أركو مناوي بين خطاب الوطن وتحالف الحرب من زعامة الهامش إلى مشروع الدولة

حاتم أيوب أبو الحسن
حاتم أيوب أبو الحس
بلا قناع

حاتم أيوب أبوالحسن

لم يعد الدور الذي يلعبه مني أركو مناوي في المشهد السوداني قابلاً للقراءة من زاوية تحالفه العسكري وحده، ولا من خلال تصريحاته السياسية المنفصلة عن سياقها. فالرجل يتحرك في مساحة تتقاطع فيها قضية الهامش مع صراع السلطة، وتختلط فيها حسابات الحرب باستحقاقات السلام، بينما يحاول توسيع موقعه من قائد حركة مسلحة وحاكم لإقليم دارفور إلى فاعل سياسي يتحدث بلغة الوطن ومستقبله.

تكمن أهمية هذا التحول في أن السودان لم يعد يواجه أزمة سلطة تقليدية يمكن احتواؤها بتسوية بين القوى المتنافسة، بل أزمة دولة تتصل بطبيعة الحكم، واحتكار القوة، وتوزيع الثروة، وعلاقة المركز بالأقاليم. ومن هذه الزاوية، فإن خطاب مناوي حول وحدة السودان، ورفض إنشاء المليشيات، وضرورة قيام جيش وطني واحد، والحوار الشامل بعيداً عن الإقصاء، يلامس أسئلة حقيقية تتجاوز حدود تحالفاته الراهنة. لكن قيمة هذا الخطاب لا تتحدد بما يقوله وحده، وإنما بقدرته على التحول إلى مشروع سياسي يلتزم به في مواجهة الحلفاء والخصوم على السواء.

هنا تظهر المعضلة الأساسية في موقع مناوي. فهو يتحالف عسكرياً مع القوات المسلحة في حرب لا تزال تثير انقساماً واسعاً حول أسبابها ومآلاتها، بينما يسعى في الوقت نفسه إلى تقديم نفسه باعتباره جزءاً من مشروع وطني جامع. وفي حين يرى مؤيدوه أن موقفه ينطلق من ضرورة الحفاظ على وحدة السودان ومواجهة قيام سلطة مسلحة موازية للدولة، يتحفظ آخرون على هذا التحالف خشية أن يؤدي إلى إعادة إنتاج مركزية السلطة والحكم العسكري، أو أن تتحول نهاية الحرب إلى إعادة توزيع للمواقع والنفوذ بين القوى التي شاركت فيها.

ليس هذا التباين تناقضاً حتمياً، فالحروب تفرض تحالفات قد لا تستمر بالضرورة بعد انتهائها. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتحول التحالفات من وسيلة لمواجهة خطر آني إلى إطار يحدد مستقبل الدولة. فإذا كان مناوي يرفض تعدد الجيوش والمليشيات، فإن موقفه يقتضي أن يشمل كل التشكيلات المسلحة، وأن يقود إلى ترتيبات أمنية تنهي تعدد مراكز القوة، لا أن يقتصر على رفض تشكيلات دون أخرى. وإذا كان يدافع عن سيادة الدولة، فإن ذلك يستدعي الدفاع عن مؤسسات وطنية مهنية خاضعة للقانون، لا عن موازين القوة التي قد تفرضها ظروف الحرب.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن مناوي يحاول توسيع قاعدته السياسية خارج حدود دارفور، مستفيداً من حضوره الإقليمي والدولي ومن قدرته على التواصل مع أطراف متعددة. وهو يدرك، على ما يبدو، أن موقعه في السودان بعد الحرب لن يتحدد فقط بما يمتلكه من قوة أو بما يحتفظ به من تحالفات، بل أيضاً بقدرته على المشاركة في صياغة التسوية السياسية المقبلة. غير أن الحضور الخارجي، مهما اتسع، لا يمنح صاحبه تلقائياً تفويضاً وطنياً؛ فهذا التفويض يتشكل من الداخل، عبر مشروع واضح يستجيب لتطلعات المواطنين، ويعترف بتنوعهم، ويقدم ضمانات عملية لإنهاء التهميش والاستئثار بالسلطة.

ولعل أبرز ما يواجه مناوي أن قضية الهامش التي انطلقت منها حركته لم تعد قضية إقليم واحد، بل أصبحت سؤالاً وطنياً يتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها. فقد كشفت الحروب المتعاقبة أن اختلال العلاقة بين المركز والأقاليم، وغياب العدالة في توزيع الموارد والسلطة، لا يمكن علاجهما بمجرد إدخال قادة الحركات المسلحة إلى مؤسسات الحكم، أو منح الأقاليم حصصاً في السلطة عبر اتفاقات مؤقتة. فالتسوية الحقيقية تقتضي الانتقال من المحاصصة إلى المواطنة، ومن تمثيل الجماعات المسلحة إلى تمثيل المواطنين، ومن إدارة التنوع باعتباره تهديداً إلى الاعتراف به أساساً لبناء الدولة.

ومن هنا، فإن انتقال مناوي من زعامة الهامش إلى مشروع وطني لا يتحقق بمجرد توسيع خطابه أو تنويع اتصالاته السياسية، بل بقدرته على تقديم إجابات واضحة عن شكل الحكم بعد الحرب، وموقع المدنيين في السلطة، ومستقبل الحركات المسلحة، وضمانات العدالة والمساءلة، وكيفية إعادة توزيع الثروة والسلطة بين الأقاليم. كما يتطلب ذلك استعداداً لقبول التعدد السياسي والاجتماعي، حتى عندما يختلف أصحاب هذا التعدد مع خياراته وتحالفاته.

إن السودان المقبل لن يستقر بمجرد انتصار طرف عسكري أو التوصل إلى اتفاق يوقف القتال، إذا ظلت الأسباب التي أنتجت الحرب قائمة. فالدولة التي تحتاج إلى السلاح لضمان توازن مكوناتها ستظل معرضة لجولة جديدة من الصراع، بينما الدولة التي تستند إلى المواطنة والقانون والمؤسسات تستطيع تحويل التنافس السياسي من مواجهة مسلحة إلى صراع سلمي على البرامج والشرعية الشعبية.

لذلك، فإن مستقبل مناوي يتوقف على قدرته على حسم العلاقة بين تحالفه الراهن ومشروعه الوطني المعلن. فإذا استطاع الحفاظ على استقلالية موقفه، وربط نهاية الحرب بإصلاح مؤسسات الدولة، ورفض الامتيازات الدائمة للقوى المسلحة، فقد يصبح أحد الفاعلين في تأسيس تسوية وطنية أوسع. أما إذا ظل خطابه يتقدم على ممارسته، وبقي مشروعه محكوماً بتوازنات التحالفات القائمة، فقد يجد نفسه أمام فجوة متزايدة بين طموحه في تمثيل الوطن والحدود التي تفرضها عليه حسابات القوة.

فالزعامة الوطنية لا تُقاس بمدى القدرة على الحديث باسم السودان، بل بالاستعداد لقبول قواعد مشتركة تحكم الجميع، بمن فيهم الحلفاء. ولا تُختبر في لحظات الاتفاق، بل عندما تتعارض المبادئ المعلنة مع المصالح السياسية والعسكرية.

في النهاية، ليست المسألة ما إذا كان مناوي يريد أن يكون زعيماً وطنياً، وإنما ما إذا كان مستعداً لتحويل هذا الطموح إلى مشروع دولة لا تمنح الأفضلية لمن حمل السلاح، ولا تعيد إنتاج التهميش تحت مسميات جديدة، ولا تجعل مستقبل السودان رهينة لتحالفات الحرب. فالسودان الذي يتسع للجميع لن يُبنى بإضافة قوة جديدة إلى موازين القوة القديمة، بل بتغيير القواعد التي جعلت السلطة والثروة والاعتراف حقوقاً متنازعاً عليها، بدلاً من أن تكون حقوقاً متساوية لكل مواطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى