مشروع الجزيرة.. أسراب “الطيور ” تبدد أحلام المزارعين

أفق جديد

لم يكن يفصل المزارعين في مشروع الجزيرة عن جني محصول الذرة سوى أيام قليلة، حين تحولت الحقول التي انتظروا موسمها بشق الأنفس إلى ساحة مفتوحة لأسراب الطيور. في مرحلة “اللبنة والشراية”، التي تسبق الحصاد، وبينما كانت السنابل تقترب من اكتمال نضجها، هاجمت أسراب الزرزور المحاصيل، تاركةً وراءها مساحات متضررة وخسائر تهدد حصيلة موسم زراعي كامل.

في تلك الحقول، لا تبدو الخسارة مجرد ذرة التهمتها الطيور، بل تعب شهور طويلة، وأموال أُنفقت على الزراعة ومدخلاتها، وآمال علقها المزارعون على محصول كان يُفترض أن يوفر لهم دخلًا يعينهم على مواجهة أعباء الحياة. ومع اتساع انتشار الآفة في عدد من أقسام وتفاتيش المشروع، تتزايد المخاوف من تراجع إنتاج الذرة إلى مستويات متدنية، بينما يقف المزارعون أمام خطر يهدد ما تبقى من محاصيلهم، في انتظار تدخل عاجل لاحتواء أسراب “الزرازير”.

حقول تحت الهجوم

يمتد مشروع الجزيرة الزراعي على مساحة تبلغ نحو 2.2 مليون فدان، بما يعادل قرابة 924 ألف هكتار، ويعد من أبرز مشروعات الزراعة المروية في السودان منذ تأسيسه عام 1925.

تعرض المشروع لاضطرابات واسعة عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة ود مدني ومناطق واسعة من ولاية الجزيرة في ديسمبر 2023، واستمرت السيطرة على المنطقة حتى استعاد الجيش السوداني مدينة ود مدني في يناير 2025.

وشهدت تلك الفترة تعطل عمليات زراعية وتضرر منشآت الري والمخازن والورش والمحالج، إلى جانب نزوح مزارعين وعمال زراعيين وعمليات نهب واسعة طالت مخازن المحاصيل.

خلال جولة ميدانية واسعة لـ”أفق جديد” في أقسام وتفاتيش مشروع الجزيرة، بدت آثار هجوم الطيور حاضرة في أحاديث المزارعين وشكاواهم. فقد رصدت الجولة انتشار أسراب الزرزور وحجم الأضرار التي لحقت بالمحاصيل، في وقت يقترب فيه الموسم من نهايته، وتضيق معه فرص إنقاذ الإنتاج.

في قسم 66 الهشابة، يروي المزارع أسعد عبد المنعم جانبًا من معاناته مع أسراب الطيور التي هاجمت محصوله الصيفي، رغم محاولاته المتكررة إبعادها بالوسائل البدائية. ويقول لـ”أفق جديد” إن المزارعين لجأوا إلى الطرق على الأواني المنزلية وإحداث الضوضاء لإخافة الطيور ومنعها من الاستقرار على الحقول، لكن هذه المحاولات لم تكن كافية لوقف الهجوم.

وتكشف هذه الوسائل عن حجم العجز الذي يواجهه المزارعون في التصدي للآفة، إذ يجدون أنفسهم مضطرين إلى حماية محاصيلهم بجهود فردية، في مواجهة أسراب تتكاثر وتتنقل بين الحقول، بينما تتطلب المكافحة تدخلًا منظمًا يتجاوز إمكانات المزارع الواحد.

وبالنسبة إلى أسعد، كما بالنسبة إلى غيره من مزارعي المشروع، فإن الخطر لا يتعلق بما فقدوه بالفعل فحسب، بل بما يمكن أن تلتهمه الطيور من محاصيل لا تزال قائمة، في وقت لم يعد فيه الموسم يحتمل مزيدًا من التأخير.

خارج دائرة الإنتاج

على امتداد ترعة الدار، في تفتيش ود هلال، تبدو الخسارة أكثر قسوة في تجربة المزارع أحمد سعيد، الذي يقول إن أسراب الطيور أتلفت محصول الذرة لديه بالكامل في مساحة تبلغ أربعة أفدنة.

لم يعد أحمد ينتظر حصادًا يعوض نفقات الزراعة، بل بات يبحث عن مخرج من خسارة الموسم. ويقول إنه خرج من دائرة الإنتاج، وإنه بصدد بيع ما تبقى من المحصول لأصحاب الحيوانات.

وبين قرار البيع وفقدان فرصة الحصاد، تتجسد المأساة التي يعيشها المزارع حين تتحول الأرض التي استثمر فيها ماله وجهده إلى مصدر للخسارة بدلًا من أن تكون مصدر رزقه. فالمحصول الذي كان ينتظر أن يجنيه ويبيعه بات، وفق إفادته، أقرب إلى محصول لا يمكن الاستفادة منه بالطريقة التي خطط لها.

ولا تتوقف آثار هذه الخسارة عند حدود الحقل؛ فالمزارع الذي يفقد إنتاجه يواجه أيضًا صعوبة في استرداد ما أنفقه على الموسم، فضلًا عن التزاماته المعيشية والزراعية، واحتمال عجزه عن توفير تكاليف دورة إنتاج جديدة.

وهكذا، لا تبدو الأفدنة الأربعة المتضررة مجرد مساحة صغيرة وسط مشروع زراعي واسع، بل مثالًا على ما قد يحدث حين تصل الآفة إلى المحصول في أكثر مراحله حساسية، قبيل أن يتحول إلى غلال في المخازن أو أموال في أيدي أصحابها.

 

الزرزور يهدد الذرة

من جانبه، يشارك المزارع عوض موسى زملاءه القلق إزاء الانتشار المتزايد لأسراب الزرزور، واصفًا الوضع بأنه مخيف، ومحذرًا من أن استمرار الهجمات يهدد بالقضاء على محصول الذرة في المساحات المتضررة.

ويناشد موسى الجهات المسؤولة الإسراع في التدخل لمكافحة الآفة، قبل أن تتسع الخسائر ويصبح إنقاذ ما تبقى من المحصول أكثر صعوبة.

وتعكس هذه المناشدات شعورًا متزايدًا بالقلق بين المزارعين الذين يرون أن الوقت المتاح للمكافحة يتناقص كلما اقترب موعد الحصاد. فالذرة في مرحلة “اللبنة والشراية” تكون قد قطعت شوطًا طويلًا من عمرها الزراعي، وأصبح المزارع أقرب إلى جني ثمار جهده، لكن هجوم الطيور يهدد بتبديد ذلك الجهد في أيام قليلة.

ومع اتساع نطاق الضرر الذي رصدته الجولة الميدانية، تتزايد الحاجة إلى تقييم حجم المساحات المتأثرة، وتحديد المناطق الأكثر تضررًا، والتحرك بصورة عاجلة ومنسقة بين الجهات المختصة والمزارعين، بما يساعد على الحد من الخسائر وحماية ما تبقى من الإنتاج.

 

ناقوس خطر ومطالب بالتدخل

وفي مواجهة اتساع الأضرار، دق رئيس مجلس التنظيم بالتفتيش، الأمين المهدي، ناقوس الخطر، مطالبًا جهات وقاية النباتات بالإسراع في مكافحة الآفة والحد من انتشار أسراب الطيور التي تهدد محصول الذرة.

وتضع هذه المطالب الجهات المختصة أمام مسؤولية التدخل في توقيت بالغ الحساسية، إذ إن التأخير قد يعني اتساع المساحات المتضررة وفقدان مزيد من الإنتاج قبل وصوله إلى مرحلة الحصاد.

ولا تقتصر أهمية التدخل على حماية المحاصيل القائمة، بل تمتد إلى تقليل الخسائر الاقتصادية التي يتحملها المزارعون، والحفاظ على قدرتهم على مواصلة النشاط الزراعي في المواسم المقبلة. فالمزارع الذي يخسر محصوله بالكامل لا يفقد عائده المتوقع وحده، وإنما قد يجد نفسه عاجزًا عن تمويل موسم جديد، ما يهدد باستمرار دائرة الخسارة وتراجع الإنتاج.

وفي المقابل، يحتاج المزارعون إلى تحرك يستند إلى تقدير ميداني دقيق لحجم الإصابة وانتشار الطيور، وتحديد التدابير المناسبة للمكافحة بالتنسيق مع المختصين، بدلًا من تركهم يواجهون الأسراب بوسائل فردية محدودة الفاعلية.

 

موسم يوشك أن يتحول إلى خسارة

في مشروع الجزيرة، حيث ترتبط حياة آلاف الأسر بما تنتجه الأرض، لا تأتي خسارة المحصول في مرحلة ما قبل الحصاد بوصفها حادثة عابرة. إنها ضربة تطال دورة حياة كاملة، تبدأ بتجهيز الأرض وزراعتها، وتمر بانتظار الأمطار ونمو السنابل، وتنتهي عادة بفرحة الحصاد الذي يعوّل عليه المزارع لتسديد ديونه وتوفير احتياجات أسرته والاستعداد للموسم التالي.

لكن أسراب الزرزور تهدد بقلب هذه المعادلة؛ فبدلًا من أن ينشغل المزارع بتجهيز أدوات الحصاد، بات يراقب السماء والحقول، ويطرق الأواني المنزلية أملًا في إبعاد الطيور، بينما تتراجع أمام عينيه فرص إنقاذ ما زرعه.

وبالنسبة إلى أحمد سعيد، الذي يقول إن أربعة أفدنة خرجت من حسابات الإنتاج، فإن الخسارة أصبحت واقعًا يفرض عليه التفكير في بيع المحصول لأصحاب الحيوانات. أما أسعد عبد الله وهاشم موسى، فينقلان صورة القلق الذي يخيم على المزارعين وهم يشاهدون أسراب الطيور تواصل الهجوم، في انتظار تدخل ق همد ينقذ ما تبقى من الموسم.

وإذا كانت السنابل قد أوشكت على النضج، فإن أحلام أصحابها باتت معلقة بسباق مع الزمن: إما أن تصل المكافحة في الوقت المناسب، أو أن تتحول شهور العمل والإنفاق والانتظار إلى موسم من الخسارة، يحمل المزارع تبعاته وحده. ففي حقول الجزيرة، لا تلتهم أسراب الزرزور حبوب الذرة فحسب؛ إنها تهدد أيضًا لقمة عيش أسر كاملة، وقدرتها على العودة إلى الأرض وزراعتها من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى