لا تجعلوا نهر النيل جبهة حرب جديدة
وسط أزيز البنادق، وسقوط المدن، وتفكك الدولة، يصبح من السهل أن يعتاد الناس على أخبار الحرب، وأن تتحول المآسي اليومية إلى أرقام عابرة. لكن هناك لحظات تستحق التوقف، لأنها لا تنذر بمعركة عسكرية فحسب، وإنما تنذر بانهيار ما تبقى من الجدار الذي يحمي المجتمع من الانزلاق إلى حرب الجميع ضد الجميع.
ما تشهده ولاية نهر النيل اليوم من احتقان متصاعد ليس حدثاً عابراً، ولا يمكن التعامل معه بوصفه خلافاً أمنياً محدوداً. فالغضب الشعبي الذي تصاعد عقب ما تردد عن تجاوزات وسلوكيات غير منضبطة منسوبة إلى بعض أفراد القوات المشتركة، يعكس شعوراً حقيقياً بالإهانة وانعدام الأمان لدى المواطنين. وهذه مشاعر لا ينبغي الاستخفاف بها أو التقليل من شأنها.
إن أي اعتداء على المدنيين، أو مساس بكرامة النساء، أو استغلال للسلاح في إرهاب الناس، أو تورط في أنشطة إجرامية، هو جريمة كاملة الأركان، لا تبررها الحرب، ولا تمنحها صفة الضرورة العسكرية. فالقوة التي تحمل السلاح مطالبة، قبل غيرها، بأن تكون أكثر انضباطاً واحتراماً للقانون، لأنها تدّعي أنها تحمل السلاح من أجل حماية المواطنين، لا من أجل ترويعهم.
ولا يجوز أن تتحول أي قوة عسكرية، مهما كانت التضحيات التي قدمتها في ساحات القتال، إلى سلطة فوق القانون. فالانضباط العسكري ليس ترفاً، وإنما هو شرط لبقاء أي تشكيل مسلح داخل إطار الشرعية. وكل قيادة تعجز عن محاسبة منسوبيها، أو تتهاون في مواجهة التجاوزات، تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن النتائج التي تترتب على ذلك.
غير أن الإدانة الصريحة لهذه التصرفات لا تعني الوقوع في الفخ الأخطر، وهو تحويل الغضب الشعبي المشروع إلى مواجهة مفتوحة بين مجتمع نهر النيل والقوات المشتركة. فالسودان يعيش حرباً شاملة، والحرب بطبيعتها تبحث دائماً عن جبهات جديدة، وعن خصومات جديدة، وعن دماء جديدة. وكلما اتسعت رقعة المواجهة، تضاءلت فرص الوصول إلى نهاية لهذه المأساة.
لقد دفعت الحرب السودانيين إلى حافة الانهيار. ملايين النازحين، ومدن مدمرة، واقتصاد يكاد يتوقف، ومؤسسات دولة تتآكل يوماً بعد يوم. وفي مثل هذا الواقع، يصبح أي احتقان محلي مشروعاً قابلاً للاستغلال، وتصبح الأخطاء الفردية وقوداً لتوسيع دائرة الصراع، إذا غابت الحكمة، وتأخرت الدولة في القيام بواجبها.
إن ولاية نهر النيل لم تكن، طوال هذه الحرب، ساحة رئيسية للعمليات العسكرية، بل شكلت ملاذاً لآلاف السودانيين الذين فروا من جحيم القتال في الخرطوم والجزيرة وسنار ودارفور وكردفان. ولذلك فإن الحفاظ على استقرارها ليس مسؤولية أهلها وحدهم، بل مسؤولية وطنية، لأن انهيار الأمن فيها يعني انتقال الحرب إلى مساحة جديدة، لا يحتاجها السودان، ولا يحتمل كلفتها.
إن المسؤولية الأولى تقع على عاتق قيادة القوات المشتركة. فهي مطالبة بإجراء تحقيقات جادة، وإعلان نتائجها للرأي العام، واتخاذ إجراءات حاسمة بحق كل من يثبت تورطه في أي انتهاك أو سلوك يسيء إلى المواطنين. فالصمت يضر بالقوات المشتركة أكثر مما يحميها، والتستر على المخطئ لا يحافظ على سمعة أي مؤسسة، بل يهدمها من الداخل.
كما تقع المسؤولية على السلطات القائمة، التي لا يجوز لها أن تكتفي بدور المتفرج. فالدولة لا تستعيد هيبتها بالخطب، وإنما بفرض القانون على الجميع، دون تمييز أو استثناء. وكل تأخير في معالجة هذه الأزمة يمنح الشائعات مساحة أوسع، ويزيد الاحتقان، ويقرب المجتمع من نقطة الانفجار.
وفي المقابل، فإن القيادات الأهلية والمجتمعية في نهر النيل مطالبة بالحفاظ على تماسك مجتمعها، وعدم السماح بتحويل الغضب المشروع إلى صراع مفتوح. فمن حق الناس أن يطالبوا بالأمن والعدالة، وأن يرفضوا أي انتهاك لكرامتهم، لكن من حقهم أيضاً أن يسألوا: من المستفيد إذا تحولت الولاية إلى ساحة اشتباك جديدة؟
إن التاريخ القريب يخبرنا أن الحروب لا تتوسع وحدها، بل تتوسع عندما تفشل السياسة، ويتراجع القانون، ويعلو صوت التعبئة على صوت العقل. وكل جبهة جديدة تُفتح تعني مزيداً من القتلى، ومزيداً من النزوح، ومزيداً من الانهيار الوطني.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى حرب إضافية، بل يحتاج إلى الحد الأدنى من المسؤولية. يحتاج إلى قوات منضبطة تحترم المواطنين، وإلى دولة تحاسب كل من يسيء استخدام السلاح، وإلى مجتمعات تتمسك بحقها في العدالة، لكنها لا تسمح بأن تتحول إلى وقود في معركة لا رابح فيها.
إن نهر النيل يستحق أن يبقى أرضاً للأمان، لا ميداناً لتصفية الحسابات. ويستحق أهله أن يعيشوا في ظل القانون، لا في ظل الخوف. أما الذين يسيئون إلى المواطنين، أياً كانت مواقعهم، فلا ينبغي أن يجدوا حماية من أحد، لأن حماية المتجاوز هي أول خطوة نحو انهيار الثقة بين المجتمع والدولة.
إن معركة السودان الحقيقية ليست في توسيع رقعة الحرب، وإنما في استعادة الدولة. والدولة لا تُبنى إلا عندما يخضع حامل السلاح للقانون، ويطمئن المواطن إلى أن كرامته مصونة، وأن العدالة لا تعرف رتبة عسكرية، ولا انتماءً سياسياً، ولا قوةً على الأرض.
اليوم يقف الجميع أمام اختبار صعب: هل تُعالج الأزمة بالحكمة والحزم والمساءلة، أم تُترك حتى تتحول إلى شرارة تشعل ولاية ظلت بعيدة عن ألسنة اللهب؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل نهر النيل وحدها، بل قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة من الحرب السودانية كلها.