هل عشق البرهان الحرب؟

هل أصبح الفريق أول عبد الفتاح البرهان العقبة الكؤود أمام السلام؟ ليس هذا سؤالًا يُراد به تسجيل موقف سياسي، ولا محاولة لإدانة شخص بعينه بقدر ما هو محاولة لقراءة حصيلة أربع سنوات من الحرب بعيون السودانيين الذين دفعوا الثمن الأكبر. فحين تمتد الحرب إلى هذا الحد، وتتعاقب المبادرات واحدة تلو الأخرى ثم تسقط جميعها، يصبح من حق الناس أن يسألوا: أين تكمن العقدة الحقيقية؟ ومن الذي يقف في وجه إغلاق هذا الجرح المفتوح؟

منذ الخامس عشر من أبريل 2023، ظل الخطاب الرسمي للقيادة العسكرية يقوم على وعد واحد لا يتغير: الحسم العسكري. وفي كل مرة كان يُطلب فيها فتح الباب أمام تسوية سياسية، كان الجواب يأتي بصيغة مختلفة، لكنه يحمل المعنى نفسه: لا تفاوض قبل القضاء على “التمرد”. ومع مرور الوقت، تحولت هذه العبارة من هدف عسكري إلى عقيدة سياسية، وبات مستقبل بلد بأكمله معلقًا على فرضية لم تنجح في تحقيقها أربعة أعوام من القتال والدماء والخراب.

الحروب ليست شعارات، وإنما حسابات للربح والخسارة. وإذا كان الهدف من أي حرب هو الوصول إلى وضع أفضل مما كان قائمًا قبلها، فإن السؤال المؤلم هو: ماذا ربح السودان؟ المدن الكبرى تحولت إلى خرائب، ملايين السودانيين أصبحوا لاجئين ونازحين، الاقتصاد انهار، المؤسسات تفككت، الخدمات الأساسية تلاشت، والتعليم والصحة أصابهما ما يشبه الموت السريري، حتى المناطق التي لم تصلها المعارك دفعت ثمنها تضخمًا وفقرًا وانعدامًا للأمن، فكيف يمكن بعد كل هذا أن يقال إن استمرار الحرب هو الخيار الأقل كلفة؟

لقد مرت أمام السودان فرص عديدة، لم تكن جميعها مثالية، لكنها كانت تستحق الاختبار على الأقل. منبر جدة كان فرصة مبكرة لإيقاف النزيف قبل أن يتحول إلى كارثة إنسانية شاملة. ثم جاءت محاولات جوبا، وتبعتها تفاهمات المنامة التي تحدثت أطراف عديدة عن أنها قطعت شوطًا مهمًا نحو بناء أرضية مشتركة، قبل أن تنهار. واليوم تتردد الأنباء عن تحركات أمريكية ومصرية تسعى إلى فتح نافذة جديدة، لكنها تواجه مقاومة قوية قبل أن ترى النور، يقودها البرهان بنفسه ويسعى جادًا وجاهدًا لتلحق بما سبق.

قد يجادل البعض بأن هذه المبادرات لم تكن عادلة، أو أنها منحت قوات الدعم السريع ما لا تستحقه، أو أنها تجاهلت اعتبارات السيادة الوطنية. وهذا نقاش مشروع. لكن السؤال الأهم ليس إن كانت المبادرات كاملة، بل إن كان البديل عنها أفضل. فإذا كان البديل هو حربًا بلا نهاية، ومزيدًا من الخراب، ومزيدًا من التشظي، فإن رفض كل مبادرة لا يصبح موقفًا وطنيًا بالضرورة، وإنما يحتاج إلى تفسير سياسي وأخلاقي أمام شعب يدفع وحده ثمن هذا الرفض.

ليست المشكلة في أن الجيش يخوض حربًا، فالجيوش في كل العالم تقاتل عندما تفرض عليها المعارك، المشكلة تبدأ عندما تصبح الحرب غاية في ذاتها، أو عندما تتحول إلى الخيار الوحيد مهما تغيرت الوقائع على الأرض. القائد العسكري الناجح ليس هو الذي يعرف كيف يبدأ الحرب فقط، وإنما الذي يعرف أيضًا متى ينهيها. فالإصرار على استمرار القتال رغم اتساع المأساة لا يعكس دائمًا قوة الإرادة، بل قد يكون تعبيرًا عن عجز عن الاعتراف بالخوف من اليوم التالي للحرب، الذي قد يحمل في طياته المحاسبة وكشف الذي يستره غبار المعارك من الأخطاء التي تصل حد الخطيئة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن أيًا من الطرفين لم يتمكن من تحقيق نصر حاسم. ورغم تغير خطوط السيطرة مرات عديدة، بقيت النتيجة واحدة: لا غالب ولا مغلوب، وإنما وطن يخسر كل يوم جزءًا جديدًا من نفسه. وفي مثل هذه الحروب، يصبح الحديث عن النصر الكامل أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع، لأن ما يتبقى بعد نهاية المعارك قد لا يكون وطنًا قابلًا للحياة أصلًا.

والأخطر من ذلك أن استمرار الحرب لا يهدد الحاضر وحده، بل يعيد تشكيل مستقبل السودان بطريقة قد يصعب إصلاحها لعقود. فهناك جيل كامل خرج من المدارس، وملايين الأطفال يكبرون في معسكرات النزوح وهم لا يعرفون معنى الاستقرار. وهناك اقتصاد موازٍ للحرب يتوسع كل يوم، ومراكز نفوذ جديدة تتغذى على استمرار القتال، وانقسامات اجتماعية وجهوية تزداد عمقًا مع كل معركة جديدة، وكلما طال أمد الحرب، أصبح السلام أكثر تعقيدًا، وأصبحت كلفة إعادة بناء الدولة أعلى بكثير.

الحروب لا تنتهي عندما تتوقف البنادق فقط، وإنما عندما يرفض الناس استمرارها، ويطالبون بحقهم في الحياة، والسلام لا يبدأ من موائد التفاوض وحدها، بل يبدأ أيضًا عندما يدرك المجتمع أن لا أحد يستطيع أن ينتصر على وطنه.

لهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه السودانيون اليوم لا يتعلق فقط بالفريق أول عبد الفتاح البرهان، وإنما بكل من يمتلك سلطة اتخاذ القرار. فإذا كانت كل المبادرات تُقابل بالرفض أو التأجيل أو التعطيل، فمن حق الشعب أن يعرف لماذا؟ وإذا كان هناك طريق أفضل من التفاوض، فليُقدَّم للسودانيين بوضوح، مع جدول زمني، وأهداف قابلة للتحقق، وضمانات بألا تستمر الحرب سنوات أخرى، أما الاكتفاء بترديد شعارات الحسم، بعد كل ما جرى، فلم يعد يكفي لإقناع شعب أنهكته معسكرات النزوح وصفوف الجوع وذلة ومهانة دول اللجوء.

إن التاريخ لا يمنح القادة مكانتهم لأنهم أطالوا الحروب، بل لأنهم امتلكوا الشجاعة لإنهائها عندما أدركوا أن استمرارها أصبح جريمة في حق أوطانهم وشعوبهم، والسياسة ليست استسلامًا، كما أن التفاوض ليس هزيمة، بل قد يكون في لحظة معينة أعلى درجات الشجاعة الوطنية، لأنه ينقذ ما تبقى قبل أن ينهار كل شيء.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي ألا يخشاه أحد هو: هل أصبح عبد الفتاح البرهان العقبة الأكبر أمام السلام؟ وإذا كانت الوقائع تقود إلى هذا الاستنتاج، فإن من واجب السودانيين أن يناقشوه بلا خوف، لأن الأوطان لا تُبنى بالمجاملات، ولا تُحفظ بالصمت. لقد آن الأوان لأن ينتقل النقاش من سؤال: كيف ننتصر في الحرب؟ إلى سؤال أكثر أهمية وأكثر إلحاحًا: كيف ننقذ السودان؟ فذلك هو الانتصار الوحيد الذي يستحق أن يخوضه الجميع.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى