النخب وإفشال الدولة السودانية .. قراءة في جذور الأزمة ومسارات الإصلاح

 عادل يعقوب أحمدنور

منذ تأسيسها، ظلت الدولة السودانية تعاني من اختلالات بنيوية عميقة، تتجلى في مركزية القرار، وهيمنة أنماط القهر المجتمعي، واللجوء إلى العنف كوسيلة لإخضاع المختلف. هذه الإشكالات ليست طارئة، بل متجذرة في الوعي الجمعي، حيث تمتد جذورها إلى بنية الأسرة الممتدة، وسيطرة كبير العائلة على القرارات المصيرية، بما يجعل الخروج عن هذا النسق ضربًا من التمرد الذي يُواجه غالبًا بالعزل والإقصاء.

في هذا السياق، ترسّخ لدى قطاعات واسعة من المجتمع اعتقاد بأن القوة العسكرية تمتلك حق الوصاية على الدولة والمجتمع، وهو تصور عزّزته ممارسات وخطابات متكررة من قيادات عسكرية عبر التاريخ. ولم تكن النخب السياسية بمنأى عن ذلك، إذ ساهمت—في كثير من الأحيان—في تكريس هذا الواقع، عبر تحالفات مرحلية تخدم مصالحها الضيقة، وتحافظ على مكتسباتها التاريخية.

نتيجة لذلك، أصبح كل من ينادي بمدنية الدولة أو الديمقراطية أو حتى الحقوق الأساسية للمواطن، عرضة للتشكيك والتخوين، حيث يُدفع به إلى خانة “العمالة” أو “الانفصال عن القيم المجتمعية”، في محاولة لإفراغ هذه المطالب من مشروعيتها، واستغلال هشاشة الوعي العام لإدامة السيطرة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين تكمن المعضلة الحقيقية؟

للإجابة، لا بد من النظر إلى مؤسسات الدولة بوصفها “خط إنتاج”. فإذا كانت هذه المؤسسات تنتج الفشل بصورة متكررة، فالمشكلة ليست في النتائج وحدها، بل في بنية هذه المؤسسات نفسها. إذ من غير المنطقي الاستمرار في نفس الآليات، مع توقع نتائج مختلفة.

إن المدخل الحقيقي للإصلاح يبدأ بإعادة النظر في الموروثات الثقافية والاجتماعية التي تشرعن هذا الفشل، والعمل على ترسيخ قيم بديلة تقوم على التسامح، واحترام الآخر، وتعزيز روح التعاون، والانتماء للهم العام.

ويأتي التعليم في صدارة أدوات الإصلاح. وهنا ينبغي التمييز بين “التعليم” بوصفه نظامًا رسميًا تديره الدولة، و“المعرفة” بوصفها فضاءً أوسع لتشكيل الوعي. فالتعليم يجب أن يُبنى على أسس واضحة تراعي أولويات الدولة، مع التركيز على التخصص وجودة المخرجات. أما المعرفة، فهي تتشكل عبر مصادر متعددة، مثل الإعلام، والمسرح، والسينما، والأنشطة الثقافية، وهي المجال الحقيقي لبناء عقل نقدي حر.

غير أن هذه المنظومة لا تكتمل دون إعلام مستقل. فالإعلام، بدلاً من أن يكون سلطة رقابية، تحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة لإعادة إنتاج الخطاب الرسمي، مما ساهم في تغييب الوعي، وإضعاف دور الرأي العام في المحاسبة. إن إعلامًا بلا استقلال، هو شريك مباشر في إدامة الأزمة.

أما على مستوى النخب، فتبرز أزمة مزدوجة: فشل في قيادة التغيير، وعجز عن مراجعة هذا الفشل. إذ ظلت قطاعات من النخب أسيرة لانتماءاتها الضيقة، ما أفقدها ثقة الشارع، وجعلها جزءًا من الأزمة بدل أن تكون أداة لحلها.

إلى جانب ذلك، يعاني السودان من غياب مشروع وطني جامع، قادر على استيعاب تنوعه الثقافي والعرقي، وتحويله إلى مصدر قوة بدل أن يكون سببًا للصراع. وقد أدى هذا الغياب إلى تصاعد الهويات الفرعية، وتحول الصراع إلى تنازع على السلطة، لا تنافس على بناء الدولة.

اقتصاديًا، أسهم نمط “اقتصاد الريع” في تعميق الأزمة، حيث تعتمد الدولة على توزيع الامتيازات بدل إنتاج الثروة، ما أدى إلى نشوء طبقة مستفيدة من استمرار الفشل، تقاوم أي إصلاح حقيقي حفاظًا على مصالحها. وهنا يتحول الفساد من سلوك فردي إلى منظومة متكاملة يصعب تفكيكها.

خلاصة القول، إن أزمة الدولة السودانية ليست أزمة أشخاص، بل أزمة بنية. وهي ليست نتاج لحظة، بل تراكم تاريخي من الممارسات والأفكار التي أُعيد إنتاجها حتى أصبحت واقعًا مألوفًا.

إن أي إصلاح حقيقي يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحويل المواطن من تابع إلى شريك، ومن متلقٍ إلى فاعل. فبدون هذا التحول، ستظل محاولات التغيير مجرد إعادة ترتيب للفشل، لا قطيعة معه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى