
افق جديد
في عالم كرة القدم الأفريقية المليء بالتقلبات، نادراً ما يجمع النقاد على اسم واحد كـ “منقذ” أو “صانع معجزات”، ولكن يبدو أن الغاني جيمس كويسي أبياه قد كسر هذه القاعدة. فبعد مسيرة تخللتها فترات صعود وهبوط مع منتخب بلاده “النجوم السوداء”، استطاع أبياه أن يعيد اختراع نفسه من جديد مع المنتخب السوداني محولاً “صقور الجديان” من منتخب يعاني من تبعات الحروب والاضطرابات إلى قوة كروية يحسب لها ألف حساب، مما جعله اليوم المطلب الأول لمنتخب بوركينا فاسو الطامح لاستعادة أمجاده.
لم يكن نجاح أبياه مع السودان مجرد ضربة حظ، بل كان نتاج عمل تكتيكي ونفسي عميق. ففي بطولة كأس الأمم الأفريقية 2025، حقق السودان ما عجز عنه طوال 13 عاماً بعد أن قاد الفريق لتجاوز دور المجموعات، محققاً أول ظهور في الأدوار الإقصائية منذ عام 2012، وهو إنجاز وُصف بـ “المعجزة” نظراً لتوقف النشاط الرياضي المحلي في السودان لفترات طويلة.
كما كانت النقطة الفاصلة هي حصد 4 نقاط من منتخب غانا (فريقه السابق) في التصفيات، مما أعطى انطباعاً بأن أبياه يمتلك “الشيفرة” الخاصة بالكرة الأفريقية الحديثة.
بالإضافة إلى نجاحه في بناء منظومة دفاعية حديدية وروح قتالية عالية، رغم أن أغلب لاعبيه يفتقدون لحساسية المباريات الرسمية في دوريات مستقرة.
لماذا الإصرار على أبياه؟
تراقب واغادوغو هذا التطور بإعجاب وقلق في آن واحد. فمنتخب “الخيول” البوركيني، رغم امتلاكه ترسانة من النجوم المحترفين في أوروبا، عانى من “فقر فني” في النسخة الأخيرة من الكان، حيث خرج من دور الـ16 بأداء باهت.
تشير التقارير المسربة في 22 فبراير 2026 إلى أن الاتحاد البوركيني يرى في أبياه “المدير الفني الأفريقي المتطور” الذي يجمع بين صرامة التكتيك الأوروبي وفهم العقلية الأفريقية. وتؤكد المصادر أن المحادثات الأولية بدأت بالفعل لجس نبض المدرب الغاني حول إمكانية قيادة المشروع القادم لمنتخب الخيول، بهدف الوصول إلى نهائيات كأس الأمم الأفريقية 2027 والمنافسة بقوة في تصفيات مونديال 2026.
ثالثاً: العقد المعقد وموقف الاتحاد السوداني
على الرغم من الإغراءات البوركينية، إلا أن الطريق نحو التعاقد مع أبياه مفروش بالأشواك القانونية والالتزامات الأدبية ،فأبياه مرتبط بعقد رسمي مع الاتحاد السوداني يمتد حتى عام 2028، وهو العقد الذي تم تمديده في 2025 بعد “ملحمة التأهل”.
كما أن أبياه لا يرى نفسه مجرد مدرب، بل صاحب رسالة. لقد صرح مراراً بأن نجاح المنتخب هو “هدية سلام” للشعب السوداني، وهو ما يجعل رحيله في هذا التوقيت الحساس أمراً صعباً على الصعيد الوجداني.
و تشير التوقعات إلى أن أي محاولة لفسخ العقد ستتطلب مفاوضات مالية عسيرة، وهو ما قد يدفع الاتحاد البوركيني للبحث عن خيارات بديلة إذا تعثرت المحادثات مع الجانب السوداني.
ما يميز كويسي أبياه في نسخته الحالية هو “المرونة التكتيكية”. فهو لا يعتمد على أسماء رنانة بقدر اعتماده على “المنظومة”. في السودان، استطاع تحويل لاعبين مغمورين إلى قطع شطرنج فتاكة، كما عرف كيف يستخدم الهجمات المرتدة السريعة والضغط العالي المنظم. هذا الأسلوب هو بالضبط ما تحتاجه بوركينا فاسو التي تمتلك أجنحة سريعة ومهاجمين أقوياء يحتاجون فقط إلى “عقل مدبر” يوظف إمكانياتهم.
مفترق طرق
يقف كويسي أبياه اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما الاستمرار في بناء “الحلم السوداني ” والوفاء بعهده حتى 2028، أو الانتقال إلى واغادوغو لخوض تحدٍ جديد مع منتخب يمتلك إمكانيات بشرية هائلة. أياً كان القرار، فإن الأكيد هو أن كويسي أبياه قد أعاد الاعتبار للمدرب المحلي الأفريقي، وأثبت أن النجاح لا يحتاج دائماً إلى ميزانيات ضخمة، بل إلى رؤية ثاقبة وإيمان بالعمل.