«الحريق» في عالم الحكومة الموازي

أفق جديد

منتصف الأسبوع الماضي ظهر قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان بكامل هندامه العسكري، وهو يشارك عدداً من الضباط والجنود لعب «الكوتشينة». وبينما أثار الفيديو انتقادات واسعة، لم يكن الجدل حوله منفصلاً عن الأوضاع السيئة التي تجري في البلاد وتآكل سيادتها.

وبدا ظهور قائد الدولة في مشهد اللعب، كما قرأه منتقدوه، صورة لسلطة تعيش في معزل عن الواقع المرير والحرب المستعرة. وهكذا تحوّل الفيديو إلى أكثر من مجرد مقطع متداول؛ صار عنواناً لسؤال أوسع عن علاقة القيادة بمآسي البلاد، وعن الفجوة بين ما ينتظره المواطنون من الدولة وما يرونه في سلوك مسؤوليها.

وعقب اتساع دائرة الانتقادات، خرج مسؤول الصفحات الرسمية للقوات المسلحة، العقيد مهندس عماد الدين عوض بشير، بتوضيح أكد أن مقطع الفيديو قديم، ويعود إلى فترة سابقة بعيدة، وأن بعض الأشخاص الذين ظهروا برفقة البرهان غادروا مواقعهم منذ زمن. كما أشار الجيش إلى أن إعادة ترويج المقطع في هذا التوقيت الحرج تهدف إلى تضليل الرأي العام وإرسال رسائل سلبية بشأن تعاطي مجلس السيادة مع الأحداث الراهنة.

غير أن توضيح الجيش، حتى مع تأكيده أن الفيديو قديم، لم يبدد جوهر الأزمة التي كشفها تداوله؛ فالسؤال لم يعد متعلقاً بتاريخ المقطع وحده، بل بما جعل صورة كهذه قادرة على إثارة كل هذا الغضب في لحظة فاجعة. إن اتساع الانتقادات يعكس، في جانب منه، تراكم شعور بأن السلطة الواقعية لا تقدم للسودانيين ما يتناسب مع حجم ما يعيشونه، وأن الفجوة بين خطابها ومشهد الحياة اليومية باتت أكثر وضوحاً من أن يغلقها بيان أو توضيح.

وفي الوقت الذي كانت فيه مآسي البلاد تتصدر المشهد، ظهر رئيس الوزراء المعيّن بواسطة الفريق البرهان، كامل إدريس، برفقة وزير الإعلام خالد الإعيسر ووزير الداخلية، في منشط تدشين الموقع الرسمي لوزارة الإعلام والآثار والسياحة. وبدا المشهد امتداداً للتناقض ذاته: حكومة ذروة نشاطها الرسمي أن تدشّن منصاتها، فيما ينتظر السودانيون إجابات واقعهم الذي تصوغه الحرب لمدة أربع سنوات.

ولم يكن تدشين موقع إلكتروني سوى تفصيل آخر في صورة عالم السلطة الموازي. ففي العالم الموازي نفسه طالع الناس تغريدة لرئيس الوزراء كامل إدريس، وهو يتجاوز كل أحداث الموت السوداني المستمر وتآكل السيادة ليعرب في تغريدته عن بالغ قلقه إزاء الأنباء المتعلقة بالحالة الصحية لقداسة البابا ليو الرابع عشر، وعن ارتياحه لنجاح العملية الجراحية التي أُجريت لقداسته. وباسم حكومة السودان، تقدم إدريس بأصدق التمنيات بالشفاء العاجل والتام، سائلاً الله أن يمنّ على البابا بالقوة والعافية، وأن يديم عليه نعمه وبركاته.

هنا تتضح المفارقة التي تجمع هذه الوقائع، وتمنحها معناها الأعمق. فالقضية ليست في التضامن الإنساني مع البابا، ولا في التمنيات له بالشفاء، بل في التباين بين المسافة التي قطعها رئيس الوزراء للتعبير عن قلقه تجاه حدث بعيد، والمسافة التي تفصل الحكومة عن أوجاع مواطنيها في الداخل. لقد بدا أن السلطة قادرة على الالتفات إلى ما وراء حدود البلاد، من دون أن تمنح الفاجعة التي يعيشها السودانيون ما تستحقه من اهتمام ووضوح.

إن هذه المشاهد والجدل حول فيديو البرهان وفي يده الكوتشينة، وصولاً إلى تدشين الموقع الإلكتروني وتغريدة كامل إدريس، لا تبدو وقائع متفرقة بقدر ما تتجمع في اتجاه واحد: اتساع الفجوة بين السلطة والواقع الذي تحكمه. فكل واقعة تضع السؤال نفسه أمام السودانيين: أين الدولة حين يحتاج إليها مواطنوها؟ وما قيمة بياناتها وأنشطتها الرسمية؟

في بلد تعيش حكومته الحرب وتناقضاتها، يصبح الحديث عن عالم موازٍٍ للسلطة أكثر من كونه استعارة صحفية؛ إنه وصف لفجوة تكشفها الوقائع على الأرض: مشاهد المسؤولين وهم يمضون في أنشطتهم وتفاعلاتهم بعيداً عن مركز الفاجعة، كلها ترسم صورة حكومة لا تتقاطع أولوياتها بالقدر الكافي مع أولويات مواطنيها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى