غلاء يتصاعد..و”العيش بالقبضة”

مغيرة حربية
في خضم المعاناة الفادحة وصعوبة العيش، جراء الحرب وتداعياتها المدمرة، ومع التذبذب الشديد في معدلات أمطار خريف هذا العام وانحباس المطر في مناطق الإنتاج الزراعي التقليدي وحصادٍ متدنٍ في كثير من المشروعات الزراعية المروية، مما ينذر بشبح مجاعة؛ تواصل أسعار الغلال ارتفاعاً متزايداً، مقروناً مع تحطيم قيمة الجنيه السوداني، وضعف القدرة الشرائية لدى قطاعاتٍ واسعةٍ من المواطنين والأسر السودانية الذين يعانون انخفاضاً مريعاً في الدخول والبطالة واتساع العوز؛ فخلال أقل من أسبوع، تغيَّرت أسعار ربع الدقيق المطحون، ويعادل حوالي 7 كيلو، من 40 ألف جنيه إلى 48 ليصل إلى 56 للذرة والقمح. والخميس، 15 أكتوبر 2026، أغلق سوق المحاصيل بولاية القضارف التعاملات على تجاوز أردب الذرة “الفتريتة” حاجز المليون و250 ألفاً. وأصدرت حكومة ولاية الجزيرة، في ظل الارتفاع الكبير لأسعار الحبوب الغذائية في البلاد وانطلاق موسم حصاد الذرة في الجزيرة، قراراتٍ بحظر خروج القمح من الولاية، ونُص القرار على وضع ضوابط لحركة الذرة بأنواعها المختلفة.
همشكوريب.. انعدام الذرة
“لم يعد الأمر مجرد ارتفاع في الأسعار أو شح في السلع، بل تحول إلى انعدام كامل للغذاء”. بهذه العبارة القاسية لخصت غرفة طوارئ شباب همشكوريب المشهد الحالي في المحلية الحدودية التابعة لولاية كسلا، شرقي السودان. ففي بيان تحذيري صادر الاثنين 13 أكتوبر، أكدت الغرفة أن أسواق المحلية خلت تماماً من محصول الذرة، الغذاء الأساسي الذي تعتمد عليه آلاف الأسر في المدينة والقرى التابعة لها، وذلك بناء على تأكيد رسمي من مكتب الأمن الغذائي بهمشكوريب التابع لوزارة الزراعة. ويكشف البيان عن جانب إنساني مؤلم، حيث توافد مواطنون من القرى الريفية البعيدة إلى مدينة همشكوريب، التي تعد مركز التسوق الرئيسي لهم، حاملين أمل الحصول على جوالات ذرة لإنقاذ أسرهم، ليصطدموا بأسواق خاوية على عروشها. “جاءوا لشراء الذرة والعودة بها، لكنهم باتوا عاجزين عن توفير الطعام لأطفالهم”، يقول البيان.
وتحمل الغرفة القيود المفروضة على حركة التجارة مسؤولية تفاقم الأزمة. فبحسب البيان، فإن نظام تصاديق المرور المفروض على التجار لنقل الذرة من المدن والولايات الأخرى، ومحدودية التصاديق الممنوحة، أدى إلى شلل شبه تام في سلاسل الإمداد. وتتساءل الغرفة: “كيف يُترك المواطن بلا غذاء، بينما تتعطل حركة الإمداد بسبب محدودية تصاديق المرور؟”
ووجهت غرفة الطوارئ نداء عاجلاً إلى لجنة أمن ولاية كسلا والسلطات المختصة، طالبت فيه بثلاثة إجراءات فورية: إصدار تصاديق مرور استثنائية وكافية وفورية للتجار الراغبين في جلب الذرة، وتدخلاً عاجلاً لتوفير كميات من الذرة والمواد الغذائية الأساسية بالتنسيق مع الجهات الإنسانية، وإجراء تقييم عاجل وشامل للاحتياجات الغذائية لسكان المدينة والقرى الطرفية.
وتعد محلية همشكوريب من أكثر المناطق هشاشة غذائياً في شرق السودان، حيث يعتمد سكانها بشكل شبه كامل على الذرة، في وقت تتعطل فيه سلاسل الإمداد في أنحاء البلاد جراء تداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وارتفاع تكاليف النقل وانعدام السيولة.
“الطرقة” بألف ونصف
تخبر الحاجة مريم، وتعمل بائعة للكسرة بشارع الوادي في أمدرمان، إن مبيعها من الكسرة الجاهزة تقلَّص لأكثر من النصف إثر إحجام كثيرين من زبائنها عن الشراء جراء ارتفاع الأسعار. “أنا لي 15 سنة ببيع الكسرة في السوق، عمري ما شفت الغلا ده”، تقول مريم في حديث لـ”أفق جديد”. وتضيف أن الغلاء لا يقتصر على ارتفاع أسعار الذرة فقط، بل يتعداه للوقود، قائلة: “الحطب غالٍ جداً والغاز معدوم لأكثر من شهر والكهربا فيها برمجة قاسية شديد والطرقة الكُنا نبيعها بي 800 جنيه بقت بألف ونص”.
وتعول مريم، علاوة على أسرتها التي تتكون من 7 أفراد، 3 أيتام آخرين في سن المدرسة، مما يشكل ضغطاً متزايداً، سيما أن العام الدراسي على الأبواب: “المدارس حتفتح والرغيف أصبح قطعتين بألف جنيه، لو ما عُست ما بناكل، ومرات بنرجع الكسرة البايرة نأكلها نحن في البيت”، تقول.
مستويات قياسية
وسجلت أسواق المحاصيل ارتفاعاً للأسعار بلغت مستويات قياسية، وبلغ سعر جوال الذرة في “سوق المعيلق” بولاية الجزيرة نحو 600000 ألف جنيهاً، وتجاوز سعر “كيلة العيش” حاجز 100000 جنيهاً، في ولاية النيل الأببض، بينما سجلت غرب كردفان كارثة معيشية بحسب غرفة طوارئ دار حمر (11 أكتوبر)، حيث ارتفع جوال الذرة من 400 ألف جنيه لـ1200000 جنيهاً (مليار و200 ألف)، وسجل جوال الدخن في حمرة الشيخ 750 ألفاً. وقالت منظمة الفاو إن أسعار الذرة والدخن في السودان بلغت 7 أضعاف قبل اندلاع الحرب.
ويذهب منتصر عامر، وهو صاحب طاحونة بمنطقة كرري في أمدرمان، إلى أن تهاوي الجنيه أمام العملات الأخرى وتأخر عمليات الحصاد في مناطق الإنتاج وارتفاع تكلفة الترحيل، علاوة على قرارات منع نقل المحاصيل بين الولايات، يتسبب مباشرة في أرتفاع أسعار المحاصيل لمستويات قياسية. ويضيف في حديث لـ”أفق جديد”: “في الواقع نحن نخسر، رأسمالنا يتقلّص، فما كان يشترى أردباً أصبح يشترى جوالاً واحداً فقط”. ويشكو منتصر من برمجة قاسية للكهرباء، حيث تتوقف “الطاحونة” لأكثر 12 ساعة خلال اليوم ومن ارتفاع سعر قطع الغيار، ويقول: “ليست “الكسرة” ترفاً يلجأ لها الناس إبان ارتفاع الخبز، ولكنها الطعام الرئيسي لأغلب السودانيين الذين أصبحوا عاجزين عن توفيرها، ولولا أن يتدارك الله هذه البلاد فإن المجاعة مقبلة ولا شك.





