السنوات الأخيرة لعلي عبد اللطيف: من أخفاها؟ وكيف نستعيد الأرشيف؟

د. وجدي كامل

يعاني الأرشيف المتعلق بتاريخ السودان الحديث من فجوات كبيرة لا تقل خطورة عن ضياع الوثائق نفسها. فبعض صفحات تاريخنا لم تُطمس لأنها لم تقع، وإنما لأنها لم تُكشف بعد. ولعل أكثر هذه الصفحات غموضًا هي السنوات الأخيرة من حياة قائد ثورة اللواء الأبيض، علي عبد اللطيف، الذي أمضى ما يقارب 11 عامًا داخل مستشفى العباسية للأمراض العقلية بالقاهرة حتى وفاته عام 1948.

إنها مفارقة يصعب استيعابها؛ فالرجل الذي قاد أول ثورة وطنية حديثة ضد الاستعمار البريطاني يكاد يختفي تمامًا من السجل التاريخي بعد انتهاء محكوميته. فبعد أن خرج من السجن لم يستعد حريته، وإنما نُقل إلى مستشفى العباسية، باتفاق بين حكومة حزب الوفد التي صعدت للحكم عام ٣٦ والإدارة البريطانية، حيث انتهى أثره في الوثائق، وبقيت سنواته الأخيرة حبيسة الصمت.

لا نعرف على وجه اليقين حتى اليوم طبيعة المرض الذي عانى منه، ولا أسباب إيداعه بالمستشفى، ولا الجهة التي اتخذت القرار، ولا طبيعة حياته اليومية، ولا من كان يزوره غير من تم ذكرهما قبلًا، ولا ما إذا كان قد كتب رسائل أو ترك شهادات أو مذكرات. ولا تزال الأسئلة الأكثر أهمية بلا إجابة: هل كان وجوده في العباسية قرارًا طبيًا أم قرارًا سياسيًا؟ وأين ملفه الطبي؟ وهل ما يزال محفوظًا في أرشيف المستشفى أو في الأرشيف الصحي المصري؟

وتزداد خطورة هذا الغياب لأن الدراسات المنشورة لا تقدم سوى إشارات عابرة. فمعظم المؤرخين يذكرون انتقاله إلى العباسية ثم ينتقلون مباشرة إلى وفاته، تاركين السنوات الأخيرة من حياته خارج دائرة البحث. ومن هنا ظهرت ثلاث قراءات متنافسة: الأولى ترى أنه أصيب بانهيار نفسي نتيجة السجن الطويل وانكسار الثورة، والثانية تذهب إلى أن الاستعمار استخدم “المرض العقلي” غطاءً لإبعاده نهائيًا عن الحياة العامة، بينما ترجح الثالثة تداخل العاملين معًا. غير أن أيًّا من هذه القراءات لم يُحسم بوثائق قاطعة.

ولا تكفي الروايات الشفوية، على أهميتها، لسد هذا الفراغ. فقد وردت إشارات إلى أن زوجته، العازة محمد عبد الله، كانت تزوره، وأن بعض السودانيين التقوه في القاهرة، لكن التاريخ لا يُكتب بالذاكرة وحدها، بل بالوثائق أيضًا.

ولهذا فإن القضية لم تعد قضية علي عبد اللطيف وحده، بل قضية الأرشيف نفسه. فما نحتاج إليه ليس إعادة سرد سيرته، وإنما استعادة وثائقه. فالملف الطبي، وسجل الدخول إلى المستشفى، وأوامر نقله، وسجلات الزيارات، والمراسلات بين سلطات الحكم الثنائي والسلطات المصرية، كلها وثائق قد تعيد رسم الفصل الأخير من حياة الرجل، وربما تعيد قراءة تاريخ ثورة 1924 بأكمله.

ومن هنا ينبغي أن يتجه البحث إلى عدة مراكز أرشيفية في آن واحد: أرشيف مستشفى العباسية، ودار الوثائق القومية المصرية بما تضمه من سجلات وزارة الداخلية والبوليس السياسي ووزارة الصحة، إضافة إلى الأرشيف الوطني البريطاني، وسجلات وزارة الخارجية البريطانية، ووثائق حكومة السودان، ومراسلات الحاكم العام، وملفات الاستخبارات. فمن المستبعد أن يكون قرار إبقاء قائد الثورة داخل مستشفى للأمراض العقلية طوال هذه السنوات قرارًا طبيًا محضًا من دون أن تسبقه أو تصاحبه مراسلات سياسية وإدارية.

إن العثور على هذه الوثائق لن يحسم فقط الجدل حول السنوات الأخيرة من حياة علي عبد اللطيف، بل سيكشف أيضًا جانبًا من الكيفية التي أدارت بها السلطة الاستعمارية مصير خصومها، ليس بالقمع وحده، وإنما بالتحكم في الذاكرة، وما يُحفظ منها وما يُطمس.

لهذا فإن البحث عن أرشيف علي عبد اللطيف يجب أن يتحول إلى مشروع وطني تشارك فيه الجامعات، والمؤرخون، وخبراء الأرشيف، والمؤسسات السودانية والمصرية والبريطانية. فهذه ليست مهمة أكاديمية معزولة، وإنما مسؤولية تجاه تاريخ السودان نفسه.

إن العثور على صفحة واحدة من ذلك الأرشيف قد يغيّر ما نعرفه عن الرجل، أما العثور على ملفه الكامل فقد يغيّر ما نعرفه عن مرحلة كاملة من تاريخنا الوطني.

لقد استعاد السودانيون اسم علي عبد اللطيف بوصفه قائدًا للثورة في الكتب المدرسية وفي بعض مناسبات الدعاية السياسية للأحزاب والحركات المسلحة، لكنهم لم يستعيدوا بعد سنواته الأخيرة، أو يطلبوا ويطالبوا بإعادة رفاته. وآن الأوان أن نطالب، بصوت واضح، بفتح كل الأرشيفات المتعلقة به، والكشف عن مصيره الكامل، لأن من حق الشعوب أن تعرف كيف عاش أبطالها، وكيف ماتوا، ومن حق التاريخ أن يُكتب بوثائقه لا بصمته.

إن نحو أحد عشر عامًا من حياة قائد الثورة لا يجوز أن تبقى رهينة خزائن مغلقة أو ملفات مفقودة. فهذه ليست قضية رجل واحد، بل قضية ذاكرة وطن، ولا ذاكرة لوطن يجهل النهاية الحقيقية لأحد أبرز صانعي تاريخ السودان الحديث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى