حيدر إبراهيم .. إرثٌ معرفي يتجاوز الغياب

محمد الأمين عبد النبي
كانت علاقتي بالدكتور حيدر إبراهيم علي محطاتٍ في تجربة فكرية وإنسانية أتاحت لي الاقتراب منه والتعرّف على جانب من مشروعه التنويري وانفتاحه على الأجيال الجديدة وإيمانه بأن التغيير يبدأ بتحرير العقل وتوسيع مساحة النقد وبناء الوعي القادر على مساءلة الواقع واستشراف البدائل. كان حيدر ينظر إلى المعرفة كمسؤولية أخلاقية، وإلى الكتابة كفعل يتجاوز تفسير الواقع إلى الإسهام في تغييره.
كانت أولى محطاتي المهمة معه حين أعاد فتح مركز الدراسات السودانية في الخرطوم، إذ جمع عدداً من الشباب كنت من بينهم في إطار مشروع للتدريب على الكتابة البحثية. وطلب مني إعداد ورقة عن التسامح والتعايش السلمي قُدمت في المنتديات الدورية ثم نُشرت ضمن سلسلة «كراسات سودانية»، كما طلب مني كتابة ورقة عن دور الشباب السوداني في المجتمع المدني نوقشت ونُشرت في مجلة «كتابات سودانية».
وما زلت أذكر اتصالات الأستاذ عبد الله أبوريش وهو يبلغني بأن الدكتور حيدر يريدني، إذ كان يحرص على التشاور معي ومع آخرين بشأن أنشطة المركز والمشاركة في تنفيذها. وقد منحني هذا الاهتمام فرصةً للتجربة والكتابة، وأكد لي أن حيدر كان يُعِدّ الشباب لصناعة المستقبل.
وعندما اندلعت ثورات الربيع العربي، دعا الدكتور حيدر إلى تأسيس «تجمع دعم ثورات الربيع العربي»، الذي ضمّ مجموعات واسعة من مختلف أطياف المجتمع السوداني. وقد عكس ذلك اتساع أفقه السياسي والفكري واهتمامه بالتحولات الإقليمية من زاوية أسئلتها المتعلقة بالحرية والديمقراطية والعدالة ودور الشعوب في تقرير مصيرها. وكان تعاطيه مع تلك الثورات امتداداً لانشغاله بشروط التغيير وقدرة المجتمعات على التحرر من الاستبداد وإمكان الاستفادة من التجارب المحيطة في إعادة التفكير في الأزمة السودانية.
وفي القاهرة أهداني كتابه «التجديد عند الصادق المهدي الإشكاليات والاختلالات» عقب صدوره مباشرة، وبعد أسبوع كتبتُ مقالاً بعنوان «محاولة في نقد فريضة النقد في كتاب التجديد عند الصادق المهدي الإشكاليات والاختلالات» نشرته صحيفة «الصحافة»، فكان من أوائل المقالات التي تناولت الكتاب نقدياً قبل تداوله على نطاق واسع في الخرطوم. وعندما التقيته بعد ذلك، قال لي إن هذه ليست مجرد محاولة، بل نقد مكتمل الأركان فتح أمامه جوانب مهمة تحتاج إلى حوار أعمق حول كسب الإمام الصادق المهدي.
ظلت هذه الواقعة حاضرة في ذاكرتي لأنها كشفت سمة أساسية في شخصية حيدر، هي استعداده لاستقبال النقد والتفاعل معه دون أن يعدّ الاختلاف انتقاصاً من جهده. فقد كان يرى في النقد فرصةً لتوسيع النقاش وإعادة النظر في الأفكار، وهو ما يعكس ثقة المثقف الذي لا يحتاج إلى تحصين أطروحاته ضد المساءلة.
وكنا نجلس إليه في معيّة الأستاذ الحاج وراق والأستاذة رشا عوض والحبيب محمد فول وآخرين في منزله بالمعادي، ونتناقش في قضايا السودان السياسية والفكرية والاجتماعية. كان يحرص على تجاوز ظاهر الأحداث إلى جذورها وربط الوقائع بسياقاتها التاريخية والاجتماعية. وعلى الرغم من معرفته الواسعة وقدرته التحليلية، كان يصغي بعقل مفتوح ويمنح الآراء المختلفة فرصتها في النقاش. ومن خلال تلك المجالس لمستُ قدرته على توليد الأفكار من داخل الحوار وربط القضايا المتباعدة في رؤية أوسع تساعد على فهم تناقضات الواقع.
وكان يمتلك كذلك قدرة لافتة على اختيار اللحظة المناسبة لطرح أفكاره وصياغة رؤيته النقدية بطريقة تفتح المجال للتفكير. وقد استندت هذه القدرة إلى معرفة متراكمة وحسٍّ تاريخي وإدراكٍ لطبيعة المجال العام السوداني. لذلك تجاوزت كثير من أفكاره مناسباتها المباشرة لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بالدولة والمجتمع والسلطة والدين والديمقراطية.

وفي تقديري، يُعدّ حيدر إبراهيم علي من أبرز المفكرين والمثقفين السودانيين الذين أسهموا في تشكيل النقاش الفكري، خصوصاً في قضايا الإسلام السياسي والديمقراطية والعلمانية ودور المثقفين. فقد كان يتعامل مع الديمقراطية بوصفها ممارسةً وثقافةً ومؤسسات تحتاج إلى تأسيس اجتماعي وفكري. ومن هذا المنطلق، ارتبط نقده لمشروع الإسلام السياسي بسعيه إلى الدفاع عن دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة والتعددية والحرية والمساواة، ولا تحتكر فيها جماعة بعينها حق تعريف المجتمع أو تقرير مصيره. ولم يكن النقد عنده غاية مستقلة، بل جزءاً من محاولة بناء بديل فكري وسياسي؛ فمواجهة الاستبداد لا تكتمل برفضه، وإنما تحتاج إلى تصور واضح للمجتمع الذي نريد بناءه.
وكان انحيازه إلى قيم الحرية والعدالة راسخاً، مما أتاح له مساءلة القوى السياسية والاجتماعية المختلفة مع احتفاظه بموقف واضح من قضايا الديمقراطية والاستبداد. وهذا الاستقلال كان اختياراً لموقع نقدي يسمح له بالدفاع عن المبادئ دون إخضاعها لحسابات التحالفات والمصالح. وفي ذلك تجسيدٌ للمثقف الملتزم الذي لا يفصل الكتابة عن المسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع.
وقد مثّل مركز الدراسات السودانية أحد أبرز التعبيرات العملية عن مشروعه، فأراد له أن يكون مؤسسة بحثية ومساحةً لتدريب الشباب وإنتاج المعرفة وتنظيم الحوارات والتواصل مع مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، ومنبراً لمناقشة قضايا التغيير والديمقراطية والمجتمع المدني، وقد أسهم في توسيع المجال أمام الخطاب النقدي والتقدمي.
ومن هنا نفهم أيضاً انفتاحه على المجتمع المدني والقوى السياسية الديمقراطية ومختلف الفاعلين في الحياة العامة. فلم يكن يفترض أن جهة واحدة تمتلك الحقيقة أو تستطيع إنجاز التغيير بمفردها، فقد كان يدرك أن بناء مجتمع ديمقراطي يتطلب الحوار والعمل المشترك بين المثقفين والباحثين والصحفيين والناشطين والتنظيمات المدنية والقوى السياسية المؤمنة بالديمقراطية.
وكان الرهان على الوعي جوهر مشروع حيدر. فالظلم والفقر والاستبداد لا تنتج بالضرورة تغييراً منظماً؛ إذ يحتاج الناس إلى فهم أسباب معاناتهم وامتلاك أدوات المبادرة والحوار. لذلك ظل حيدر منشغلاً بالبحث والكتابة وبفتح المجال لاكتساب المعرفة وممارسة النقد والمشاركة في الشأن العام. فقد كان يرى أن التغيير يتطلب تحولاً في طريقة فهم المجتمع وفي قدرته على مساءلة السلطة وإنتاج البدائل.
وعندما أتأمل تجربته، أرى أن وحدة مشروعه تتجلى في العلاقة بين الكتابة والبحث والعمل الفكري المؤسسي. فاهتمامه بالديمقراطية ونقده للإسلام السياسي وانشغاله بأزمة المثقفين وتأسيسه مركز الدراسات السودانية ورهانه على الشباب، كلها حلقات مترابطة في مشروع يسعى إلى تحرير الفكر من الانغلاق وتوسيع مساحة الحرية في المجتمع وبناء تقاليد راسخة للنقاش العام. وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه يقدّم التنوير ممارسةً تتحقق من خلال البحث والتفكير والنشر والحوار.
لقد أتاحت لي محطاتي معه، من منتديات مركز الدراسات السودانية في الخرطوم إلى لقاءات القاهرة، ومن الكتابة إلى النقاش، أن أرى كيف يمكن للمثقف أن يؤثر في الآخرين بما يكتبه وبما يتيحه من فرص للتعلم والنقد والمشاركة. فقد كان يمنح الشباب مساحةً للتجربة ويستقبل اعتراضاتهم، ويعامل الحوار بوصفه جزءاً من إنتاج المعرفة.
تكتسب تجربة حيدر أهمية تتجاوز منجزه الشخصي إلى الأسئلة التي تتركها للأجيال الجديدة: كيف نبني دولة ديمقراطية؟ وكيف نؤسس لمجتمع يتسع لتعدده؟ وكيف نحوّل المعرفة إلى قوة قادرة على مواجهة الاستبداد وإعادة بناء الحياة العامة؟ ومشروعه بطبيعة الحال لا يقدم إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، لكنه يصر على إبقائها مفتوحة أمام البحث والنقد والحوار، وعلى أن تجاوز الأزمة السودانية يحتاج إلى عمل فكري ومجتمعي متواصل.
كرّس حيدر جانباً كبيراً من حياته لفهم جذور الأزمة السودانية وفتح أفق لمعالجتها، وسعى من خلال كتبه ومركز الدراسات السودانية إلى بناء مساحة يصبح فيها الفكر ملاذاً للحرية، والنقد ممارسة طبيعية، والاختلاف مدخلاً إلى المعرفة. وتلك هي القيمة الأعمق لتجربته؛ راهن على وعي يتشكل بالبحث والحوار والممارسة، ويمنح السودانيين القدرة على تخيل مستقبل مختلف والعمل من أجله.
رحم الله الدكتور حيدر إبراهيم علي رحمةً واسعة. إن الوفاء لسيرته والاحتفاء بمنجزه المعرفي يقتضيان العمل على توثيق تجربته وجمع كتاباته ودراساته ومقالاته وصون مكتبته ومقتنياته المعرفية وإتاحتها للأجيال الجديدة من الباحثين والدارسين، بما يحفظ ذاكرة مشروعه ويضمن استمرارية أثره.





