واشنطن والإسلاميون في السودان

 

جاء النفي الأمريكي الحاسم – تجدونه داخل هذا العدد – لما تردد خلال الأيام الماضية عن لقاءات مزعومة بين مسؤولين أمريكيين وقيادات من الحركة الإسلامية السودانية، ليضع حدًا لسيل من التكهنات التي ظلت تتغذى على ضبابية المشهد السوداني، وعلى الاعتقاد السائد لدى بعض الفاعلين بأن تعقيدات الحرب الحالية قد تدفع القوى الدولية إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتعامل مع جميع الأطراف دون استثناء.

غير أن اللغة التي استخدمتها وزارة الخارجية الأمريكية، والتي اتسمت بقدر كبير من القطع والحسم، لا تبدو مجرد نفي إجرائي لواقعة بعينها، وإنما تحمل في طياتها رسالة سياسية أعمق تتجاوز حدود الواقعة نفسها إلى طبيعة الموقف الأمريكي من الحركة الإسلامية السودانية ومستقبل دورها في المعادلة السياسية المقبلة.

فالولايات المتحدة، ومنذ عقود، تنظر إلى الإسلام السياسي في السودان من خلال إرث طويل من التوتر وعدم الثقة، تشكلت ملامحه خلال سنوات حكم الإنقاذ وما ارتبط بها من سياسات إقليمية ودولية أدخلت السودان في دائرة العزلة والعقوبات والتصنيفات المرتبطة بمكافحة الإرهاب. ورغم التحولات الكبيرة التي شهدها السودان بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، فإن واشنطن لم تُظهر في أي مرحلة استعدادًا لإعادة تأهيل الحركة الإسلامية بوصفها شريكًا سياسيًا يمكن الاعتماد عليه في بناء الترتيبات الجديدة.

ولعل ما يمنح النفي الأمريكي الأخير ثقله السياسي أن الإدارة الأمريكية لم تكتفِ بنفي وجود لقاءات أو اتصالات، وإنما أعادت التذكير بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية ضمن سياق أوسع يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين السودانية، وهو أمر يحمل دلالة واضحة على أن واشنطن لا تتعامل مع القضية باعتبارها خلافًا تكتيكيًا عابرًا، بل باعتبارها جزءًا من رؤية استراتيجية أعمق تجاه تيارات الإسلام السياسي التي ترى أنها لعبت أدوارًا سلبية في زعزعة الاستقرار الإقليمي وإضعاف فرص الانتقال الديمقراطي.

وفي الواقع، فإن الرهان الذي ظل يراود بعض دوائر الإسلاميين السودانيين بإمكانية اختراق الموقف الأمريكي عبر شركات العلاقات العامة أو من خلال وساطات إقليمية ودولية، بما في ذلك الحديث عن أطراف ثالثة يمكن أن تضطلع بدور الوسيط، يبدو اليوم أكثر صعوبة من أي وقت مضى. فالإدارة الأمريكية الحالية تبدو حريصة على إرسال إشارات واضحة بأنها لا تنوي منح أي شرعية سياسية أو معنوية للقوى المرتبطة بالنظام السابق، وأن أولوياتها تتركز على إنهاء الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية، ودعم مسار سياسي يفضي إلى سلطة مدنية ذات قاعدة واسعة.

وتزداد هذه الصورة وضوحًا إذا ما قُرئت في ضوء الرسائل التي حملتها الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن الدولي بشأن السودان، والتي تحدث خلالها المسؤول الأمريكي المعني بالشأن الإفريقي، مسعد بولس، مؤكدًا أن استمرار الحرب يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار السودان والمنطقة، وأن الأولوية القصوى بالنسبة للمجتمع الدولي ينبغي أن تتركز على وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، والدفع نحو عملية سياسية شاملة لا تُقصي القوى المدنية المؤمنة بالتحول الديمقراطي.

وتكشف هذه الرسائل، في جوهرها، عن أن واشنطن لا تنظر إلى الأزمة السودانية باعتبارها مجرد صراع عسكري بين طرفين، وإنما تراها أزمة بنيوية تتطلب إعادة بناء العقد السياسي والدولة على أسس جديدة، وهو ما يجعل العودة إلى صيغ الحكم القديمة أو إعادة إنتاج النخب التي ارتبطت بالماضي أمرًا لا يحظى بأي قبول أمريكي أو غربي.

ومن هنا، فإن الموقف الأمريكي من الحركة الإسلامية لا ينفصل عن رؤيتها الأشمل لمستقبل السودان. فواشنطن تدرك أن أي تسوية سياسية قابلة للحياة يجب أن تؤدي في نهاية المطاف إلى قيام نظام مدني مستقر، قادر على الاندماج في المجتمع الدولي، وجذب الاستثمارات، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس حديثة، وهي أهداف ترى أن تحقيقها يتطلب تجاوز الإرث السياسي الذي قاد البلاد إلى العقوبات والعزلة والانقسامات.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة تمتلك تصورًا نهائيًا أو مغلقًا بشأن الخريطة السياسية السودانية، لكنها تبعث بإشارات واضحة بأن الشرعية الدولية في المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بمقدار الالتزام بالديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، والابتعاد عن المشاريع الأيديولوجية التي أثبتت التجارب السابقة محدودية قدرتها على إدارة التنوع السوداني المعقد.

إن النفي الأمريكي الأخير، إذن، ليس مجرد تصحيح لخبر متداول، بل هو إعادة تأكيد لثوابت سياسية ظل الموقف الأمريكي يتمسك بها طوال السنوات الماضية. وهو، في الوقت ذاته، رسالة إلى مختلف الفاعلين السودانيين بأن الطريق إلى المجتمع الدولي لن يمر عبر صفقات خلف الأبواب المغلقة أو عبر وساطات إقليمية، وإنما عبر مشروع وطني جديد يضع إنهاء الحرب وبناء الدولة المدنية فوق كل الاعتبارات الأخرى.

وفي ظل استمرار النزاع وتفاقم الكارثة الإنسانية، تبدو واشنطن أكثر ميلًا إلى الاستثمار في المستقبل لا في استدعاء الماضي، وأكثر تمسكًا بضرورة إنتاج معادلة سياسية جديدة لا تعيد تدوير الأزمات القديمة، مهما تغيرت الوجوه أو تبدلت الوسائط والوسائل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى