المايقوما تغلق أبوابها ..” فاقدو السند” .. أطفال على قارعة الطريق

أم درمان: شمائل النور

“بينما كنت عائدة إلى منزلي عقب صلاة التراويح في رمضان المنصرم، صادفت تجمعًا لبعض المارة بالحارة الثامنة بأم درمان، فإذا بطفل حديث الولادة رُمي به في قارعة الطريق، شعرت بألم رهيب، ورغبة أكبر في احتضانه”. الحديث للسيدة مي عباس، وهي تقطن أم درمان. تقول مي في حديثها لـ”أفق جديد”: قررت في لحظتها تبني هذا الطفل، وهي أول تجربة لي وللأسرة.

وتتابع حديثها: “قمت أنا وأخي بالإجراءات الرسمية اللازمة بقسم شرطة الحارة العاشرة، وتم تحويلنا للمستشفى للتأكد من صحته، حيث مكث في الرعاية نحو 24 ساعة، وبعدها انتقلنا إلى المنزل ليكمل الطفل، الذي أُطلق عليه اسم “أحمد”، شهره الرابع مع أمه البديلة “مي عباس”.

ورغم أن الظروف الاقتصادية لمي عباس ليست على ما يرام، كحال كثير من الأسر السودانية التي عصفت بها الحرب، إلا أنها تشعر بسعادة غامرة ومحبة كبيرة تجاه طفلها الجديد، وتجربة مي مختلفة لكونها غير متزوجة، فيما جرت العادة أن تمنح وزارة الرعاية الاجتماعية حق التبني للأمهات أو المتزوجات اللاتي لم ينجبن، عطفًا على أن حالات التبني للشابات تبدو نادرة في المجتمع السوداني.

استراتيجية تجفيف الدور والدمج الفوري داخل الأسر

أحمد ليس وحده، هو ضمن عشرات الأطفال الذين يتم العثور عليهم بشكل يومي ومتصاعد في ولاية الخرطوم، تارة بالقرب من مستشفى، وتارة قرب قسم شرطة، وتارة في مكب نفايات، وترصد صفحات متطوعين بشكل راتب العثور على أطفال حديثي الولادة يتم التخلص منهم في ظروف قاتلة.

يفسر وزير التنمية الاجتماعية المكلف بولاية الخرطوم، صديق فريني، حالات الرصد المتصاعدة للأطفال فاقدي السند حديثي الولادة بأنها مرتبطة تمامًا بمستوى العودة الطوعية والاستقرار الذي حدث في ولاية الخرطوم، كما أن في السابق كانت دار المايقوما معلومة للجميع لاستقبال الأطفال، لكن بعد إغلاق الدار أصبح التخلص من الأطفال يتم بهذه الأساليب، وتتولى الشرطة أو المتطوعون إحضارهم إلى المستشفيات.

فريني

وتحصي وزارة التنمية الاجتماعية الولائية 44 طفلًا مجهول النسب في الفترة من (نهاية يناير – الأسبوع الأول من يوليو)، هؤلاء مدرجون في بيانات الوزارة، وكانت دار المايقوما تستقبل 600 طفل سنويًا، وفقًا لبيانات الوزارة.

وخلال الأسابيع الأولى من الحرب انتقلت دار المايقوما إلى مدينة مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، في ظروف استثنائية، وكانت تضم 301 طفل، ونظرًا للظروف السيئة خلال أسابيع الحرب الأولى بالخرطوم، فقدت الدار نحو 40 طفلًا، قُدرت بمعدل 11 طفلًا يوميًا، وبعد تمدد الحرب إلى ولاية الجزيرة انتقلت الدار إلى كسلا، حيث تتبع حاليًا لحكومة ولاية كسلا.

ومع الغياب القسري لنشاط الوزارة بسبب الحرب في الخرطوم، ظلت أقسام الشرطة تقوم باستلام الأطفال، ومن ثم إلحاقهم بأسر بديلة بإجراءات مؤقتة، وذلك في الفترة منذ 2023 وحتى 2025، لتتولى لاحقًا الوزارة كافة الإجراءات الراتبة.

وكشف فريني في مقابلة مع “أفق جديد” عن استراتيجية جديدة للدولة تجاه دور الإيواء، تقوم على تجفيف دور الإيواء مقابل الدمج الأسري الفوري، وتخصيص بعض المستشفيات لاستلام الأطفال فاقدي السند، على أن تقوم الوزارة من خلال برامجها بنقل الطفل إلى أسرة مباشرة دون الإبقاء عليه في أي مكان، وهي استراتيجية مغايرة لما كان عليه الوضع قبل الحرب.

المايقوما… خراب ومديونيات ثقيلة

وتشير “أفق جديد” إلى حجم الخراب الذي طال دار المايقوما، والتي أصبحت غير مؤهلة لتقديم أي خدمات، كما أن تراكم المديونيات وشح الميزانية يبدو أنه دفع بالوزارة لتغيير استراتيجيتها. وأشار فريني إلى تكليف لجنة لحصر مديونيات دار المايقوما، لكنه أكد أن متعهد الأغذية فقط مدين للوزارة بـ750 ألف دولار، وتحاشى فريني تقدير حجم مديونية الدار الكلية، واكتفى بانتظار تقييم اللجنة المكلفة بذلك.

وتخصص الوزارة 80% من ميزانيتها لدور الإيواء، بما فيها دور المسنين، لكن الحرب فرضت واقعًا جديدًا يواجه الوزارة بعد استئناف نشاطها، مما دفعها لوضع استراتيجية جديدة تجاه دور الإيواء، وهناك مخاوف من أن تُحدث هذه الاستراتيجية بعض الفجوات في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية العامة للأسر، ما قد يجعل هناك إحجامًا عن عمليات التبني.

تقول مي عباس: “لا أعتقد أنني سأتمكن من تبني مزيد من الأطفال في ظل وضعي المعيشي الحالي، رغم رغبتي الكبيرة في ذلك”. وتشير مي إلى أن ميزانية حليب الطفل أحمد تكلفها شهريًا نحو 90 ألف جنيه، بخلاف الاحتياجات الأخرى، وهي تتخوف من زيادة احتياجاته كلما كبر في السن.

لكن الوزارة تقول إنها تتلقى طلبات تبنٍّ بشكل يومي يتراوح بين 1 – 2، غير أنها تواجه مشكلة حقيقية في إحجام الأسر عن تبني الأطفال الذكور، عطفًا على رصد عدد من حالات الإرجاع، وتعزو الوزارة حالات الإرجاع إلى صعوبة إخبار الطفل بالحقيقة، أو انفصال الزوجين، أو وقوع خلافات لاحقة بشأن الطفل.

ويشير فريني إلى ظهور حالات أطفال فاقدي السند في بعض الأرياف لأول مرة، مشددًا على أهمية التوعية المجتمعية لتقبل هؤلاء الأطفال، داعيًا الأسر لاستيعابهم.

بدوره يقول المتطوع بمستشفى النو، علي جباي، الذي ينشط في هذا الملف، إنهم خلال شهور الحرب الأولى، ومع توقف نشاط الوزارة، كانوا يبادرون بالبحث عن أسر بعلاقاتهم الخاصة، ثم تتولى الشرطة بقية الإجراءات. ويشير جباي في مقابلة مع “أفق جديد” إلى أن مبادرتهم بنت شبكة أمهات باتت تتولى الحضانة الطارئة قبل عودة الوزارة، ويحصي جباي عدد 150 طفلًا منذ قبل سيطرة الجيش على ولاية الخرطوم بالكامل.

علي جباي

ويقول إنه يتلقى اتصالات مباشرة من بعض الأمهات يطلبن حماية أطفالهن بعيدًا عن أنظار الأسر والمجتمع.

ويتوقع جباي زيادة في أعداد الأطفال فاقدي السند مع زيادة نسبة الاستقرار في ولاية الخرطوم، مشددًا على وجود عدد من الأطفال مدمجين داخل الأسر، لكنهم غير مدرجين في بيانات الوزارة، وبالنسبة له فإن الدور المطلوب تجاه هؤلاء الأطفال هو دور تشاركي بين الدولة والمجتمع والشباب.

ويشدد فريني على أن الاستراتيجية الجديدة هي وضع نظام متكامل لاستيعاب هؤلاء الأطفال وحمايتهم في بيئة أسرية آمنة، على أن تتحول فكرة المايقوما إلى منصة تدريب وتأهيل وتوعية، مشيرًا إلى كثير من المشكلات النفسية والسلوكية المصاحبة للأطفال الناشئين في مراكز الإيواء، منبهًا على أن البيئة الطبيعية لأي شخص أن يعيش وسط أسرة، مضيفًا أن أولوية الوزارة أن يحصل الطفل فاقد السند على أسرة، وليست أولويتنا أن تحصل الأسر الراغبة على أطفال.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى