«الجنيه» في دوامة التراجع والأعباء المعيشية للسودانيين تتضاعف

عبدالهادي الحاج
تتزايد الضغوط على الجنيه السوداني في ظل استمرار الحرب وتراجع النشاط الإنتاجي والصادرات وشح موارد النقد الأجنبي، وسط اختلالات اقتصادية تعمّق أزمة سوق الصرف وتحدّ من فرص استقرار العملة المحلية.
ولا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على الأسواق والمعاملات التجارية، بل تمتد إلى الأوضاع المعيشية للمواطنين، مع ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود والنقل والخدمات الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
وبين اتساع الفجوة بين أسعار الصرف المصرفية والموازية وتزايد الطلب على العملات الأجنبية، تتصاعد التساؤلات بشأن أسباب استمرار تراجع الجنيه وفاعلية السياسات المتبعة لمعالجة الأزمة.
سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه السوداني سجّل ارتفاعاً جديداً في السوق الموازي، مقترباً من مستوى 9500 جنيه، في تراجع حاد للعملة المحلية التي فقدت نحو 93% من قيمتها مقابل الدولار منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حين كان يُتداول بنحو 600 جنيه.
وبحسب متابعات «أفق جديد»، تجاوزت تعاملات السوق خلال الأسبوع الماضي نطاق 9200 إلى 9500 جنيه للدولار، وسط تذبذب في أسعار الشراء والبيع وتفاوت العروض بين التجار.
وارتفع متوسط سعر الشراء من 8800 جنيه إلى 9100 جنيه، خلال يوم واحد، بزيادة بلغت نحو 3.41%، فيما سجل متوسط سعر البيع زيادة بنحو 3.33%، بعد عودة الدولار إلى مستوى 9000 جنيه الثلاثاء ومواصلة صعوده لاحقاً.
وتعكس هذه التطورات استمرار الضغوط على الجنيه السوداني، في ظل اتساع نطاق تداول الأسعار وتباينها بين المتعاملين في السوق الموازي.
يأتي ذلك في ظل اتساع الفجوة بين أسعار صرف الدولار المعلنة في المصارف السودانية وسعره في السوق الموازي، إذ بلغ أعلى سعر بيع معلن بين البنوك 6448 جنيهاً، بفارق يبلغ 2852 جنيهاً عن سعر السوق الموازي، أي ما يعادل نحو 44.2% من السعر المصرفي الأعلى.
وبحسب قوائم أسعار الصرف المعلنة، تصدّر بنك النيل المصارف من حيث سعر بيع الدولار، مسجلاً 6448 جنيهاً، بينما سجّل البنك السعودي السوداني أدنى سعر بيع عند 2035.15 جنيهاً، بفارق بلغ 4412.85 جنيهاً بين المصرفين، وهو ما يبرز التباين الواسع في الأسعار المعلنة داخل الجهاز المصرفي نفسه.
وفي شريحة الأسعار الأعلى، حدد بنك المال المتحد سعر بيع الدولار عند 5550.07 جنيهاً، مقابل 5508.75 جنيهاً للشراء، فيما بلغ سعر البيع في بنك السودان الفرنسي 5541.25 جنيهاً، مقابل 5500 جنيه للشراء.
وفي محاولة لتقليص الفجوة بين أسعار الصرف في المصارف وسعر السوق الموازي، أصدر بنك السودان المركزي أواخر أغسطس الماضي، منشوراً منح بموجبه المصارف مرونة أوسع في تعديل أسعار الصرف المعلنة وشراء حصائل الصادرات وفقاً لحركة العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي، وقال البنك إن الخطوة تأتي في إطار مواصلة سياسة تحرير سعر الصرف.
زيادة الطلب ومحدودية العرض
قال متعامل في سوق العملات بالخرطوم لـ«أفق جديد» إن استمرار انخفاض قيمة الجنيه السوداني يظل احتمالاً قائماً ما دامت العوامل التي تضغط على سوق الصرف مستمرة، مشيراً إلى أن زيادة الطلب على الدولار لتغطية احتياجات الاستيراد، مقابل محدودية المعروض من النقد الأجنبي، تسهم في دفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
وأضاف أن استمرار الحرب وتراجع النشاط الإنتاجي والصادرات، إلى جانب ضعف تدفقات العملات الأجنبية عبر القنوات المصرفية الرسمية، تزيد من صعوبة استقرار سعر الصرف.
وأوضح أن اتجاه السوق خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطاً بحجم المعروض من الدولار، ومستوى الطلب عليه، وأي تطورات اقتصادية أو أمنية قد تؤثر على حركة التجارة والتحويلات.
من جانبه، أشار متعامل آخر في سوق العملات بمدينة بورتسودان لـ«أفق جديد» إلى أن تراجع الجنيه لا يرتبط بالمضاربات وحدها، بل يتأثر أيضاً باختلالات أوسع في الاقتصاد، من بينها تراجع الإيرادات العامة، وتذبذب عائدات الصادرات، والطلب المتزايد على العملات الأجنبية.
ورأى أن استمرار الضغوط على العملة المحلية يظل وارداً في حال عدم تحسن تدفقات النقد الأجنبي وزيادة المعروض منه، لكنه لفت إلى أن التنبؤ بمسار الأسعار يظل صعباً في ظل التقلبات الحادة وتغير مستويات الطلب والعرض.
وأضاف أن استعادة الاستقرار تتطلب إجراءات تعزز الإنتاج والصادرات، وتدعم الثقة في الجهاز المصرفي، وتحد من اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي.
اختلالات هيكلية
يؤكد الباحث الاقتصادي بدر الدين عبد الرحيم، على أن تراجع قيمة الجنيه السوداني يرتبط بمجموعة من الاختلالات الهيكلية التي تفاقمت بفعل الحرب، في مقدمتها تراجع الإنتاج والصادرات، وشح النقد الأجنبي، وارتفاع الطلب على الدولار لتمويل الواردات، إلى جانب انخفاض الإيرادات العامة وتراجع الثقة في النظام المصرفي.
وأوضح عبد الرحيم لـ«أفق جديد» أن استمرار الحرب أدى إلى تعطيل قطاعات إنتاجية وتجارية واسعة، وأضعف قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استيراد السلع الأساسية والوقود.
وأضاف أن عدم تدفق حصائل الصادرات، خصوصاً الذهب، عبر القنوات الرسمية يحدّ من الموارد المتاحة لتلبية الطلب على النقد الأجنبي، ويزيد الضغوط على سعر الصرف.
وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن معالجة تدهور الجنيه تتطلب حزمة من التدابير المتكاملة، تشمل زيادة الإنتاج والصادرات، وتحسين إدارة حصائلها، وتعزيز تدفق التحويلات عبر الجهاز المصرفي، إلى جانب ضبط الإنفاق العام والحد من التمويل التضخمي.
وشدد على أهمية إصلاح سوق النقد الأجنبي وتقليص الفجوة بين الأسعار المصرفية والسوق الموازي من خلال آليات أكثر شفافية وفاعلية، مؤكداً أن الإجراءات الإدارية والنقدية وحدها لن تكون كافية لتحقيق استقرار مستدام للعملة المحلية ما لم تُعالج الأسباب الأساسية للأزمة، وفي مقدمتها تداعيات الحرب وتعطل النشاط الاقتصادي وتراجع الإيرادات.
واعتبر عبد الرحيم أن استعادة الاستقرار وتهيئة الظروف لعودة الإنتاج والتجارة تمثلان شرطين أساسيين لتحسين موارد النقد الأجنبي والحد من استمرار تراجع الجنيه.
تمويل واردات الوقود
بحسب مراقبون، يُعدّ الطلب على النقد الأجنبي لتمويل واردات الوقود أحد العوامل التي تزيد الضغوط على الجنيه السوداني، في ظل محدودية موارد البلاد من العملات الصعبة وارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين.
وفي هذا السياق، تكتسب القرارات الحكومية المتعلقة بتحرير أسعار المشتقات البترولية وتعديل سعر الصرف المخصص لتمويل وارداتها أهمية خاصة، إذ كشفت تقارير إخبارية عن دراسة فنية تتضمن التخلي التدريجي عن آليات الدعم الحالية، من دون إعلان رسمي حتى الآن عن اعتماد هذه المقترحات، عدا قرار وزارة الطاقة تنظيم استيراد المشتقات البترولية الذي صدر الأسبوع الماضي.
ويثير هذا التوجه تساؤلات بشأن حجم الطلب على الدولار الذي يفرضه استيراد الوقود، ومدى تأثير آلية تمويل الواردات على سوق الصرف، فضلاً عن انعكاسات أي تعديل محتمل على أسعار البنزين والجازولين وتكاليف المعيشة، في وقت يواجه فيه الجنيه السوداني تراجعاً متواصلاً أمام العملات الأجنبية.
وفي هذا الصدد يذهب الخبير الاقتصادي أبو عبيدة أحمد سعيد، إلى أن تخصيص النقد الأجنبي لاستيراد الوقود بسعر تفضيلي من بنك السودان المركزي يستدعي إخضاع هذه السياسة لتقييم واضح يحدد العائد الاقتصادي الذي تحققه، ومدى انعكاسها على توفر المشتقات البترولية واستقرار أسعارها في السوق المحلية، مقارنة بالموارد التي تُوجَّه لتمويلها.
وأوضح سعيد – في مقال تعليقاً على قرار وزارة الطاقة تنظيم استيراد المشتقات البترولية – أن حصول الشركات المستوردة للوقود على الدولار بسعر تفضيلي يمثل استخداماً لموارد النقد الأجنبي وفق آلية دعم محددة، الأمر الذي يتطلب إتاحة معلومات واضحة للمواطنين بشأن النتائج التي حققتها هذه السياسة، ومدى إسهامها في ضمان انسياب الإمدادات وتخفيف أعباء الوقود عن المستهلكين.
تعدد العوامل المؤثرة
وحول تخصيص الدولار لتمويل واردات الوقود، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن ذلك لم يمنع تدهور قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، لكنه شدد على أن هذه النتيجة لا تعني تحميل سياسة استيراد الوقود وحدها مسؤولية تراجع العملة الوطنية، بالنظر إلى تعدد العوامل المؤثرة في سعر الصرف، وفي مقدمتها حجم الصادرات، وتدفقات النقد الأجنبي، والطلب على الواردات.
وأضاف أن تقييم هذه السياسة ينبغي ألا يقتصر على حجم العملات الأجنبية التي يخصصها البنك المركزي لتمويل استيراد الوقود، بل يجب أن يشمل أيضاً ما تحققه هذه المخصصات من نتائج ملموسة، سواء من حيث توفر المشتقات البترولية أو استقرار أسعارها أو الحد من الضغوط التي يتعرض لها المستهلكون.
وأكد سعيد أن جوهر المسألة يتمثل في معرفة ما إذا كانت الموارد المحدودة من النقد الأجنبي تحقق عائداً اقتصادياً يتناسب مع حجمها، مشيراً إلى أهمية إخضاع آليات تخصيص الدولار للمراجعة والتقييم المستمرين، بما يساعد على قياس فاعليتها وتحديد مدى تحقيقها للأهداف المعلنة.
ولفت إلى أن تدهور الجنيه السوداني يرتبط باختلالات أوسع في موارد النقد الأجنبي واستخداماته، وهو ما يجعل معالجة أزمة سعر الصرف بحاجة إلى النظر في مجمل مصادر العملات الصعبة، وفي مقدمتها الصادرات، إلى جانب الطلب على الواردات والسياسات المنظمة لتخصيص النقد الأجنبي.
وشدد الخبير الاقتصادي على أن وضوح معايير تخصيص الدولار وشفافية النتائج المتحققة من استخدامه يمثلان عنصرين أساسيين في تقييم السياسات الاقتصادية، خصوصاً في ظل محدودية الموارد الخارجية وتزايد الضغوط على سعر الصرف.
وأن من شأن إتاحة بيانات دقيقة بشأن تكلفة تمويل واردات الوقود والعائد المتحقق منها أن تساعد في تحديد مدى كفاءة هذه الآلية، وتوفر أساساً موضوعياً لاتخاذ القرارات المتعلقة باستمرارها أو تعديلها.
تزايد الضغوط المعيشية
وفي ظل استمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني، تتزايد الضغوط على الأوضاع المعيشية للسودانيين، مع ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والمواصلات والأدوية والخدمات الأساسية، وتآكل القدرة الشرائية للأسر التي لم تعد دخولها كافية لمواكبة تكاليف الحياة.
وتكشف بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة عن حجم هذه الضغوط، إذ ارتفعت أسعار الذرة الرفيعة والدخن في عدد من الأسواق خلال سبتمبر الماضي، بنسب تراوحت بين 13% و89% بحسب السلعة والسوق، فيما زادت أسعار دقيق القمح بين 26% و64% مقارنة بالشهر السابق.
ووفقاً لبرنامج الأغذية العالمي، ارتفع متوسط تكلفة سلة الغذاء المحلية في أغسطس بنسبة 13% على أساس شهري، وبنسبة 94% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وعلى المستوى المحلي، تضاعف سعر جوال الدخن من 300 ألف إلى 600 ألف جنيه خلال شهر أكتوبر الحالي.
وتعكس هذه الأرقام اتساع الضغوط التي تواجه الأسر في توفير احتياجاتها الأساسية، بفعل تداخل تراجع العملة مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود واضطراب الإمدادات وتفاوت الأوضاع بين الأسواق.
ومع استمرار الحرب وتراجع مصادر الدخل، تجد الأسر محدودة الموارد والنازحون أنفسهم أمام خيارات أكثر صعوبة، بين تقليص استهلاك الغذاء والاستدانة والتخلي عن بعض النفقات الضرورية، لتتجاوز أزمة سعر الصرف أسواق العملات وتتحول إلى عبء يومي يهدد الأمن الغذائي ويعمّق هشاشة المعيشة في السودان.





