جنوب كردفان.. الجوع والمرض والنزوح تفاقم معاناة السكان

محمد عبد الباقي

مع اقتراب الحرب من إكمال عامها الرابع، يدفع سكان ولاية جنوب كردفان ثمناً باهظاً وتكلفة عالية جراء تداعياتها على حياتهم اليومية.

فالولاية التي خضعت لحصار خانق فرضته قوات (تأسيس) المكوّنة من الدعم السريع والحركة الشعبية، انتهى جزئياً في نوفمبر الماضي دون أن يحقق حلم السكان في وضع حد لمعاناتهم مع الجوع والمرض والعطش.

وخلال الأعوام الثلاثة الماضية، تعرضت جنوب كردفان لانتهاكات واسعة وحصار مشدد حول حياة السكان إلى جحيم ما زالوا يعانون من ويلاته.

وفي نوفمبر 2025، صُنفت عدة مناطق في الولاية، من بينها مدينة كادوقلي، مناطقَ مجاعة، ما اضطر السكان إلى تناول أوراق الأشجار وأعلاف الحيوانات، بينما لجأ بعضهم إلى حفر بيوت النمل بحثاً عن حبوب الذرة.

وتزامنت أزمة الجوع مع تفشي الكوليرا التي ظهرت للمرة الأولى في الولاية في أغسطس 2024، وظلت تتجدد في مناطق مختلفة كلما انحسرت في مناطق أخرى، وسط انهيار القطاع الصحي وانعدام الأدوية، وتوقف المستشفيات والعيادات الصحية، ونزوح الكوادر الطبية.

وأدى الحصار الذي استمر زهاء العامين إلى إغلاق المعابر والمسارات التجارية وقطع سلاسل الإمداد عن جنوب كردفان، بالتزامن مع موجات نزوح اجتاحت الولاية، حتى خلت عدة مدن من سكانها تماماً، من بينها (الدبيبات) و(هبيلا)، إلى جانب آلاف القرى التي أُجبر سكانها على النزوح.

ووفقاً للمعطيات وإفادات النازحين، يعيش آلاف المواطنين من جنوب كردفان حالياً في المخيمات بولاية النيل الأبيض ومدينة الأبيض، حيث يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والرعاية الصحية.

واليوم، أصبحت عملية إدخال المواد الغذائية إلى مدن جنوب كردفان شاقة ومكلفة، وفقاً لناصر، أحد سكان مدينة كادوقلي، الذي روى كيف يحصل العدد القليل من السكان على الغذاء في الولاية التي توقفت فيها وسائل الإنتاج وتقلصت المساحات المزروعة.

وقال ناصر، الذي طلب الإشارة له بالاسم الأول فقط، لـ«أفق جديد»: «منذ اندلاع الحرب في الخرطوم، تحولت جنوب كردفان إلى مسرح خلفي للحرب، مما أدى إلى توقف الإنتاج وتعطل الزراعة وإغلاق سلاسل إمداد المواد الغذائية التي أخذت تتقلص إلى أن انتهت نهائياً في جميع أسواق الولاية، وبدأ السكان يعانون من الجوع والأمراض معاً، وكان العامان 2024 و2025 من أسوأ السنوات التي مرت على المواطنين، ففي هذين العامين جرب السكان أكل أوراق الأشجار وأعلاف الحيوانات، ومات كثيرون منهم بسبب الجوع والأمراض».

وأضاف ناصر: «المؤسف هو أن الحياة لم تتغير حتى بعد فتح الطريق بين (كادوقلي) و(الدلنج) ورفع الحصار عن المدينتين، لأن السلع لم تصل بالصورة المطلوبة، وكذلك الأدوية، ومع تدهور الوضع الاقتصادي للمواطنين ازدادت المعاناة، إذ أصبح السكان غير قادرين حتى على توفير احتياجاتهم اليومية من الأكل والشرب، في ظل الغلاء الطاحن وارتفاع الأسعار وعدم توفر أي مصادر للدخل، خاصة مع شح الأمطار وفشل الموسم الزراعي، الذي كان يوفر فرص عمل كثيرة للأيدي العاملة».

وأشار ناصر إلى أن السلع الغذائية، على قلتها، تدخل حالياً إلى جنوب كردفان عبر طرق ملتوية وبصعوبة بالغة، بعضها مروراً بجنوب السودان وسوق النعام في منطقة (أبيي)، مقابل دفع رسوم باهظة عند الارتكازات العسكرية التي تمر عبرها البضائع، والبعض الآخر عبر طريق (هبيلا)، لكن في كل الأحوال، فإن الجبايات التي يحصل عليها في نقاط التفتيش والارتكازات العسكرية تُضاف إلى أسعار المواد الغذائية التي هي في الأساس تفوق القدرة الشرائية للمواطنين.

أما صالح، الذي بدوره نشير إليه باسمه الأول لدواعٍ أمنية، فوصف الأوضاع في جنوب كردفان بالقاسية، وقال لـ«أفق جديد»: «حالياً أصبحت معظم القرى شبه خالية من سكانها، وقد نزح معظمهم إلى داخل الدلنج وكادوقلي، وقد حرمهم النزوح من ممارسة أعمالهم وأنشطتهم وجعلهم غير منتجين، الأمر الذي انعكس على حياة الناس وقدرتهم على توفير احتياجاتهم الأساسية اليومية».

وأوضح صالح أن السلع التي كانت تدخل عبر مناطق سيطرة الحركة الشعبية تقلصت كثيراً، مؤكداً أن الطريق الوحيد الذي تصل عبره البضائع حالياً إلى جنوب كردفان هو طريق (كُرتالة، هبيلا، الرهد).

وأضاف أن هذا الطريق مهدد بالمسيرات التي تقصف أي حركة تمر عبره، فضلاً عن عمليات النهب التي تحدث عليه من قبل العصابات المسلحة التي تستغل حالة الهشاشة الأمنية وتعتدي على القوافل، وتأمين وصولها يضطر التجار إلى استخدام طوف عسكري، وهو يزيد تكلفة البضائع ويخلق تهديداً أمنياً باعتبار أن أي تحرك لرتل عسكري يصبح هدفاً للمسيرات.

وختم صالح بالإشارة إلى أن تعقيدات تحريك الشاحنات ضمن الأطواف العسكرية تؤدي في كثير من الأحيان إلى توقف إيصال السلع إلى المنطقة لفترات طويلة، ما يتسبب في أزمات وندرة غذائية قاسية للسكان.

وتضررت مناطق عدة في جنوب كردفان بعد أن أصبحت خالية من سكانها بسبب المخاطر الأمنية وانعدام الخدمات، من بينها هبيلا والقرى المجاورة لها مثل (فُويو والزلطاية)، وقرى أخرى هجرها سكانها بعد كثرت التهديدات الأمنية، مما تسبب في توقف كثير من سُبل الإنتاج ودفع السكان إلى العيش في ظل انعدام الأمن الغذائي.

من جهته، تحدث سليمان داؤود، أحد سكان مدينة الدلنج، وهو لاجئ حالياً في أوغندا، عن المخاطر المعيشية المتوقعة خلال الفترة المقبلة في ولاية جنوب كردفان.

وقال داؤود لـ«أفق جديد»: «تعتمد معظم مناطق جنوب كردفان بصورة أساسية على الزراعة، لكن لم تُزرع هذا العام أي مناطق مهمة بسبب الهشاشة الأمنية وانعدام الوقود وعدم توفر التقاوي، ومن المتوقع أن تشهد المنطقة خلال الفترة المقبلة حالة جوع قاسية لأن المواد الغذائية شبه منعدمة حالياً، ويحصل السكان عليها بصعوبة بالغة».

وأضاف داؤود: «هناك مؤشرات على تفشي المجاعة خلال الشهور المقبلة، خاصة الفترة الممتدة حتى يناير القادم، وقد كانت هذه الفترة في السنوات الماضية تمثل موسم الحصاد، لكن في هذا العام، وبسبب عدم وجود زراعة، يُتوقع أن يتعرض المواطنون الذين ما زالوا في كادوقلي والدلنج للمجاعة لا محالة».

وازداد عدد القرى والمناطق التي خلت من سكانها الذين فضلوا النزوح على البقاء، فمنهم من نزحوا إلى ولاية النيل الأبيض ومدينة الأبيض والمناطق الآمنة الأخرى، من بينها كادوقلي والدلنج، وفي أماكن النزوح الجديدة أصبحوا غير قادرين على ممارسة أي نشاط اقتصادي، وهو ما انعكس على حياتهم اليومية.

ووصف أحد المواطنين الذين نزحوا إلى مدينة الدلنج الأوضاع بالمتدهورة بسبب ارتفاع الأسعار وانعدام فرص العمل أمام النازحين في المدينة.

وقال النازح، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية، لـ«أفق جديد»: «يعيش آلاف المواطنين في أوضاع متدهورة ويتقاسمون الموارد الشحيحة مع السكان، في ظل انعدام فرص العمل في المدينة التي انعدمت فيها سبل الحياة تماماً، ولا يوجد بها وقود ولا وسائل للمواصلات، وقد لجأ السكان إلى استخدام الدواب في تنقلاتهم اليومية، أما الرعاية الصحية فهي شبه منهارة تماماً».

وتدهورت الخدمات الصحية بصورة أكبر من غيرها من الخدمات، إذ أُغلقت معظم المستشفيات الحكومية، فيما تقدم المراكز الصحية التي لا تزال تعمل خدمات متواضعة بسبب ارتفاع أسعار الأدوية وصعوبة الحصول عليها.

وقال طبيب يعمل في مدينة الدلنج لـ«أفق جديد»: «تكاد المستشفيات الحكومية تكون شبه مغلقة في جميع مدن الولاية، والخدمات الصحية المقدمة حالياً شحيحة ومتواضعة للغاية، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الأدوية، وعلى سبيل المثال، تضاعف سعر جرعة علاج الملاريا ست مرات، إذ ارتفع من ألفي جنيه إلى 12 ألف جنيه».

وأشار المصدر الطبي إلى خطورة الأوضاع الصحية، محذراً من تفشي الأمراض خلال المرحلة المقبلة، في ظل ضعف الخدمات الصحية، وقلة الكوادر الطبية وعجز المواطنين عن شراء الأدوية ومقابلة الأطباء بسبب تدهور أوضاعهم الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى