متى تنتصر الدولة على الحرب؟

ثلاثة أعوام وأكثر كانت كافية ليتعلم السودانيون ما لم يتعلمه كثير من الوسطاء بعد: الحرب ليست بياناً سياسياً، ولا خريطة نفوذ، ولا مباراة بين جنرالين، ولا طريقاً إلى دولة أفضل. الحرب موت ونزوح وجوع، وانهيار للمدن والمدارس والمستشفيات، وتمزيق للنسيج الاجتماعي، وبلد يفقد كل يوم جزءاً من قدرته على النهوض.

لقد عرف السودانيون الحرب على حقيقتها، وسقطت أمام أعينهم كل الشعارات التي حاول بها أطرافها تسويق المعركة باعتبارها طريقاً إلى الخلاص. اكتشف المواطن أن الذين يتحدثون عن الدولة يستطيعون تدميرها، وأن الذين يرفعون راية حماية الشعب يمكن أن يجعلوا الشعب نفسه أكبر ضحاياهم، وأن الذين وعدوا بالحسم لم يقدموا، بعد كل هذه السنوات، سوى مزيد من الدم والخراب.

لهذا، فإن أول من يجب أن يضغط على أطراف الحرب اليوم هو الشعب السوداني نفسه، بكل الوسائل المدنية والسياسية الممكنة. لقد آن الأوان لأن تتحول حالة الرفض الشعبي للحرب من موقف أخلاقي صامت إلى قوة سياسية واضحة تقول للجيش والدعم السريع معاً: كفى.

لا أحد يملك تفويضاً أخلاقياً لمواصلة هذه الحرب باسم السودانيين.

ولا أحد يستطيع أن يدعي أن مزيداً من الدم سيقود بالضرورة إلى الدولة التي ينشدها السودانيون.

والأهم أن المجتمع الدولي مطالب هو الآخر بأن يتوقف عن التعامل مع الحرب السودانية باعتبارها أزمة يمكن إدارتها إلى أن تتغير موازين القوى. فكل شهر إضافي من القتال لا يترك السودان أكثر ضعفاً فحسب، وإنما يخلق فراغات سياسية وأمنية واجتماعية تتسع فيها مساحة القوى الأكثر تطرفاً، وتزدهر فيها شبكات الجريمة المنظمة وتجارة السلاح والمخدرات، وتصبح البلاد أكثر قابلية لأن تتحول إلى ملاذ لمن يبحثون عن الفوضى أو عن مساحة آمنة للنشاط الإرهابي.

وهنا تحديداً ينبغي تصحيح مسار الآلية الخماسية.

فالخماسية تملك فرصة نادرة لجمع ثقل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وإيغاد والجامعة العربية في مسار واحد، لكنها لن تنجح إذا تحولت إلى منصة جديدة لإدارة التنافس بين القوى السودانية، أو إذا سمحت بتجيير جهودها لصالح طرف من أطراف الحرب، أو إذا أصبح الحوار السياسي بديلاً عن الهدف الذي يفترض أن يقود كل هذه الجهود: وقف الحرب.

المطلوب ليس مزيداً من الاجتماعات.

المطلوب ضغط.

ضغط على أطراف الحرب، وضغط على الداعمين الخارجيين، وضغط على شبكات السلاح والتمويل، وضغط سياسي واقتصادي يجعل استمرار الحرب أكثر كلفة من قبول التسوية.

والمطلوب أيضاً أن تدرك الخماسية أن الحوار السوداني لا يمكن أن يكون حواراً انتقائياً، ولا يمكن أن يتحول إلى غطاء سياسي لنتائج المعارك. فأي عملية سياسية تبدأ بمنطق الغالب والمغلوب ستعيد إنتاج الحرب داخل مؤسسات الدولة، وستمنح شرعية جديدة لمن يملك السلاح، وستؤجل الانفجار بدلاً من أن تمنعه.

لقد جرب العالم كل شيء تقريباً: المؤتمرات، والبيانات، والمبعوثين، والهدن، والعقوبات، والمبادرات المتعددة. لكن السؤال الذي يجب أن يواجهه الآن ليس: ماذا سنفعل بعد فشل المبادرة السابقة؟

بل: لماذا لم تكن هناك، حتى الآن، إرادة دولية موحدة لجعل الحرب نفسها غير قابلة للاستمرار؟

السودان لا يحتاج إلى أن ينتصر طرف على آخر.

السودان يحتاج إلى أن تنتصر الدولة على الحرب.

وإلى أن يدرك المجتمع الدولي أن حماية السودان ليست شأناً سودانياً خالصاً. فالسودان الذي ينهار لا يترك وراءه أزمة داخل حدوده فقط؛ بل يفتح أبواباً للهجرة القسرية، والجريمة المنظمة، والاتجار بالبشر والمخدرات والسلاح، ويمنح الجماعات المتطرفة وشبكات الإرهاب بيئة مثالية للعمل، ويهدد أمن البحر الأحمر وشرق أفريقيا والمنطقة كلها.

لهذا فإن تصحيح مسار الخماسية ليس ترفاً دبلوماسياً، وإنما ضرورة عاجلة.

وعلى السودانيين أن يقولوا كلمتهم بوضوح، وعلى المجتمع الدولي أن يسمعها: لا نريد إدارة للحرب، ولا شرعنة لنتائجها، ولا إعادة تدوير لمن أشعلوها. نريد أن تتوقف.

فبعد كل هذا الموت، لم يعد لدى السودان ما يحتمل تجربة جديدة.

ولم يعد لدى العالم عذر جديد.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى