ومقابلة النكبات.

هذه المرحلة تكشف تسويق العرض المسرحي، حتى وإن كان الهدف خيريًا وليس استثماريًا.

وفي النصف الثاني من الأربعينيات، ومع ظهور الرائد المسرحي ميسرة السراج، صاحب شعار (أعطني قرشًا.. أعطك مسرحًا)، وفرقته (فرقة السودان للتمثيل والموسيقى)، بدأت جينات الإنتاج المسرحي الخاص وبوادر الوعي المغاير. فقد شيد السراج دارًا خاصة للعرض المسرحي واستوديو لإنتاج التمثيليات الإذاعية، ولأول مرة أضاف عنصرًا نسائيًا في مجال التمثيل، بعد أن كان الرجال يمثلون أدوار النساء، وذلك في العام 1949.

وتمضي المسيرة، ويشكل ظهور الأستاذ الفاضل سعيد عام 1955 وفرقته نقلة كبرى في الإنتاج المسرحي. فقد كانت الفرقة تقدم عروضها في الأندية والمدارس، ولكن ليس لأجل الأعمال الخيرية فقط.

هذه التجارب شكلت تحولًا نوعيًا في الإنتاج المسرحي، وظهر تحول آخر مع بداية المواسم المسرحية في المسرح القومي، حيث ظهر الإنتاج المسرحي الذي تقوم به الدولة، وظهرت الميزانيات ولجان النصوص ولجان المشاهدة والرقابة والعقود والأجور ودرجات الممثلين والتذاكر والضرائب. وكانت الدولة تقوم بمستلزمات الإنتاج كاملة وتدفع أجور فريق العمل؛ ولكن، وبمرور الأيام، تغيرت هذه الصيغة، وأصبحت الدولة تعمل بصيغة الشراكة مع الفرق، وأخيرًا انتهت إلى توفير بعض اللوجستيات فقط، كالإعفاء من جزء من قيمة الإعلان أو منح المسرح القومي كمكان للعرض مجانًا.

وقد جاء هذا التحول في الإنتاج الحكومي متزامنًا مع ظهور الإنتاج الخاص وتصاعده، خاصة في النصف الأول من الثمانينيات؛ الذي كان رائده الفنان الكبير والإداري المخضرم الأستاذ مكي سنادة، عندما عمل هو والمؤلف والمنتج علي البدوي المبارك في مسرحيات «الدهباية» و«وريرة» و«جواهر».

قليلًا قليلًا بدأ الإنتاج الحكومي المباشر في الخفوت، وأصبحت الفرق تنتج عروضها بشراكات هنا وهناك، مع منتجين أفراد أو مع جهات اعتبارية رسمية أو أهلية. ونذكر هنا، على سبيل المثال، تجارب المخرج عماد الدين إبراهيم، وفرقة الأصدقاء، وجماعة السديم المسرحية، أو منتجًا فردًا كتجارب الممثل جمال عبد الرحمن؛مع ملاحظة أن المال الحكومي كان يتسرب بطريقة أو بأخرى لمساندة هذه التجارب. ومع ذلك يبقى السؤال: ليس هل أنتج هؤلاء؟ وإنما: هل استطاع الإنتاج المسرحي أن يبني سوقًا مستمرة؟

أخلص إلى أن الإنتاج المسرحي، أو صناعة العرض المسرحي، وبرغم كل هذه التحولات والقفزات هنا وهناك، وبرغم وجود جمهور للمسرح يصل حد أن تُباع تذاكر بعض العروض في السوق السوداء، إلا أنه كان يفتقد إلى التخطيط العلمي من صُنّاعه، وإلى التخطيط الاستراتيجي من قبل الدولة في النظر إلى أهمية هذا الحقل الجمالي والمعرفي. فلم يكن هناك اهتمام أو انشغال بالتدريب في مهن على صلة بالعملية المسرحية، كالإنتاج وإدارة الإنتاج والتسويق وإدارة الفرق.

لذلك سرعان ما تراجع، برغم توفر أحد أهم شروطه، أي المستهلك.

ثانيًا: دراما الإذاعة السودانية

في دراما الإذاعة السودانية يمكن القول، بلا لجلجة، إن الإنتاج الدرامي، من تمثيليات ومسلسلات وسلسلات وبرامج درامية ودراما قصيرة «اسكتشات»، كان يقوم به الدولة، باستثناء التجارب القليلة جدًا التي سنذكرها لاحقًا.

بدأت الدراما الإذاعية عام 1947 مع التمثيليات التي كان ينتجها الاستوديو الخاص بميسرة السراج ويأتي بها جاهزة للإذاعة لتبث، وقد كان هذا إنتاجًا خاصًا يتم بيعه للإذاعة.

بعدها تطور الأمر حتى تأسيس قسم التمثيليات، ثم إدارة الدراما. وكان معظم المخرجين طيلة تلك السنوات من المذيعين، أمثال محمد طاهر وأحمد قباني ومتوكل كمال وحمدي بولاد، إضافة إلى المخرجين الكبيرين أحمد عاطف وعثمان علي حسن، ثم، ومع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، حدثت تحولات في مسيرة الدراما، خاصة على مستوى الإخراج، مع صلاح الدين الفاضل ومحمود يسين ومعتصم فضل، ثم أجيال خطاب حسن أحمد وشاذلي عبد القادر ومن بعدهم وإلى الآن.

وكان أول مسلسل أنتجته الإذاعة عام 1955 هو «ود العمدة» للأستاذ خالد العجباني، إضافة إلى عشرات التمثيليات.

وبعد ثورة أكتوبر تصاعد الاهتمام بالدراما، وظهر كتاب أمثال حمدنا الله عبد القادر والطيب زروق وحسن عبد المجيد، وبدأت الدراما في الرسوخ وصارت البرنامج الذي ينتظره السودانيون في المدن والأرياف، لما كانت تطرحه من قضايا تناقش همومهم.

سنجد هنا أن الجمهور «المستهلك» لا يشتري تذكرة كما يفعل في المسرح والسينما؛ فالدولة هي من تدفع تكلفة الإنتاج، إذ إن الإذاعة هي من تقوم بكل احتياجاته، خاصة وأن المخرجين وفنيي التسجيل والمونتاج بالأساس موظفون في الإذاعة، أما الممثلون والمؤلفون فيتم التعامل معهم عبر أجور محددة سلفًا في لائحة الإنتاج الدرامي.

لقد حققت هذه الصيغة في الإنتاج نجاحات كثيرة، أقلها أنها صنعت جمهورًا عريضًا للدراما الإذاعية، كما أنها ساهمت في بناء كوادر خاصة في مجالي التأليف والتمثيل، مما شكل رافدًا مهمًا في مجرى الوسائط الأخرى، ولكنها في الوقت نفسه جعلت الدولة هي الممول والمنتج والموزع.

فلم يشهد الإنتاج الدرامي في الإذاعة مساهمة للقطاع الخاص، جهة كانت أم أشخاصًا، إلا في حدود ضيقة، منها مسلسل أنتجه مؤلفه، وآخر أنتجته الجهة المنظمة لفعاليات سنار عاصمة للثقافة الإسلامية، إضافة إلى فقرات قصيرة أنتجتها بعض الجهات العاملة في مجالات المرأة وحقوق الإنسان.

ولعل مما يمكن أن تقدمه لنا تجربة الإذاعة أن الدولة تستطيع أن تؤسس نظامًا إنتاجيًا ناجحًا، ولا يعني هذا صناعة؛ لأن الصناعة لا تقوم إلا بوجود تعدد في المنتجين، ووجود قنوات تسويق وحقوق متبادلة بين الجهة المنتجة وصناع المنتج.

ثالثًا: دراما تلفزيون السودان

بدأت دراما التلفزيون في السودان عام 1965، وكانت تقدم على الهواء مباشرة حتى العام 1968، وبعد ظهور الفيديو أصبحت تسجل.

في بداياتها الأولى قدمت عددًا من التمثيليات للفاضل سعيد وللكتاب حسن عبد المجيد وحمدنا الله عبد القادر وغيرهما، ومن مخرجي تلك الفترة نذكر المخرج أحمد عاطف وفاروق سليمان.

هذه المسيرة، التي حكمتها جدلية الاستمرار والتوقف، مثلها مثل دراما الإذاعة السودانية، كان الإنتاج يتم فيها عبر قسم الدراما بمسمياته المختلفة، وكان ممولًا بالكامل من الدولة.

مع النصف الثاني من التسعينيات حدث تحول كبير في الإنتاج الدرامي، فقد خصصت للدراما ميزانية مستقلة عن الميزانية العامة للتلفزيون، وسمح لها بأن تتغذى على بعض أموال الإعلانات.

استمرت الدولة في تمويل الإنتاج الدرامي ولكن على طريقتين:

الأولى: إنتاج تقوم به إدارة الدراما.

والثانية: إنتاج يقوم به ما يعرف بـ(المنتج المنفذ). وفي تجربتنا السودانية كان المنتج المنفذ إما شركة إنتاج، كشركة (السعد) و(أنهار)، أو فرقة، كفرقة (الأصدقاء) على سبيل المثال.

وكانت الصيغة أن يدفع التلفزيون 40% مقدمًا من تكلفة العمل، وفقًا للميزانية التي يقدمها المنتج المنفذ، والتي بالطبع تأتي متضمنة أرباحه.

كان الهدف من هذه الصيغة توسيع دوائر الإنتاج والسعي لإنشاء قطاع خاص، وكسر حالة التوقف، والحد من سطوة الدراما العربية، خاصة المصرية.

وقد حققت هذه الصيغة إنجازات لا يمكن إغفالها؛ فقد أنتجت عشرات المسلسلات والتمثيليات والسلسلات والأفلام التي تفاعل معها المشاهدون، كمسلسلات «الشاهد والضحية» و«التصفية» و«أقمار الضواحي» و«ضاعت الشواطئ»؛ وسلسلة «متاعب» و«كاراكتير» و«بالله شوف»؛ وتمثيلية «ودارت الأيام» وغيرها.

أيضًا كان هناك طريق ثالث، ولكنه محدود، هو أن تأتي الجهة بعملها جاهزًا لبيعه للتلفزيون، وقد تعاطى معها التلفزيون وشجعها.

مع هذه الصيغ أو الطرائق في الإنتاج، ومع ما تمخض منها من سلبيات وإيجابيات، أصبح لدينا نموذج أقرب إلى الصناعة؛ ولكن ظل السؤال قائمًا: هل يستطيع المنتج المنفذ أن يعيش خارج جلباب التلفزيون؟

فالقطاع الخاص الحقيقي لا يصبح قطاعًا خاصًا بالمعنى الدقيق للعبارة إلا بعد أن يمتلك القدرة على إنتاج عمل وتوزيعه في أسواق مختلفة محليًا وخارجيًا. ومع أنه قد ظهرت فرص لفتح أسواق خارجية، فقد عرضت بعض المسلسلات السودانية في التلفزيون التشادي، إلا أنه، وبسبب السياسات الثقافية والبرامجية البائسة، أضعنا هذه الفرص، وتراجعت محاولات التلفزيون في صناعة دراما تلفزيونية، ليتوقف الإنتاج التلفزيوني في العام 2004، ويتراجع التلفزيون ليس عن دعم الإنتاج الخاص فحسب، وإنما عن دعم إنتاجه هو أيضًا.

رابعًا: دراما السينما

على عكس دراما المسرح والإذاعة والتلفزيون نوعًا ما، وجدت السينما في السودان اهتمامًا خاصًا من المستعمر؛ فقد أنشأ ما يقارب الثلاثين دارًا للعرض السينمائي، وأنشأ وحدة أفلام السودان عام 1949.

وبعد الاستقلال، بين عامي 1956 و1957، أخرج السينمائي السوداني كمال محمد إبراهيم فيلم «الطفولة المشردة»، ونلاحظ هنا أن غالبية الأفلام التي أنتجت في مسيرة السينما السودانية كانت أفلامًا تسجيلية.

ومع العهد الوطني كان هناك اهتمام بالسينما؛ فقد تم إنشاء مؤسسة الدولة للسينما عام 1978، وكانت هناك مجلة للسينما ونادٍ للسينما، وازدادت دور العرض السينمائي في مدن السودان.

لكن مع الإنقاذ كان الموقف من السينما عنيفًا؛ فأغلقت الكثير من دور العرض السينمائي، ومنعت الكثير من الأفلام، وفي العام 1991 حُلت مؤسسة الدولة للسينما وقسم السينما بمصلحة الثقافة، وشُردت الكوادر السينمائية.

وما تجدر الإشارة إليه في مسيرة السينما السودانية أنها كانت الفن الأقرب إلى الصناعة من بقية الفنون الدرامية الأخرى؛ فقد شهدت الإنتاج الخاص في وقت مبكر، كما عرفت الاستوديوهات الخاصة، كاستوديو المخرج جاد الله جبارة.

ومن الإنتاج الخاص نذكر فيلم آمال وأحلام

1979، و«شروق» 1973، و«عرس الزين» 1976، و«تاجوج» 1980؛ إضافة إلى أفلام «العدل قبل القانون» و«ويبقى الأمل» و«بركة الشيخ»، وبالطبع أفلام إبراهيم شداد وحسين شريف والطيب مهدي ووجدي كامل وغيرهم.

ولأن السينما، وحتى تكتمل دوائر صناعتها، تحتاج إلى تسويق أكثر تعقيدًا، فهي تحتاج إلى دور عرض، وموزعين، وإلى دولة تقدر هذا الفن، وإلى جمهور تعلم واحترم أن تكون السينما مكانًا ينبغي ارتياده. ومن هنا كان إغلاق دور العرض السينمائي ضربًا لإحدى حلقات الصناعة الأساسية.

وبرغم كل هذا، نستطيع القول إن الخبرة السابقة، والتجارب الجديدة للجيل الحالي، والتقنيات الرقمية، تجعل إمكانية التفكير من جديد في صناعة سينما سودانية أمرًا ممكنًا.

أخيرًا: ما الذي يمكن أن تكشفه لنا هذه التجارب مجتمعة في المسرح والإذاعة والتلفزيون والسينما؟

ستكشف لنا، ولو بدرجات متفاوتة، أننا في السودان نمتلك الكثير من العناصر الأولية لصناعة الفنون الدرامية؛ فلدينا كوادر مبدعة، ولدينا إرث ثقافي وأدبي متنوع، ولدينا تنوع في السحنات والمناخات، ولدينا جمهور، ولدينا تجارب في التمويل والإنتاج، ولدينا خبرة في الإنتاج الخاص والحكومي.

إذن، ما هو المطلوب؟

لتحويل هذه المعطيات البشرية والثقافية وهذه الخبرة في مجال الدراما إلى صناعة.. أي: ما الذي نحتاجه؟

أولًا: إلى إرادة سياسية وثقافية تعمل على جعل الفنون الدرامية ضمن دائرة الاقتصاد الكلي، وأن تنظر إليها بوصفها جزءًا من روافع الأمن القومي.

ثانيًا: ضرورة إنشاء محفظة أو صندوق يسمى (صندوق صناعة الفنون الدرامية)، تساهم فيه البنوك والغرفة التجارية ورجال الأعمال، ويعنى بإنتاج الأعمال الدرامية الضخمة.

ثالثًا: العمل على إنشاء شركات إنتاج حقيقية، ويمكن أن يعمل المبدعون في مجالات الفنون الدرامية على إنشاء شركة مساهمة عامة تعمل في مجال الإنتاج والتوزيع والتسويق.

رابعًا: ضرورة الاتجاه نحو أفريقيا؛ فهناك تجارب غنية في صناعة الفنون الدرامية، كالتجربة النيجيرية، كما أن هناك فرصًا في التسويق؛ فلدينا مشتركات كثيرة، خاصة مع دول الحزام السوداني، كما أن الترجمة كفيلة بتقريب المسافات كثيرًا.

خامسًا: الشروع في عمل أرشيف وطني رقمي يحفظ الإنتاج الدرامي السوداني؛ فالمنتج الإبداعي الآن لم يعد يمثل ذاكرة فقط، وإنما أصبحت له قيمة اقتصادية أيضًا.

هذه أفكار عامة لا تهدف إلى أكثر من إثارة الحوار حول قضية أرى أنها تستحق أن نتوقف عندها

——.

  • هذا المقال في الأصل جملة من أفكار قدمتها في كمبالا، في مقر ديفولبمنت هوب، مع (مركز تهراقا الثقافي)، ضمن برنامج «أشياء تتداعى»، وذلك في سبتمبر 2024؛ وها أنذا أجعل منها مقالًا رغبة في خلق حوار منتج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى