البرهان يكتب لترامب.. ما بعد الأبواب المغلقة

إبراهيم هباني
قبل أسابيع، لم يحصل عبد الفتاح البرهان على التأشيرة الأميركية التي تتيح له مخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة. واليوم يكتب إلى الرئيس دونالد ترامب معلنا التزامه بجهود السلام التي ترعاها واشنطن. بين الواقعتين، خطاب تحد في الخرطوم، ومأدبة غداء في العلمين، ورسائل متبادلة بشأن الحرب والشرعية. لذلك، فإن الإعلان الأخير يستحق قراءة تتجاوز عباراته الدبلوماسية.
في سبتمبر، نقلت رويترز أن واشنطن امتنعت عن منح قائد الجيش تأشيرة دخول، وربطت الخطوة بمعارضته مقترح هدنة إنسانية. كان ذلك مؤشرا إلى استعداد الإدارة الأميركية لاستخدام الضغط المباشر، حتى عندما يتعلق الأمر بمشاركة البرهان في اجتماعات الأمم المتحدة.
وجاء رده من استاد الخرطوم في السادس والعشرين من سبتمبر بلغة مختلفة تماما عن لغة رسالته الأخيرة. قال: «لا نريد تأشيرة لدولة ولا إذنا من أحد»، وشدد على رفض الضغوط والمساومة، وأكد مواصلة القتال والقضاء على المليشيا مهما كانت الكلفة. كان الخطاب موجها إلى الداخل، لكنه حمل ردا واضحا على واشنطن.
ثم جاءت محطة العلمين. أعلن مسعد بولس، كبير مستشاري ترامب للشؤون العربية والأفريقية، مشاركته في مأدبة غداء استضافها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بحضور البرهان. وجدد الحديث عن إنهاء الحرب، ووحدة السودان، والوصول إلى حكومة مدنية عبر حوار يقوده السودانيون. وفي المقابل، نقلت وسائل إعلام سودانية عن مصدر حكومي نفي عقد لقاء ثنائي خاص بين الرجلين. الثابت هو وجودهما في المناسبة نفسها؛ أما طبيعة النقاش بينهما، فلا يصح تحميلها أكثر مما أعلن.
لكن أهمية العلمين تتجاوز الجدل بشأن ترتيب المقاعد وطبيعة اللقاء. فقد أظهر الإعلان الأميركي أن باب التواصل ظل مفتوحا بعد أزمة التأشيرة، وأن واشنطن تواصل طرح تصورها للحل. وكان بولس قد أوضح أن اتصالاته بالبرهان ومسؤولين سودانيين لا تعني اعترافا رسميا بالحكومة، وإنما تأتي في سياق البحث عن تسوية وإيصال المساعدات. أي إن التواصل، في الحساب الأميركي المعلن، لا يمنح وحده شهادة شرعية.
وفي الخامس عشر من أكتوبر، أعلن البرهان أنه كتب إلى ترامب مؤكدا الالتزام بجهود السلام الأميركية والاستعداد للعمل مع جميع الأطراف. هذا تطور في اللغة السياسية المعلنة، ومن المشروع الترحيب به والسؤال عما سيترتب عليه. لكن الإعلان المنشور عن الرسالة لا يكشف، بمفرده، تفاصيل الالتزامات التي قدمها أو الشروط التي أبقاها.
هنا تكمن المسألة: هل تغير تقدير البرهان لإمكان إنهاء الحرب بالتفاوض؟ أم أنه يحاول إعادة فتح الأبواب الأميركية مع الاحتفاظ بالموقف نفسه من شروط التسوية؟ لا تكفي المعلومات المتاحة للجزم. ما يستطيع حسم السؤال هو سلوكه في الجولة المقبلة، عندما تعرض عليه مواعيد والتزامات وآليات رقابة.
لا عيب في مراجعة المواقف. بل إن مراجعة توقف نزيف السودان تستحق الدعم، حتى لو جاءت متأخرة أو تحت الضغط. وليس من مصلحة دعاة السلام إحراج البرهان لأنه انتقل من خطاب التحدي إلى إعلان الاستعداد. المصلحة في تثبيت هذا الانتقال، ومنع العودة عنه عند أول اعتراض من حلفائه.
غير أن الانتقال يحتاج إلى شرح للداخل أيضا. فمن سمعوا أن القتال سيستمر مهما كانت الكلفة، يحتاجون إلى سماع أسباب قبول التفاوض وفوائده. والقائد الذي يحشد جمهوره للحرب مسؤول عن تهيئته للسلام. وإلا بقيت كل خطوة تفاوضية عرضة لاتهامات الخيانة، وصار الخطاب السابق قيدا على القرار اللاحق.
كما يحتاج البرهان إلى إثبات قدرته على إلزام القوى المقاتلة معه. فالتعهد الذي يقدمه إلى ترامب ينبغي أن يتحول إلى أوامر تنفذ، وممرات تفتح، وترتيبات تحترم. وتلك مهمة أصعب من كسب جولة إعلامية أو تحسين العلاقة مع وسيط.
أما واشنطن، فعليها أن تختبر الاستعداد المعلن بخطوات محددة. لقد استخدمت الضغط، وأبقت التواصل، وتلقت الآن رسالة إيجابية. المرحلة التالية هي معرفة ما الذي يمكن تنفيذه، وفي أي موعد، وبأي ضمانات. فالسودان لا يحتمل أن تتحول المراسلات إلى موسم آخر من الانتظار.
رسالة البرهان فرصة تستحق المتابعة، وليست إنجازا مكتملا. وقيمتها ستظهر عندما تتصل الكلمات بحياة الناس: حين يصل الغذاء، ويتراجع الخوف، ويصبح الرجوع إلى البيت ممكنا.
لقد تعذر على البرهان الوصول إلى نيويورك، ووصلت رسالته إلى ترامب. ويبقى أن يفتح طريق العودة للسودانيين الذين تشردوا في عهده.





