المخدرات… المعركة التي لا تسمع طلقاتها

حين تُذكر الحرب في السودان، تتجه الأذهان فوراً إلى أصوات المدافع، والطائرات المسيّرة، والمنازل المهدمة، وقوافل النازحين التي لا تنتهي. نتذكر المدن التي تحولت إلى خرائب، والأسر التي شتتها النزوح، والاقتصاد الذي أنهكه الدمار، وملايين الأطفال الذين حُرموا من التعليم. لكن، وسط كل هذه الصور الصاخبة، ثمة حرب أخرى بدأت تتسلل في صمت، لا يسمع الناس دوي انفجاراتها، ولا تتصدر نشرات الأخبار كل يوم، لكنها ربما تكون الأشد خطراً لأنها تستهدف ما تبقى من قدرة هذا الوطن على النهوض.

إنها حرب المخدرات.

قد تنتهي المعارك بتوقيع اتفاق سياسي، وقد تتوقف البنادق تحت ضغط الإرهاق أو بفعل الوساطات الدولية، لكن المجتمعات التي تنخرها المخدرات تظل تخوض حرباً طويلة مع نفسها، حرباً لا تُحسم في ميادين القتال، وإنما في البيوت، والمدارس، والجامعات، وأماكن العمل، وفي عقول الشباب الذين يمثلون رأس المال الحقيقي لأي أمة.

لقد خلّفت الحرب في السودان فراغاً أمنياً واسعاً، وأضعفت مؤسسات الدولة، ومزقت شبكات الرقابة الاجتماعية التي كانت تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الانحراف والجريمة. وفي مثل هذه البيئات تنمو الجريمة المنظمة بسرعة، وتجد شبكات تهريب المخدرات فرصتها الذهبية. وما كان في الماضي مجرد ممر لعبور السموم، أصبح اليوم سوقاً مفتوحة، بل ومركزاً للإنتاج والتصنيع والتوزيع، مستفيداً من الفوضى، وضعف الرقابة، والانهيار الاقتصادي، وتراجع مؤسسات إنفاذ القانون في كثير من المناطق.

لكن الكارثة لا تُقاس بعدد الشحنات المضبوطة، ولا بكميات الحبوب المخدرة التي تعلن السلطات مصادرتها بين حين وآخر. فهذه الأرقام لا تمثل سوى الجزء المرئي من جبل الجليد. أما الجزء الأعظم، فهو أولئك الشباب الذين يسقطون بعيداً عن عدسات الكاميرات، داخل الأحياء الفقيرة، وفي مناطق التعدين، ومعسكرات النزوح، والمدن التي أنهكتها الحرب، حيث يتحول الإدمان إلى ملاذ كاذب من الجوع والخوف والبطالة واليأس.

خلال إعداد التحقيق المنشور داخل هذا العدد، لم نكن نطارد الأرقام بقدر ما كنا نطارد الحكايات.

وجدنا أماً فقدت ابنها الأول، بينما يقاوم الثاني المرض نفسه. التقينا بأسرة لم تكن تعرف اسم مخدر “الإيس” إلا بعد أن تحول أحد أبنائها إلى شخص لا تعرفه، وانتهى الآخر إلى الموت. واستمعنا إلى أطباء يتحدثون عن ازدياد الحالات بصورة تنذر بالخطر، وإلى مختصين يؤكدون أن ما يصل إلى المستشفيات ليس سوى نسبة ضئيلة من الواقع، لأن آلاف المدمنين يظلون حبيسي البيوت أو الشوارع، بعيداً عن أي رعاية صحية أو نفسية.

لم تعد المخدرات تستهدف فئة بعينها. لقد سقط الحاجز الذي كان يربطها بطبقات اجتماعية محددة. فهي اليوم تدخل البيوت الفقيرة قبل الغنية، وتصل إلى المدن الصغيرة كما تصل إلى العواصم، وتغري الطالب والعامل والعاطل عن العمل على السواء. لقد أصبحت تجارة الموت أكثر ديمقراطية من كل شعارات السياسة؛ فهي لا تميز بين ضحية وأخرى، ولا تسأل عن القبيلة أو الجهة أو المستوى التعليمي، بل تبحث فقط عن إنسان أنهكته الظروف، وتعرض عليه وهماً مؤقتاً ينتهي غالباً بالموت أو الجنون أو السجن.

ولعل أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة أنها لا تفتك بالفرد وحده، بل تعيد تشكيل المجتمع بأسره. فكل مدمن هو أسرة تعيش تحت الضغط، وأم تذرف الدموع كل ليلة، وأب يشعر بالعجز، وأطفال يكبرون في بيئة يطاردها الخوف، واقتصاد يخسر طاقة إنتاجية جديدة، ودولة تتحمل أعباء إضافية في العلاج والأمن والقضاء. إن خسائر المخدرات لا تُقاس بالكيلوغرامات المضبوطة، وإنما بالأعمار التي تضيع، والعقول التي تنطفئ، والأحلام التي تُدفن قبل أن ترى النور.

ومن هنا، فإن النظر إلى هذه القضية باعتبارها مجرد ملف أمني يمثل اختزالاً خطيراً للمشكلة. فالمداهمات الأمنية، مهما بلغت أهميتها، لن تكون كافية إذا لم تتزامن مع مشروع وطني يعالج جذور الأزمة. فالشاب الذي يعيش بلا تعليم، ولا فرصة عمل، ولا أفق للمستقبل، يظل فريسة سهلة لكل أشكال الاستغلال، سواء حملت بندقية أو حبة مخدرة.

ولا يمكن فصل انتشار المخدرات عن واقع الحرب الممتدة. فالمجتمعات التي تتعرض لانهيار اقتصادي ونزوح جماعي وتفكك أسري تصبح أكثر هشاشة أمام شبكات الجريمة المنظمة. كما أن ملايين الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة، وآلاف الشباب الذين فقدوا أعمالهم، يشكلون بيئة مثالية لتوسع هذه التجارة القاتلة، إذا لم تُتخذ سياسات عاجلة تعيد دمجهم في التعليم وسوق العمل والحياة العامة.

إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الجسور والطرق ومحطات الكهرباء، بل يحتاج قبل ذلك إلى إعادة إعمار الإنسان. فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده، وإنما بالعقول السليمة، والنفوس المعافاة، والثقة في المستقبل. وإذا نجحت المخدرات في تدمير الجيل الذي سيحمل مسؤولية إعادة البناء، فإن كل مشروعات الإعمار ستبقى هياكل صامتة بلا روح.

لقد آن الأوان لأن تتحول مكافحة المخدرات إلى أولوية وطنية، لا تقل أهمية عن وقف الحرب وإغاثة المنكوبين. فالمعركة ليست مع تجار السموم وحدهم، وإنما مع الأسباب التي تسمح لهم بالتمدد؛ الفقر، والبطالة، واليأس، وضعف مؤسسات الدولة، وتراجع منظومة القيم، وغياب برامج الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل.

هذا الملف محاولة للاقتراب من واحدة من أخطر القضايا التي تواجه السودان في هذه المرحلة المفصلية. لا نزعم أننا أحطنا بكل جوانبها، لكننا نؤمن أن الصمت لم يعد خياراً. فكل يوم يمر من دون مواجهة حقيقية يمنح شبكات المخدرات فرصة جديدة، ويضيف اسماً جديداً إلى قوائم الضحايا.

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً للحرب، ولا يحتمل أن يدفع الثمن مرة أخرى على يد المخدرات. وإذا كانت المدافع قد هدمت الحجر، فإن السموم تهدم البشر. وما من وطن يستطيع أن ينهض إذا خسر أبناءه مرتين؛ مرة في ساحات القتال، ومرة في دهاليز الإدمان.

إن إنقاذ الشباب اليوم ليس عملاً خيرياً، ولا مجرد واجب أخلاقي، بل هو معركة وجود. فمستقبل السودان لن تحدده فقط نتائج المفاوضات أو موازين القوى، وإنما سيحدده أيضاً مصير هذا الجيل: هل سيخرج من رماد الحرب ليبني وطناً جديداً، أم ستسبقه إليه المخدرات، فتسرق منه…

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى