خذل القوى المدنية مرارًا… فهل من مزيد؟ حوار مع عقار… عطار يحاول إصلاح ما أفسدته المواقف.

عثمان فضل الله 

يُعدّ رئيس الحركة الشعبية شمال  مالك عقار إير  من أكثر قادة الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا الذين علّقت عليهم قوى واسعة من ثورة ديسمبر آمالاً كبيرة، ليس فقط لثقله السياسي، وإنما لانتمائه إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي شكّل مشروعها الفكري، منذ انطلاقه، أحد أكثر المشاريع السياسية تأثيرًا في تاريخ السودان الحديث. فقد حظي “المنفستو” الأول للحركة بقبول واسع وسط قطاعات من النخب السياسية والأكاديمية، واستقطب سودانيين من مختلف الأقاليم والخلفيات الاجتماعية والمهنية، بوصفه مشروعًا يدعو إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس المواطنة والمساواة والعدالة، متجاوزًا الانقسامات التقليدية التي ظلت تؤرق الحياة السياسية السودانية.

من تلك الخلفية ولدت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، التي آلَت رئاستها إلى مالك عقار عقب انفصال جنوب السودان. وقد بدت، في نظر كثيرين، امتدادًا لمشروع سياسي حمل شعارات إعادة بناء الدولة، على خلاف معظم الحركات المسلحة التي انضمت لاحقًا إلى اتفاق سلام جوبا، والتي ارتبط تاريخ نشأتها، في نظر منتقديها، بصراعات مسلحة ذات طابع جهوي أكثر من ارتباطها بمشروع وطني متكامل.

 

لهذا، عندما وقع انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، راهنت قطاعات واسعة من قوى الثورة، ولا سيما تيارات اليسار، على أن يقف عقار في صف الحراك الشعبي، انسجامًا مع إرث الحركة التي خرج منها. لكن الرجل اختار الاصطفاف إلى جانب السلطة، مع حرصه على الإبقاء على هامش سياسي يبرر به موقفه، مؤكدًا أن بقاءه داخل مجلس السيادة يهدف إلى الحيلولة دون انحراف البلاد عن شعارات ومبادئ ثورة ديسمبر.

ذلك الخيار لم يمر من دون ثمن، فقد انقسمت الحركة الشعبية شمال، وتباينت مواقف كوادرها وقياداتها؛ فانحاز فريق إلى الشارع وقوى الثورة، بينما مضى عقار في طريق المشاركة داخل مؤسسات السلطة، مفضّلًا الرهان على التأثير من الداخل.

ومع اندلاع الحرب، عاد السؤال القديم ليفرض نفسه من جديد: هل سيغادر عقار موقعه الرسمي ليعود إلى الإرث السياسي الذي صنع صورته لدى كثير من السودانيين؟ لكن قبول منصب نائب رئيس مجلس السيادة في مايو 2023  بدا، في نظر كثيرين، تأكيدًا لاستمرار خياره السابق، ورغم أن بيان قبوله المنصب شدد على أن وجوده في الموقع الجديد سيكون وسيلة للعمل على وقف الحرب وفتح الطريق أمام تسوية سياسية، وسارع الرجل  إلى تقديم مبررات قبوله للمنصب بلغة حاولت أن تنأى بقراره عن الاصطفاف السياسي. ففي أول تصريح له، أكد أن قبوله التكليف “ليس بديلاً لأحد ولا انحيازًا لأي طرف، وإنما انحيازٌ للسودان ومصلحة مواطنيه”، مضيفًا أن واجب المرحلة يتمثل في “العمل على إيقاف هذه الحرب والتوصل إلى حلول منطقية عبر مائدة التفاوض”، مع التعهد بالسعي إلى وقف دائم لإطلاق النار وتخفيف المعاناة الإنسانية.

غير أن هذه التعهدات وضعت الرجل أمام اختبار سياسي وأخلاقي بالغ الصعوبة. فكلما امتدت الحرب، وتعقدت مساراتها، وتراجعت فرص التسوية، ازداد السؤال إلحاحًا حول ما إذا كان وجوده في قمة السلطة قد أسهم بالفعل في تقريب السلام الذي وعد به، أم أنه تحول، بمرور الوقت، إلى جزء من معادلة الحكم التي عجزت عن وقف الحرب أو تغيير مسارها.

مغادرة مربع الحياد

لكن خطاب الحياد الذي قدمه عقار عند قبوله منصب نائب رئيس مجلس السيادة لم يصمد طويلًا أمام تطورات الحرب. فما إن مضت أشهر قليلة حتى انتقل الرجل من موقع المتحدث عن وقف إطلاق النار والتفاوض إلى موقع الداعي صراحةً إلى الاصطفاف خلف أحد طرفي الصراع.

ففي ورشة تشاورية استضافتها حكومة جنوب السودان في أكتوبر 2023  وجمعت قادة الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا لبحث سبل إيقاف الحرب، شن عقار هجومًا على الحركات التي أعلنت  وقتها التزامها الحياد، واعتبر أن الحياد “لا يتوافق مع الواقع”، قبل أن يدعوها بوضوح إلى الالتفاف حول موقف واحد هو مساندة الجيش، محذرًا من أن انهياره يعني انهيار السودان نفسه.

ولم يمر ذلك الموقف دون اعتراض. إذ قوبلت كلمته بهمهمات رافضة من بعض الحضور، فيما سارع رئيس لجنة الوساطة الجنوب سودانية، توت قلواك، إلى التأكيد أن الاجتماع عُقد للبحث عن مخرج للحرب، لا لتعميق الانقسام أو دفع الأطراف إلى الاصطفاف مع أي من المتحاربين، مشددًا على أن هدف الرئيس سلفا كير هو السلام والاستقرار في السودان، وأن المطلوب هو الحفاظ على وحدة الحركات لا تقسيمها.

ولم يقتصر تحول عقار على دعوة الحركات إلى الانخراط في معسكر الجيش، بل وسّع دائرة المواجهة السياسية، فشن هجومًا عنيفًا على قوات الدعم السريع، كما وجّه انتقادات حادة لقوى الحرية والتغيير، متهماً إياها بالاستقواء بالمجتمعين الإقليمي والدولي، ومحملًا الاتفاق الإطاري جانبًا من المسؤولية عن تعميق الأزمة السياسية.

وبذلك، بدا أن التعهد الذي أطلقه عند توليه المنصب، والقائم على استخدام موقعه للدفع نحو وقف الحرب عبر التفاوض، قد تراجع لصالح خطاب سياسي أكثر انخراطًا في معادلة الصراع، الأمر الذي عزز الانطباع بأن الرجل غادر عمليًا مساحة الحياد التي أعلنها، وانتقل إلى مربع الاصطفاف السياسي والعسكري، بما حمله ذلك من تأثير في إطالة الاستقطاب بدلًا من تضييق مسافة السلام.

ولم تتوقف تحركات عقار عند موسكو. ففي نوفمبر من العام نفسه، قاد وفدًا رفيع المستوى إلى الصين، في زيارة عكست انتقال دوره من الحديث عن وقف الحرب إلى الانخراط في حشد الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي لمعسكر السلطة.

وضم الوفد وزير الدفاع الفريق يس إبراهيم، ووزير المالية جبريل إبراهيم، ووكيل وزارة الخارجية السفير إبراهيم دفع الله، في إشارة إلى أن الزيارة تجاوزت الطابع الدبلوماسي التقليدي، لتصبح جزءًا من تحرك رسمي متكامل تقوده الدولة خلال الحرب.

وعقب لقائه وزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين، كشف عقار بنفسه عن أن المرحلة المقبلة ستشهد اجتماعات متخصصة في الملفات الأمنية والدفاعية مع المسؤولين الصينيين، وهو تصريح عُدّ آنذاك مؤشرًا واضحًا على أن أجندة الزيارة لم تقتصر على الجوانب السياسية أو الاقتصادية.

وأوضح أن المباحثات تناولت الأوضاع الأمنية في السودان وفرص الاستثمار في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، مع تأكيد استعداد السلطات لتوفير الحماية اللازمة للاستثمارات الصينية، كما وجّه الشكر لبكين على دعمها للسودان في مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان، مشيرًا إلى أن وزير الخارجية الصيني تعهد بمواصلة دعم السودان في مختلف المجالات، والعمل على تشجيع المؤسسات الاقتصادية الصينية على استئناف أنشطتها في البلاد.

وبالنظر إلى سياق الزيارة وما صدر عنها من تصريحات، بدت بكين محطة جديدة في مسار تحركات عقار الخارجية الرامية إلى تعزيز موقف السلطة التي ينتمي إليها، وهو ما عزز الانطباع بأن الرجل كان يكرس جهده لتوسيع شبكة الدعم السياسي والاستراتيجي لمعسكر الجيش، أكثر من تكريسها لبناء مسار تفاوضي يفضي إلى إنهاء الحرب التي قال عند توليه المنصب إن أولويته ستكون إيقافها.

العودة من الشباك 

ومنذ التاسع عشر من مايو 2023، وهو اليوم الذي أدى فيه اليمين نائبًا لرئيس مجلس السيادة، لم يعد السلام هو العنوان الأبرز في مواقف مالك عقار. فبدلًا من توظيف موقعه للدفع نحو تسوية سياسية، انخرط بصورة متزايدة في دعم معسكر الحرب، ولعب دورًا محوريًا في دفع عدد من حركات دارفور الموقعة على اتفاق جوبا إلى الاصطفاف إلى جانب الجيش، وهو تحول أسهم في توسيع رقعة المواجهة وتعميق الاستقطاب السياسي والاجتماعي في البلاد.

وتروي قيادات في قوى الحرية والتغيير أنها لمست هذا التحول بصورة مباشرة خلال لقاء جمعها بعقار في القاهرة عقب عودته من زيارته إلى الصين. فبحسب روايات المشاركين، بدا الرجل متحمسًا للحسم العسكري أكثر من أي خيار سياسي، وأشار إلى مجموعة من الصناديق كانت موضوعة داخل مقر إقامته قائلاً: “دي مسيرات جبتها معاي من الصين… وسنحسم هذه المعركة عسكريًا”. وقد ترك ذلك الحديث، وفقًا لمن حضروا اللقاء، انطباعًا بأن نائب رئيس مجلس السيادة لم يعد يتحدث بعقلية الوسيط أو الباحث عن تسوية، وإنما بعقلية المنخرط بالكامل في معركة عسكرية يراها السبيل الوحيد لإنهاء الصراع.

ومنذ تلك الفترة، يقول عدد من قيادات القوى المدنية إن قنوات التواصل مع عقار أخذت تضيق تدريجيًا، إلى أن انقطعت تقريبًا، بعدما بات، في نظرهم، أقرب إلى التعبير عن مواقف القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان منها إلى تقديم مبادرات مستقلة يمكن البناء عليها لإيقاف الحرب.

وتجلى هذا المسار مرة أخرى خلال مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية الذي استضافته القاهرة في يوليو 2024. فالمؤتمر، بحسب عدد من المشاركين، كان على وشك تحقيق اختراق مهم في جدار الأزمة عبر التوافق على بيان ختامي يمثل أرضية مشتركة لوقف الحرب، غير أن ذلك المسعى تعثر في ساعاته الأخيرة بعد رفض عدد من حركات دارفور، ومعها مالك عقار، التوقيع على البيان، رغم مشاركتهم الفاعلة في صياغة بنوده خلال جلسات التفاوض. وقد دفع هذا الموقف كثيرًا من المراقبين إلى ترجيح أن قرار الامتناع عن التوقيع لم يكن قرارًا مستقلًا، وإنما جاء استجابة لتوجيهات صدرت من بورتسودان في اللحظات الأخيرة، وهو ما حال دون خروج المؤتمر بما كان يمكن أن يشكل نقطة تحول في مسار الحرب.

في الأسبوع الماضي، استوقفني خبر نشرته صحيفة “صوت الأمة”، الناطقة باسم حزب الأمة القومي، والتي يرأس تحريرها الزميل الطاهر المعتصم، يفيد بأن مالك عقار أجرى اتصالات بعدد من قادة القوى السياسية، طارحًا ما وصفه بمبادرة للحوار الوطني.

دفعتني تلك المعلومة إلى البحث عن تفاصيل المبادرة، لا سيما أن أي تحرك جاد نحو الحوار يظل، في ظل هذا الخراب، جديرًا بالتوقف عنده. كما أن معطيات متقاطعة كانت تشير إلى أن عقار لم يعد يحتفظ بالنفوذ ذاته داخل معسكر بورتسودان، وأن موقعه السياسي أخذ يتراجع بصورة لافتة، حتى باتت المجالس السياسية تتداول أحاديث عن تهميشه وتزايد شعوره بعدم الرضا عن موقعه داخل منظومة الحكم.

ولم تكن تلك الانطباعات وليدة التسريبات وحدها، فقد سبق للرجل نفسه أن أطلق، في أبريل الماضي، خلال مؤتمر للكتلة الديمقراطية، عبارة بدت أقرب إلى الاعتراف بالأزمة حين قال: “لا أدري أقولها كحركة شعبية أم أقولها كحكومة… نحن ماشين غلط.” وكانت تلك من المرات النادرة التي خرج فيها عقار عن الخطاب الرسمي ليبعث برسالة تعكس حجم المأزق الذي وصلت إليه السلطة التي ينتمي إليها.

لهذا السبب، سعيت إلى الحصول على الورقة التي عممها على عدد من القيادات السياسية، كما تحدثت مع بعض من تلقوا اتصالاته يدعوهم فيها إلى الالتفاف حول المبادرة. وكان السؤال الذي قاد هذا البحث بسيطًا: هل تمثل هذه المبادرة مراجعة حقيقية للمسار الذي اختاره الرجل منذ اندلاع الحرب، أم أنها مجرد محاولة جديدة لإعادة التموضع السياسي في لحظة تبدو فيها موازين القوى داخل معسكر السلطة نفسها آخذة في التغير؟.

لكن، هل تمثل هذه الورقة بالفعل مراجعة سياسية حقيقية؟ أم أنها محاولة لإعادة التموضع بعد أن تغيرت موازين القوى داخل معسكر بورتسودان؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من قراءة النص في ضوء تاريخ كاتبه، لا في عزلة عنه. فالوثائق السياسية لا تُقاس بجمال عباراتها، وإنما بالسياق الذي ولدت فيه، وبالمسار الذي قطعه أصحابها قبل أن يكتبوها.

عباءة دون أخرى

وأول ما يلفت الانتباه أن مالك عقار اختار أن يخلع عباءة منصبه نائبًا لرئيس مجلس السيادة، وأن يخاطب القوى السياسية بصفته رئيسًا للحركة الشعبية – شمال، مؤكداً أنه لا يتحدث باسم مجلس السيادة ولا يلزم مؤسسات الدولة بموقفه. وقد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، محاولة لمنح الورقة طابعًا سياسيًا مستقلاً، لكنه في الحقيقة يثير مفارقة يصعب تجاوزها. فالرجل ليس زعيم حزب يقف خارج السلطة، وإنما يشغل ثاني أعلى منصب في الدولة، وكان طوال السنوات الثلاث الماضية أحد أبرز الوجوه السياسية لمعسكر الحرب. بل إن الحركة التي يقودها لم تكن متفرجة على الصراع، وإنما انخرطت فيه منذ أيامه الأولى، ودُفعت قواتها من النيل الأزرق للمشاركة في العمليات العسكرية إلى جانب الجيش. ولذلك فإن تقديم نفسه اليوم باعتباره صاحب دعوة للحوار بين القوى السياسية يطرح سؤالاً مشروعًا: هل يمكن لمن كان طرفًا أصيلاً في الحرب أن يقدم نفسه وسيطًا بين أطرافها؟

ثم تمضي الورقة إلى الحديث عن الحرب بوصفها قضية ينبغي الاتفاق أولاً على تعريفها، غير أنها تقع في تناقض واضح منذ سطورها الأولى. فهي تقرر بصورة قاطعة أن ما جرى منذ أبريل 2023 هو “حرب شنتها قوات الدعم السريع على الدولة والمجتمع”، قبل أن تدعو بعد ذلك إلى حوار يبدأ بسؤال: ما طبيعة الحرب؟ فإذا كانت الإجابة قد حُسمت مسبقًا داخل مقدمة الوثيقة، فما الذي سيتحاور حوله المشاركون؟ وهل المقصود بالحوار إنتاج فهم مشترك، أم حمل الآخرين على تبني الرواية التي ينطلق منها صاحب الورقة؟

ولا تقف المفارقة عند هذا الحد، فالوثيقة تؤكد أنها ليست مبادرة مكتملة ولا تقدم حلولاً جاهزة، لكنها في الوقت نفسه تحدد الإطار الفكري والسياسي للحوار، وتضع توصيفًا للحرب، وموقفًا من الجيش، وموقفًا من الدعم السريع، ومن الإسلاميين، ومن المجتمع الدولي، ومن شكل الدولة والعلاقة بين المركز والهامش. أي أنها ترسم النتائج قبل أن تبدأ عملية النقاش، وهو ما يجعلها أقرب إلى ورقة موقف سياسي منها إلى دعوة مفتوحة لحوار وطني.

وتحاول الورقة، في أكثر من موضع، استعادة الإرث التاريخي للحركة الشعبية، فتستحضر مفاهيم السودان الجديد، والمواطنة، والعدالة، والسلام، والديمقراطية، بل وتوجه رسالة إلى من غادروا الحركة أو اختلفوا معها، داعية إلى فتح صفحة جديدة. وهي لغة تستعيد الخطاب الذي صنعت به الحركة الشعبية حضورها في المجال السياسي السوداني، لكنها تثير سؤالاً آخر: لماذا لم تظهر هذه الروح عندما كانت البلاد في أمس الحاجة إليها، بينما كان صاحب الورقة يدعو إلى الحسم العسكري، ويجوب العواصم بحثًا عن الدعم السياسي والاستراتيجي لمعسكر الجيش؟

ومن أكثر فقرات الورقة إثارة للانتباه تلك التي تؤكد أن إنهاء الحرب لا يمكن أن يتحقق عبر المعالجة العسكرية وحدها، وأن الحوار السياسي يجب أن يسير بالتوازي مع التفاوض العسكري. وهي خلاصة يصعب الاعتراض عليها، لكنها تصطدم مباشرة بسجل الرجل نفسه، الذي ظل، منذ الأيام الأولى للحرب، من أبرز دعاة الحسم العسكري، ودفع حركات دارفور الموقعة على اتفاق جوبا إلى الاصطفاف خلف الجيش، وأسهم بذلك في تضييق مساحة الحياد وتوسيع دائرة الحرب.

كما تطرح الوثيقة فكرة الجيش الوطني الواحد وإنهاء تعدد الجيوش، وهي فكرة ظلت الحركة الشعبية ترفعها منذ سنوات، لكنها تتجاهل أن كاتبها يشغل منذ مايو 2023 منصب نائب رئيس مجلس السيادة، وكان شريكًا في السلطة التي لم تتمكن من إنجاز الترتيبات الأمنية، ولم تقدم مراجعة لمسؤوليتها عن تعثرها، مكتفية بإلقاء اللوم على الظروف وتعقيدات التنفيذ.

غير أن أكبر نقاط ضعف الورقة، في تقديري، لا تكمن في تناقضاتها الداخلية فحسب، وإنما في الجهة التي اختارت مخاطبتها. فهي موجهة أساسًا إلى القوى السياسية والمدنية، وهي قوى لا تحمل السلاح ولا تملك القرار العسكري الذي يوقف الحرب أو يواصلها. أما الطرف الذي يقاتل على الأرض، والقوى السياسية المتحالفة معه، فلم يجد مكانًا حقيقيًا داخل هذه الدعوة، وكأن الأزمة السودانية يمكن حلها عبر توافق القوى المدنية وحدها، بينما يظل أصحاب البنادق خارج معادلة الحوار.

وهنا تستعاد ذاكرة السنوات الماضية. فالرجل الذي نجح في استقطاب عدد من حركات دارفور من مربع الحياد إلى الاصطفاف مع الجيش، يبدو اليوم وكأنه يحاول إنجاز المهمة نفسها مع القوى السياسية المدنية، ولكن هذه المرة تحت لافتة “الحوار الوطني”. ولذلك يصعب قراءة هذه الورقة باعتبارها قطيعة مع مواقفه السابقة، بقدر ما تبدو امتدادًا لها، مع تغيير في الأدوات والخطاب.

ولهذا كله، فإن السؤال الحقيقي الذي ستواجهه هذه الورقة ليس مدى جودة لغتها أو سلامة بنائها الفكري، وإنما مدى استعداد صاحبها لإجراء مراجعة سياسية حقيقية لدوره في هذه الحرب. فالوثيقة تخلو من أي نقد ذاتي، ولا تعترف بخطأ الدعوة إلى الحسم العسكري، ولا تتوقف عند دوره في اصطفاف الحركات المسلحة، ولا تفسر كيف تحولت وعوده الأولى بالعمل من أجل وقف الحرب إلى سنوات من الانخراط الكامل في معسكرها. ومن دون تلك المراجعة، سيظل من الصعب إقناع كثيرين بأن ما بين أيديهم هو بداية تحول سياسي جديد، لا مجرد محاولة لإعادة التموضع في لحظة تبدو فيها موازين القوى داخل معسكر السلطة نفسها آخذة في التبدل.

رفض مبطن

ولم تكن هذه الملاحظات حكرًا على كاتب هذه السطور وحده فكما اسلفت تحدثت الى من وصلتهم الورقة او سمها الدعوة، وكان من اللافت أن كثيرًا من قراءاتهم ذهبت في الاتجاه ذاته، وإن اختلفت في درجة التفاؤل بإمكانية البناء على المبادرة.

وقال أحد تلك القيادات، طالبًا أن يُنقل رأيه دون ذكر اسمه، إن المشكلة الأساسية في الورقة أنها “حسمت نقطة الخلاف قبل أن تبدأ الحوار”. وأضاف: “حين تدعو إلى حوار، لا يمكنك أن تبدأ بتبني سردية طرف واحد، ثم تطلب من الآخرين أن يأتوا للنقاش. هو أخذ السردية الرسمية لمعسكر بورتسودان كاملة، وقرر منذ البداية أن الحرب هي عدوان شنته جهة على الدولة، وبذلك أغلق الباب أمام أي قراءة أخرى لطبيعة الصراع، رغم أنه يدعو الناس للاجتماع من أجل الاتفاق على طبيعة الحرب نفسها.”

ويرى القيادي أن الوثيقة، بهذا المعنى، لا تنطلق من أرضية محايدة يمكن أن تجمع المختلفين، وإنما من موقف سياسي مسبق، الأمر الذي يجعل الحوار المقترح أقرب إلى استقطاب الآخرين نحو مربع محدد، لا إلى صناعة مربع جديد يلتقي عنده الجميع.

ومع ذلك، لم يرفض الرجل الورقة بالكامل، إذ اعتبر أن مجرد الدعوة إلى جلوس القوى السياسية معًا تظل خطوة تستحق الترحيب، لكنها لن تكون كافية ما لم يسبقها استعداد حقيقي لفتح النقاش دون افتراضات مسبقة أو اشتراطات سياسية.

ويطرح المصدر نفسه سؤالًا آخر لا يقل أهمية عن مضمون الورقة نفسها، وهو متعلق بصاحبها أكثر من نصها. فإذا كان مالك عقار يشغل منصب نائب رئيس مجلس السيادة، فلماذا اختار أن يوقع الرسالة بصفته رئيسًا للحركة الشعبية – شمال؟ هل أراد أن ينأى بالمؤسسة الرسمية عن المبادرة؟ أم أنه لم يعد يمتلك داخل السلطة ما يسمح له بإطلاقها من موقعه الدستوري؟ أم أن الخطوة نفسها تمت بعلم قيادة الدولة وتنسيق معها، لتكون بمثابة جس نبض للقوى السياسية دون التزام رسمي؟

أسئلة لا تقدم الورقة إجابات عنها، لكنها تظل جزءًا من السياق الذي ينبغي أن تُقرأ فيه. فالوثيقة ليست مجرد نص سياسي، بل رسالة صادرة عن رجل يقف في قلب السلطة، ويختار، لسبب ما، أن يتحدث هذه المرة بلسان الحزب لا بلسان الدولة. وهذا الاختيار، في حد ذاته، لا يقل دلالة عن مضامين الرسالة نفسها.

ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل يتحرك مالك عقار بمبادرة شخصية، أم أن تحركاته تجري بعلم وتنسيق مع رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان؟

هذا السؤال تفرضه طبيعة الموقع الذي يشغله الرجل، قبل أن تفرضه تعقيدات المشهد السياسي داخل معسكر بورتسودان، الذي لم يعد كتلة متماسكة كما كان في بدايات الحرب، بل بات يعج بالتباينات والصراعات وتعدد مراكز التأثير.

وطبقًا لمعلومات حصلت عليها من مصدر مقرب من عقار، فإن نائب رئيس مجلس السيادة أبلغ البرهان مسبقًا بخطوة إطلاق هذه الدعوة للحوار، بما ينفي، على الأقل، فرضية أنها تمت بعيدًا عن علم رأس المؤسسة العسكرية. غير أن المصدر نفسه تحفظ على الإجابة عن سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تمثل هذه المبادرة محاولة من عقار لانتزاع زمام المبادرة السياسية، في مواجهة المسار الذي تقوده الآلية الخماسية بدعم إقليمي ودولي؟

ففي الوقت الذي يدعو فيه عقار إلى حوار بين القوى السياسية، تعمل الآلية الخماسية على مسار سياسي أكثر اتساعًا، يقوم على إشراك طيف أوسع من الفاعلين السودانيين، بما في ذلك تحالف “تأسيس”، وهو ما يمنح تحركها، في نظر كثيرين، قدرًا أكبر من الشمول والقدرة على مخاطبة مختلف أطراف الأزمة، مقارنة بمبادرة تنطلق من أحد أبرز المسؤولين في معسكر السلطة.

ورغم ذلك، يشير المصدر إلى أن مسار الآلية الخماسية نفسه لم يحقق، حتى الآن، الاختراق المأمول، وأن تحركاتها ما تزال تتسم بالبطء والتعثر، الأمر الذي قد يكون فتح الباب أمام محاولات موازية لملء الفراغ السياسي، أو على الأقل حجز موقع متقدم في أي عملية تفاوضية قد تفرضها التطورات المقبلة.

وهكذا، فإن مبادرة عقار لا يمكن فصلها عن سباق المبادرات الذي بدأ يتشكل مع اتساع القناعة، داخليًا وخارجيًا، بأن الحرب تقترب من لحظة تستدعي مسارًا سياسيًا جديدًا. غير أن نجاح أي مبادرة لن يتوقف على حسن صياغة أوراقها، وإنما على قدرتها على إقناع السودانيين بأنها تعبر عن إرادة مستقلة لإنهاء الحرب، لا عن محاولة لإعادة إنتاج موازين القوى القائمة بوسائل سياسية جديدة.

 إثبات جدية

وفي الاتجاه نفسه، أبدى قيادي سياسي من خارج تحالف “صمود”، تشككًا في فرص نجاح المبادرة، رغم تأكيده أنها وصلت بالفعل إلى عدد من القوى السياسية

وقال إن المبادرة، بصيغتها الحالية، “يصعب أن تحقق اختراقًا حقيقيًا”، لأن المشكلة لا تكمن في الدعوة إلى الحوار، وإنما في الجهة التي تخاطبها. وأضاف أن عقار، في تقديره، “يخاطب الأطراف الخطأ، بينما يترك الأطراف التي تملك القرار الفعلي باستمرار الحرب أو إيقافها”

ويرى القيادي أن الورقة تحمل، بين سطورها، هدفًا آخر لا يقل حضورًا عن الدعوة إلى الحوار، يتمثل في محاولة إعادة ترميم الحركة الشعبية – شمال بعد الانقسامات التي أصابتها نتيجة مواقف رئيسها. واستدل على ذلك بالمساحة الواسعة التي أفردتها الوثيقة للحديث عن الرفاق الذين غادروا الحركة أو اختلفوا معها، معتبرًا أن هذا الخطاب، على أهميته التنظيمية، “ليس هو القضية التي ينتظر السودانيون مناقشتها في هذه اللحظة، ولا المكان المناسب لإثارته داخل مبادرة يفترض أنها موجهة لمعالجة أزمة وطنية.”

وأضاف أن استعادة العلاقة مع رفاق الأمس، إذا كانت هدفًا حقيقيًا لعقار، لا تحتاج إلى الالتفاف عبر مبادرة عامة، وإنما إلى مصارحة سياسية مباشرة مع الذين افترقوا عنه بسبب خياراته السابقة، ومراجعة واضحة للمواقف التي قادت إلى ذلك الانقسام.

أما إذا كان الهدف هو البحث عن سلام حقيقي وإعادة بناء اللحمة الوطنية، فيرى المصدر أن الطريق يبدأ من مكان آخر تمامًا. وقال: “إذا كان عقار يريد إنهاء الحرب، فعليه أن يستخدم موقعه ونفوذه للجلوس مع قادة المعسكر الذي ينتمي إليه، ومع القوى السياسية المتحالفة معهم، لأنهم أصحاب القرار في ذلك المعسكر. فإذا نجح في إحداث اختراق هناك، فسيكون الانتقال بعد ذلك إلى القوى المدنية المناهضة للحرب خطوة طبيعية. أما أن يبدأ بمن لا يملك قرار الحرب، ويتجاوز من يملكه، فهذا يجعل المبادرة تدور في حلقة مفرغة.”

ويخلص القيادي إلى أن أي مسار جاد لإنهاء الحرب يجب أن يبدأ بمخاطبة مراكز القرار الفعلية لدى طرفي الصراع، لا الاكتفاء بالحوار مع القوى المدنية التي أعلنت، منذ وقت طويل، رفضها للحرب ودعوتها إلى وقفها. ولذلك، فإن المبادرة، بصيغتها الحالية، تبدو أقرب إلى محاولة لتحريك المشهد السياسي منها إلى خطة عملية لإحداث اختراق في جدار الأزمة.

وختاما لابد من التأكيد أن أي دعوة للحوار وانهاء المأساة التي يعيشها الشعب السوداني تجد الترحيب غير ان في السياسة، لا تُقاس قيمة المبادرات بما تحمله من عبارات رنانة، وإنما بما يسبقها من مراجعات، وما يحيط بها من صدقية، وما تفتحه من أبواب كانت مغلقة. ومبادرة مالك عقار، مهما حسنت لغتها أو خلصت نوايا صاحبها، ستظل أسيرة سؤال لم تجب عنه: ماذا تغير في الرجل حتى يدعو اليوم إلى الحوار بعد أن كان واحدًا من أكثر الأصوات حماسًا للحسم العسكري؟

فالسودانيون لا يطالبون السياسيين بخطابات جديدة، وإنما بمواقف جديدة. ولا ينتظرون من الذين أسهموا، بالفعل أو بالصمت أو بالاصطفاف، في إطالة أمد الحرب أن يكتفوا بتبديل المفردات، بل أن يملكوا شجاعة الاعتراف بأن الخيارات السابقة أوصلت البلاد إلى هذا الدمار.

إن أي حوار وطني جاد لا يبدأ من محاولة استقطاب القوى المدنية التي ظلت، في معظمها، تنادي بوقف الحرب منذ يومها الأول، وإنما يبدأ من مخاطبة الذين يملكون قرار البندقية، والقدرة على إسكاتها. يبدأ من إقناع معسكري الحرب بأن السودان أكبر من انتصار عسكري، وأن الدولة لا تُبنى بالغلبة، ولا تُدار بمنطق المنتصر والمهزوم.

وربما تكون هذه هي المفارقة التي ستظل تطارد ورقة عقار؛ فهي تدعو إلى الحوار، لكنها لم تتحرر بالكامل من لغة الاصطفاف. وتتحدث عن السلام، لكنها لم تقدم مراجعة للدور الذي لعبه صاحبها في ترجيح كفة الحرب. وتبحث عن أرضية مشتركة، لكنها تبدأ من سردية طرف واحد.

ولذلك، فإن نجاح هذه المبادرة لن يتوقف على عدد الذين يلبون الدعوة، بل على استعداد صاحبها لأن يبدأ الحوار مع نفسه أولًا. فالمراجعة الصادقة ليست اعترافًا بالهزيمة، وإنما أول شروط صناعة السلام. أما إذا بقيت المبادرات مجرد محاولة لإعادة ترتيب المواقع السياسية، فإنها لن تكون سوى فصل جديد في الأزمة نفسها، مهما تغيرت عناوينها.

لقد أنهكت الحرب السودان، ولم تعد البلاد تحتمل مبادرات تُدار بعقلية المعسكرات. وما يحتاجه السودانيون اليوم ليس حوارًا يُستدعى إليه المختلفون لإقناعهم بسردية جاهزة، وإنما عملية سياسية حقيقية يراجع فيها الجميع، بلا استثناء، أخطاءهم قبل أن يطالبوا الآخرين بمراجعة أخطائهم. فهكذا فقط يمكن أن يكون الحوار طريقًا إلى السلام، لا محطة أخرى في الطريق الطويل للحرب.

ادناه نص ورقة مالك عقار

رسالة إلى قيادات القوى والتحالفات السياسية السودانية

دعوة إلى لقاء تشاوري حول طبيعة الحرب والقضايا الخلافية المؤثرة في إنهائها

الإخوة والأخوات قادة القوى السياسية والتحالفات المدنية السودانية،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أخاطبكم في لحظة بالغة الخطورة من تاريخ بلادنا، وقد دخلت الحرب عامها الرابع، وازدادت كلفتها الإنسانية والسياسية والاجتماعية، وتهدد وحدة السودان، وتعاظمت معاناة المواطنين في المدن والقرى، ومعسكرات النزوح واللجوء، وتعرضت مؤسسات الدولة لمخاطر غير مسبوقة.

إن ما جرى منذ أبريل 2023 ليس مجرد صراع عسكري بين طرفين، بل حرب شتتها قوات الدعم السريع على الدولة والمجتمع، فوق أرضية أزمة سودانية ممتدة في بناء الدولة، وعجز مستمر عن حسم قضية علاقة السياسة بالسلاح، والسلام العادل، والانتقال المدني الديمقراطي، وعن فشل النخب السياسية، بدرجات متفاوتة، في بناء توافق وطني، وتحت دور القوى الإقليمية والدولية في شأننا الوطني. لذلك، فأصبح أن يبدأ الحوار حول حسم طبيعة الحرب.

ولا تهدف هذه الرسالة إلى طرح مبادرة مكتملة أو بديل جاهز للعملية السياسية، بل مقترح لخطوة تمهيدية عملية: لقاء مباشر بين قيادات القوى السياسية والمدنية، بأجندة محددة، لمعالجة الخلافات التي ظلت تمنع الوصول إلى موقف وطني مشترك تجاه الحرب وما بعدها.

أخاطبكم بصفتي رئيساً للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، ومن واقع تجربتي وموقعي في مؤسسات الدولة، لا أتحدث باسم مجلس السيادة أو ألزم مؤسسات الدولة بموقف مسبق، بل دعوة لحوار سياسي مباشر بين القوى السودانية حول القضايا التي تعطل إنهاء الحرب وتمنع بلورة مسار وطني جاد لما بعدها، آخذ في الاعتبار أخطاء التجارب الماضية وفشل حوارات النخب على أن يشمل هذا الحوار آراء الشعب السوداني من القاعدة إلى القمة.

لقد عرفت الحركة الشعبية الحرب، وقدمت التضحيات، وخاضت النضال المسلح دفاعاً عن قضايا عادلة تتصل بالمواطنة والعدالة وإنهاء التهميش وإعادة بناء الدولة، لكنها، في الوقت نفسه، اختارت طريق السلام، ووقعت على اتفاق جوبا لسلام السودان، ومضت عملياً في تنفيذ بروتوكول الترتيبات الأمنية ودمج أغلب قواتها في القوات المسلحة السودانية.

لم يكن ذلك مجرد التزام باتفاق أو إجراء فني، بل كان تعبيراً عن قناعة سياسية واضحة: أن مستقبل السودان لا يمكن أن يقوم على تعدد الجيوش، ولا على بقاء الحركات المسلحة خارج مشروع الدولة، ولا على استمرار السلاح كوسيلة دائمة للعمل السياسي. إن الطريق إلى دولة المواطنة والسلام والعدالة يمر عبر تطوير القوات المسلحة السودانية وصولاً إلى جيش وطني مهني واحد، موحد القيادة، يعبر عن كل السودانيين، ويحمي الدستور، ويخضع للسلطة المدنية الدستورية.

ومن هذا الموقع، فإنني أرى أن على القوى السياسية والمدنية وحركات الكفاح المسلح مسؤولية تاريخية في هذه اللحظة: أن نخرج من دائرة المواقف المتباعدة والبيانات المتقابلة، وأن نجلس معاً، وجهاً لوجه، في حوار مباشر وصريح ومسؤول، حول القضايا التي ظلت تعطل أي توافق وطني جاد لإنهاء الحرب وبناء انتقال مستقر.

كما أن هذه الدعوة لا تنفصل عن مسؤوليتنا تجاه كل الذين آمنوا برؤية السودان الجديد، داخل الحركة الشعبية وخارجها، بمن فيهم الرفاق والرفيقات الذين اختلفوا معنا، أو ابتعدوا عن صفوف الحركة بسبب الانقسامات، أو أصابهم الإحباط واليأس من تعثر مشروعها السياسي والتنظيمي. إن خلافات الماضي، مهما بلغت، لا ينبغي أن تحجب عنا وحدة القضايا التي جمعتنا: المواطنة، والسلام، والعدالة، والديمقراطية، وبناء دولة تسع الجميع. ومن هذا المنطلق، فإن الباب يجب أن يظل مفتوحاً لحوار صريح ومسؤول مع كل المؤمنين بهذه الرؤية، دون إقصاء أو تخوين أو مرارات، وبما يساعد على استعادة الثقة وبناء أوسع جبهة وطنية ممكنة لإنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة.

إنني لا أكتب إليكم لأقدم مبادرة جاهزة أو لأدعي امتلاك الإجابة، بل لأدعو إلى الاتفاق على طريقة عملية للالتقاء والتفكير، بصراحة ومسؤولية، حول القضايا التي لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها.

وأقترح أن يبدأ هذا اللقاء، أو سلسلة اللقاءات، من سؤال حاكم لا يمكن تجاوزه: ما طبيعة الحرب الدائرة في السودان؟ فهذا هو الخلاف الأشمل الذي تتفرع منه بقية الخلافات. هل هي حرب بين الجيش والدعم السريع؟ أم حرب على الدولة؟ أم حرب بين مشروعين سياسيين واجتماعيين؟ أم حرب تعكس صراع رؤى متناقضة حول مستقبل السودان؟ إن الاتفاق، أو على الأقل الاقتراب من فهم مشترك لطبيعة الحرب، هو المدخل الضروري لأي تفاهم حول كيفية إنهائها وبناء سلام مستدام.

وتفصيلاً لذلك، أقترح أن يتناول الحوار، بعد الاتفاق على توصيف طبيعة الحرب، القضايا الخمس التي ظلت تمثل جوهر الخلاف بين القوى السياسية والمدنية، وهي: الموقف من الجيش، والموقف من قيادة الجيش، والموقف من الدعم السريع والقوات الموازية، والموقف من الإسلاميين، ودور المجتمعين الإقليمي والدولي، والموقف من كيف يُحكم السودان (العلاقة بين المركز والهامش). وستنكف مؤسسات الحركة الشعبية على صياغة تصور متكامل حول هذه القضايا، لا بوصفه موقفاً مغلقاً أو نهائياً، بل كمساهمة في فتح نقاش مسؤول مع القوى السياسية والمدنية، وصولاً إلى أرضية وطنية مشتركة لإنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة.

وفي هذا السياق، أرى أهمية التمييز الواضح بين مسارين لا ينبغي الخلط بينهما: مسار التفاوض العسكري-العسكري، وهو فني مهني في المقام الأول، كما عبر عنه منبر جدة، وهو معني بوقف إطلاق النار، والترتيبات الميدانية، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية. ومسار الحوار السياسي الشامل، وهو معني بمستقبل الحكم، وإعادة تأسيس الدولة، والانتقال المدني الديمقراطي، وقضايا الدستور والعدالة والسلام. فالخلط بين المسارين يربك العملية السياسية، وقد يُفسر من القوى السياسية كأنه إقصاء لها. وإن الجيش يعمل كضامن للفترة الانتقالية من خلال القيام بوظيفته الأمنية وحماية السيادة للفترة التأسيسية من الانزلاق إلى الفوضى والعنف مرة أخرى لحين قيام الانتخابات.

أما الحوار السياسي، فينبغي أن يظل مفتوحاً لكل القوى السودانية التي تعلن التزامها الواضح بوقف الحرب، وحل المليشيات، ووحدة السودان، ومدنية الدولة، والتحول الديمقراطي، ونبذ خطاب الكراهية والعنف.

كما لا يمكن لأي حوار وطني جاد أن يتجاهل العامل الخارجي في هذه الحرب. فقد تحولت التدخلات الإقليمية والدولية، عبر التمويل والتسليح والدعم السياسي والإعلامي، إلى أحد أهم أسباب إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات إنهائها. إن استعادة القرار الوطني السوداني تقتضي موقفاً واضحاً من كل أشكال الدعم الخارجي للقوات الموازية والمليشيات، ورفض تحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات أو هندسة النفوذ الإقليمي.

كما أنني أرى أن حركات الكفاح المسلح الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان تتحمل مسؤولية خاصة في هذه المرحلة. فقد وقعنا جميعاً على اتفاق سلام، والتزمنا بمبدأ الترتيبات الأمنية، وهدفنا المعلن هو تعزيز الجيش الوطني المهني الواحد والموحد القيادة. وقد مضت الحركة الشعبية – شمال في هذا الطريق، وقطعت شوطاً كبيراً في دمج قواتها. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن تنفيذ الترتيبات الأمنية ظل يواجه عقبات حقيقية من كل الأطراف، بما في ذلك إبطاء أو عرقلة إجراءات الدمج والتسريح. وهذه مسألة لا ينبغي أن تبقى مادة للاتهامات المتبادلة، بل يجب أن تناقش بشفافية ومسؤولية بين الجيش وأطراف اتفاق جوبا، عبر آلية واضحة وجدول زمني ملزم، حتى لا تتحول الترتيبات الأمنية نفسها إلى مصدر جديد للتوتر. إن تسريع تنفيذ هذه الترتيبات سيكون رسالة قوية لشعبنا بأننا جادون في إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش، وجادون في بناء الدولة، لا في البقاء خارجها.

إن السودان اليوم لا يحتمل مزيداً من التردد. ولا يمكن اختزال إنهاء الحرب في المعالجة العسكرية وحدها، بل المطلوب هو وقف الحرب عبر تفكيك أسبابها: إنهاء تعدد الجيوش، واستعادة احتكار الدولة للسلاح، وحماية المدنيين، ومحاسبة مرتكبي الجرائم. كما لن تتوقف الحرب عن طريق إضعاف الدولة حتى تنهار، ولا بإقصاء مكون كامل من المجتمع، ولا بالارتهان للخارج.

إنهاء الحرب يحتاج إلى شجاعة سياسية وأخلاقية، وإلى استعداد حقيقي للاعتراف بالمخاوف المتبادلة، والبحث عن المشتركات، والاتفاق على الحد الأدنى الوطني الذي يحفظ السودان ويعيد فتح الطريق أمام الشعب ليقرر مستقبله عبر عملية سياسية وانتخابات حرة.

لذلك أدعوكم إلى أن نلتقي، في أقرب فرصة ممكنة، على صيغة مناسبة للقاء مباشر بيننا، بعيداً عن الضجيج الإعلامي والاستقطاب، لمناقشة طبيعة الحرب والقضايا الخمس المتفرعة عنها، والبحث في إمكانية الخروج بتفاهمات أولية تمهد لوثيقة برنامجية مشتركة لإنهاء الحرب، وحماية وحدة البلاد، وإعادة تأسيس الدولة السودانية على قاعدة المواطنة والسلام والعدالة.

إنني أوجه هذه الرسالة بروح المسؤولية الوطنية، لا بروح الوصاية أو المزايدة، وأمد يدي لكل من يرى أن السودان أكبر من خلافاتنا، وأن وقف الحرب وبناء الدولة لا يتحققان إلا بحوار صادق بين السودانيين، لا يستثني أحداً ملتزماً بالسلام والديمقراطية ووحدة البلاد.

مع خالص التقدير،

مالك عقار إير

رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى