كتاب الشاهد الأول ضد بن لادن: جمال الفضل.. سوداني هزّ القاعدة

 

مؤلفه: الصحفي الأستاذ محمد عبدالعزيز

القراءة والاستعراض: كمال بولاد

تجربة هذا الكتاب تستحق الاهتمام؛ لأنها مزيج من البحث الجاد والكتابة الروائية، كما أنها تضيف سفرًا جديدًا إلى كتابات الجاسوسية الشحيحة في المكتبة السودانية، والتي تفتقر إلى توثيق الكثير من التجارب التي أثرت على مجرى تاريخ بلادنا، وطوتها عادة المشافهة الطاغية وسط النخب والمثقفين السودانيين، وتلاشت مع نعوش أبطالها الذين رحلوا.

يضم الكتاب ثلاثة فصول، تقع بين دفتيه ٢٤٦ صفحة، كُتب على طريقة الرواية في مسيرة سردية شيقة تكاد تنقلك من سير البحث الاستقصائي الجاد في تجربة كبيرة وخطيرة شغلت العالم سنوات، وهي تجربة وتطور وحركية تنظيم القاعدة وقائده أسامة بن لادن، إلى رواية طاف الراوي ما بين فصولها رسمًا وخيالًا وفانتازيا، وأنت في غاية التوتر والتحليق، تهبط على صدمة واقع تحقيقات ضباط المخابرات الأمريكية (CIA) مع عناصر التنظيم الذين وقعوا بين أيديهم، ومنهم بطل الرواية، الشخصية المحورية جمال أحمد الفضل. كل هذا وسط مزيج من الأدب والبحث الاستقصائي الذي أنجزه الكاتب ببراعة وصبر على اكتناز المعلومات ومحاورة مصادرها الشحيحة وشخوصها الشرسة، فكان جهدًا بُذل لسنوات، احتواه متن هذا الكتاب.

تأتي أهمية عرض الكتاب من كونه بحثًا قيمًا عن تجربة تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، حينما قرر الاستقرار وتوطين التنظيم بالسودان، ويمتد البحث إلى عمل وحركة التنظيم آنذاك، إلى مدار حركته الإقليمية والعالمية، كواحد من تجليات ظاهرة الإسلام السياسي وتأثيرها الإقليمي والدولي في العقود الأربعة الأخيرة، ثم إشارته في جوهر البحث للصلة التلقائية التي وُلدت ما بين القاعدة ونظام الحركة الإسلامية السودانية الوليد آنذاك، والذي استولى على السلطة في السودان بانقلاب عسكري في ١٩٨٩م، واستقبل النظام قادة التنظيم المتطرف، وعلى رأسهم الزعيم أسامة بن لادن، في السودان، وفتح لهم البلاد وسهّل لهم المشاريع والشركات الاستثمارية، رغم التكتيكات التي اتبعتها الحركة الإسلامية آنذاك بمحاولة خداع السودانيين، ومحاولات نفي صلة الانقلابيين بها، ثم الظهور على طريقة فقه الضرورة بغير حقيقتهم، نتيجة حرصهم على السلطة والتمسك بمكتسباتها، وإظهار عدم التقاطع مع بنية المجتمع السوداني المتسامح، والحفاظ على صورة السودان الإقليمية والدولية كما هي، حتى تتم، وفقًا لنهجهم المتطرف، مرمطتها لاحقًا، لدرجة أصبح في عهدهم مجرد جواز السفر السوداني في المطارات الدولية تهمة. وركز الكاتب في بحثه الاستقصائي على كيفية إنشاء هذا التنظيم وحركته وتطوره وبنيته التنظيمية الدقيقة وفتاويه، كل ذلك عبر الشخصية المحورية للبحث، وهو جمال الفضل، باعتباره من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ تنظيم القاعدة، عندما كان أحد أعضائها، وحتى بعد أن أصبح الشاهد الأول ضد قادتها في قاعات المحاكم الأمريكية، ويستبين ذلك من خلال المآلات الأخيرة للمحاكمات التي نُصبت لبعض أهم عناصر التنظيم، وفي ظل مرحلة شديدة الحساسية في تطور الحركة العابرة للحدود والأوطان، وحتى بعد تصفية زعيمها وقائدها ابن لادن. فالكتاب لا يكتفي بسرد سيرة جمال الفضل، وإنما يتخذ من تجربته مدخلًا لفهم التحولات التي مر بها تنظيم القاعدة، وعلاقته بالسودان، والصراعات الداخلية التي أحاطت بالتنظيم وقياداته.

فقد كان جمال من المقربين لأسامة بن لادن خلال سنواته في السودان، ثم أصبح لاحقًا من أبرز الشهود الذين قدموا معلومات للسلطات الأمريكية حول تنظيم القاعدة وقيادته وشبكاته. ومن هنا جاء وصفه بأنه الشاهد الأول لدى المخابرات الأمريكية، إذ شكّلت شهادته إحدى الحلقات المهمة في بناء الصورة القانونية والأمنية عن التنظيم في مرحلة سبقت هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ومن خلال تتبع مسار الفضل، يفتح الكتاب نافذة على السودان في تسعينيات القرن الماضي، حين تحوّل إلى محطة مهمة في تاريخ الحركات الإسلامية الدولية، وعلى العلاقات المعقدة التي نشأت بين بن لادن وبعض دوائر الإسلاميين السودانيين. كما يضيء الكتاب على الانتقال من مرحلة العمل الدعوي والتنظيمي إلى مرحلة أكثر عنفًا وعالمية في نشاط القاعدة.

لكن قيمة الكتاب لا تتوقف على المعلومات التي يقدمها، بل تمتد إلى الأسئلة التي يثيرها. فشخصية جمال الفضل كانت جزءًا من البيئة التنظيمية، ثم انقلبت عليها. ولذلك فإن شهادته تطرح عدة أسئلة حول البناء النفسي الذي يصنعه التنظيم: كيف لشخص ما وضع روحه وحياته أمام الأمير ليختار له تاريخ وفاته، أن ينقلب في لحظة ما إلى شاهد ضد رفاقه؟ وما الأسباب؟ وكيف يتحول الشخص من إنسان مدني محب للحياة وفاعل في مجتمعه وأنشطته الرياضية والفنية إلى متطرف تستوي عنده الحياة والموت، بل يقتل دون تردد الآخرين من بني جلدته وغيرها من الأسئلة.

فتاريخ التطرف عمومًا، أو الخيانة للرفاق أو الوفاء والإخلاص للمبادئ، أيًّا كانت مرجعيتها الإيمانية والفكرية، أكثر تعقيدًا من رواية شخصية واحدة، كما أن ظاهرة التطرف العنيف لا يمكن تفسيرها فقط من خلال الأشخاص والتنظيمات، بل تحتاج إلى دراسة السياقات السياسية والاجتماعية والفكرية التي أنتجتها.

ومع ذلك، يمثل الكتاب إضافة مهمة للكتابة الصحفية السودانية؛ لأنه يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة السياسية والتاريخ المعاصر لتنظيم القاعدة، ويعيد فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بدور السودان في التحولات الإقليمية والدولية خلال تسعينيات القرن الماضي. دون شك، تجربة القاعدة وقائدها في السودان كان لها تأثير هام على الصعيد الأفريقي والعربي والعالمي، نتيجة سيطرة الحركة الإسلامية على السلطة من زاوية، وموقع السودان الجيوسياسي في المنطقة من زاوية أخرى.

في المحصلة، فإن «الشاهد الأول ضد بن لادن» ليس مجرد قصة عن جمال الفضل، ولا مجرد حكاية عن القاعدة وأسامة بن لادن، بل هو محاولة لقراءة مرحلة مفصلية من تاريخ السودان والمنطقة من خلال مسار رجل وجد نفسه في قلب واحدة من أخطر التجارب السياسية والأمنية في العصر الحديث.

الخلاصة…

تبقى القيمة الأهم للكتاب في قدرته على جمع معلومات هامة حول نشأة تنظيم القاعدة في السودان ودوره من خلال مشاركة عضويته في حرب أفغانستان، والطريقة التي كان يتحرك فيها التنظيم ما بين باكستان وأفغانستان والسودان، ومنهم إلى الغرب فيما بعد. ثم استبان الكتاب إشارات عابرة عن صلة التنظيمات الجهادية بأمريكا، وتحديدًا في مرحلة قتال الروس في كابل، وفيما بعد بناء تنظيماتها في الغرب، وطريقة التجنيد وتنوعه والتدريب وجمع المال والمساحات التي كان يعمل فيها التنظيم للتدريب والتخطيط وتراكم الأموال وإدارة الشركات والاستفادة من زخم سلطة الحركة الإسلامية في السودان وتداخله مع الأجهزة الأمنية، ثم كيف نصبت له المخابرات الأمريكية الحيل وأوقعت بعض كوادره، والتي من خلال معلوماتها عملت على تصفية التنظيم وإضعافه.

.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى