الأبيض تحت ضغط النزوح.. احتياجات متزايدة واستجابة محدودة

أفق جديد
بين خيام مهترئة وأرض موحلة بفعل أمطار الخريف، يقضي آلاف السودانيين أيامهم في انتظار وجبة تسد الجوع أو دواء يخفف المرض، بعدما أجبرتهم الحرب على ترك منازلهم بحثًا عن ملاذ أكثر أمنًا. غير أن رحلة النزوح إلى مدينة الأبيض لم تُنهِ معاناتهم، بل فتحت فصلًا جديدًا من القسوة، حيث تتقاطع ندرة الغذاء والمياه والرعاية الصحية مع مخاطر الأمطار والأوبئة، لتتحول المخيمات إلى مساحات تعكس عمق الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان.
وتتفاقم الأزمة الإنسانية في السودان مع استمرار موجات النزوح القسري نحو مدينة الأبيض، التي تستقبل عشرات الآلاف من الفارين من المعارك والانتهاكات في ولايات كردفان ودارفور. ويواجه النازحون أوضاعًا معيشية بالغة الصعوبة في ظل محدودية الاستجابة الإنسانية، وشحّ حاد في الغذاء ومياه الشرب والمأوى والخدمات الصحية، بالتزامن مع دخول فصل الخريف الذي يزيد من معاناة الأسر ويضاعف المخاطر البيئية والصحية داخل مواقع الإيواء.
وكشف مفوض العون الإنساني بالولاية، محمد إسماعيل، في تصريحات إعلامية، أن مدينة الأبيض استقبلت أكثر من 55 ألف نازح منذ مارس الماضي.
وأكد إسماعيل أن حركة النزوح لا تزال مستمرة وتتدفق من منطقتي جنوب وغرب كردفان باتجاه مدينة الأبيض، وذلك نتيجة للانتهاكات المستمرة التي ترتكبها قوات الدعم السريع.
واختتمت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيس براون زيارة ميدانية إلى الأبيض، اطلعت خلالها على أوضاع المدنيين والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية جراء الهجمات الأخيرة.
مؤخرًا اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارًا يقضي بتشكيل لجنة تحقيق عاجلة في الانتهاكات المرتكبة بمدينة الأبيض، مع تنديده بتصاعد العنف الذي ترتكبه قوات الدعم السريع.
وجاء قرار مجلس حقوق الإنسان -الذي تقدمت به بريطانيا وألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج إلى جانب دول أخرى- بعد تحذيرات أممية من خطر وقوع “فظائع واسعة النطاق”، مع استمرار حشد قوات الدعم السريع حول مدينة الأبيض.
واتخذ مجلس حقوق الإنسان القرار بالإجماع، رغم إعلان الصين عدم تأييدها التحقيقات التي تستهدف دولًا بعينها دون موافقتها.
قالت عائشة أحمد، وهي أم لثلاثة أطفال نزحت من إحدى قرى شمال كردفان، لـ”أفق جديد”: إن الوصول إلى الأبيض كان بالنسبة لها هروبًا من الموت، لكن الحياة هنا ليست سهلة. وأضافت: “نقضي ساعات طويلة في البحث عن المياه، وعندما تهطل الأمطار تغمر المياه الخيام، ولا نجد مكانًا جافًا ينام فيه الأطفال. أكثر ما أخشاه هو أن يمرض أحدهم ولا أجد دواء.”ويقول محمد إسماعيل، وهو مزارع اضطر إلى ترك أرضه بسبب القتال لـ”أفق جديد”: “خرجنا دون أن نحمل سوى الملابس التي نرتديها. كنا نعتقد أن النزوح سيكون مؤقتًا، لكن الأشهر تمر ونحن نعتمد بالكامل على المساعدات التي لم تعد تكفي الجميع. أصبح الحصول على الطعام أكثر صعوبة يومًا بعد يوم.”
من جانبه، أوضح أحد المتطوعين العاملين في الاستجابة الإنسانية بالأبيض لـ”أفق جديد”، أن مراكز الإيواء تستقبل أعدادًا جديدة بشكل شبه يومي، بينما تتراجع الموارد المتاحة. وقال: “الاحتياجات تتزايد بوتيرة أسرع من حجم الاستجابة. أكثر ما يقلقنا خلال موسم الخريف هو انتشار الأمراض المرتبطة بتلوث المياه، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى بعض المخيمات بعد هطول الأمطار.”
وأضافت إحدى العاملات في المجال الصحي داخل أحد مراكز الإيواء أن الأطفال وكبار السن هم الأكثر تأثرًا. وقالت: “نلاحظ تزايدًا في حالات الإسهال والحمى وسوء التغذية، ومع نقص الأدوية والمستلزمات الطبية يصبح التعامل مع الحالات أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا استمرت الأمطار وتزايدت أعداد النازحين”.
ويرى عدد من سكان الأحياء المستضيفة أن الأزمة لم تعد تقتصر على النازحين وحدهم، بل بدأت تلقي بظلالها على المجتمع المحلي أيضًا. ويقول أحد وجهاء الأحياء: “فتح الناس بيوتهم وتقاسموا ما لديهم منذ بداية الأزمة، لكن استمرار النزوح وارتفاع الأسعار جعلا الجميع يواجه ضغوطًا معيشية غير مسبوقة. التضامن لا يزال قائمًا، لكنه يحتاج إلى دعم حقيقي حتى يستمر”.
وتحذر منظمات إنسانية من أن استمرار تدفق النازحين، مقابل تراجع الموارد الإنسانية، يضع المدينة أمام تحديات متصاعدة قد تتجاوز قدرات المجتمعات المستضيفة والجهات الإغاثية. كما تثير الأمطار الغزيرة والفيضانات المحتملة مخاوف من انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، وتدهور الأوضاع الصحية، خاصة بين الأطفال والنساء وكبار السن.
وفي ظل غياب حلول قريبة للنزاع، تبدو معاناة النازحين مرشحة لمزيد من التفاقم. فكل يوم يمر يحمل مزيدًا من الأسر التي تفقد مأواها، ومزيدًا من الأطفال الذين يواجهون الجوع والمرض، بينما تتسع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية وحجم الاستجابة. ومع اقتراب ذروة موسم الأمطار، لا يواجه النازحون قسوة الحرب وحدها، بل يصارعون أيضًا معركة يومية من أجل البقاء، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم.





