السودان علي حافة الهاوية التعليمية

قلم ،،يوسف الغوث

إن إنقاذ التعليم في السودان لم يعد ترفاً، بل معركة وجودية ترهن حاضر البلاد بمستقبلها. فالمعلم الذي يُترك وحيداً يتجرع مرارة العوز، بينما تذهب الميزانيات الضخمة للحرب، لا يعدّ ضحية نزاع مسلح بالمعنى المباشر، بل هو ضحية معادلة قاسية جعلت من كرامته الإنسانية وقوداً لصراع لا يد له فيه، ذلك أن توجيه الإنفاق العام لتمويل المجهود الحربي على حساب قطاع التعليم يكشف عن فلسفة سياسية تضع الموت في سلم الأولويات والحياة في ذيل القائمة. وهذا الإضراب الذي هزّ أركان العملية التعليمية ليس وليد اللحظة، بل هو تتويج لتراكمات عميقة امتدت لسنوات، جعلت الهيكل الراتبي الحالي عاجزاً تماماً عن مواكبة الارتفاع الجنوني في الأسعار، حيث تراجعت القوة الشرائية لأجور المعلمين بنسبة تجاوزت تسعين بالمئة خلال ثلاث سنوات، فأصبح راتب أعلى درجة لا يتجاوز ثمانية وأربعين دولاراً، والأدنى سبعة عشر دولاراً، وسط تضخم تجاوز مئتين وخمسين بالمئة، مع انقطاع الرواتب لأشهر وتأخر بدلات السكن والوجبة لسنوات، فوقعت الكارثة حين بلغ اليأس منتهاه، فانطلق الإضراب المفتوح الذي دخل شهره الثالث على التوالي، متسعاً من الخرطوم إلى كسلا مروراً بالجزيرة والنيل الأزرق، ليكسر صمت المعلمين الذين وجدوا في التوقف عن العمل خيارهم الأخير والوحيد لانتزاع كرامتهم، فكل صباح يتجدد المشهد بتعليق الدراسة وإخلاء الفصول، بينما تظل المدارس صامتة والطلاب يُسرَّحون في دروب الجهل والضياع. وإزاء هذا الإضراب المتفاقم، لم تجد السلطات من وسيلة للتعامل سوى التهديدات الأمنية والنقل التعسفي لكسر التماسك النقابي، محولةً المطلب الحقوقي إلى قضية أمنية، في مشهد يعكس مدى تآكل النظرة الاستراتيجية للدولة تجاه بناة الأجيال.

غير أن المأساة تتجاوز حدود الفاقة المالية، فهناك صدمة نفسية جماعية يعيشها المعلم والطالب تحت وطأة القصف والنزوح، يمارس المعلم مهنته وهو منهك نفسياً وجسدياً، يدرس أطفالاً فقدوا منازلهم وأقاربهم، مما يخلق جيلاً يعاني من اضطرابات ستظهر في العدوانية والانعزال لسنوات، بينما شرذمت الحرب الكفاءات التعليمية بتوزيع النازحين بشكل غير عادل بين الولايات، وتجاهل تحديث المناهج لأكثر من عقد، وفي خضم هذا الانهيار المتكامل، يبرز سؤال محرج حول بدائل التعليم الرقمي التي تتردد كصيحات فارغة في فضاء بلا كهرباء ولا إنترنت، فكيف يمكن التحدث عن منصات إلكترونية في مناطق تحولت فيها البنية التحتية إلى أنقاض، وتقطعت فيها السبل بأبسط وسائل الاتصال؟ إن هذا القفز نحو الحلول الرقمية دون تهيئة الأرضية الواقعية ليس سوى محاولة يائسة لتجميل الكارثة، بينما تتآكل المعرفة التقليدية في فصول دراسية تحولت إلى مهاجع للنازحين. وتتفاقم المأساة مع معاناة المعلمات، اللواتي يمثلن شريان التعليم الأساسي، حيث يدفعهن النزوح والعنف إلى ترك المهنة، في وقت يرتفع فيه زواج القاصرات ويتسع هدر الفتيات في منظومة أميّة، مما يجعل الأزمة أنثوية بامتياز وتتطلب تدخلاً عاجلاً ينقذ نصف المجتمع.

وفي مواجهة هذا الفشل الحكومي الذريع، يبرز دور المجتمع المدني والمغتربين كطرف فاعل عبر إنشاء صندوق لدعم المعلم تموّله التحويلات الخارجية، بعيداً عن الميزانية المنهكة، ولكن الحل الجذري يتطلب الاعتراف بأن الإرادة الوطنية المنفردة عاجزة عن كسر الجمود، مما يستوجب رفع ملف التعليم إلى مستوى الأمن القومي عبر وساطة دولية فاعلة، كأن تتشكل منصة ثلاثية تجمع الحكومة ولجان المعلمين وهيئات كاليونيسيف، لترعى ميثاق إنقاذ تربوي يُفصل بموجبه رواتب المعلمين عن الخزانة العامة عبر صندوق ائتماني دولي يضمن وصولها مباشرة، مقابل التزام المعلمين بجدول زمني لاستئناف الدراسة ومراجعة المناهج، مع إعادة توزيع الكفاءات ودعمهم نفسياً. إن المطلوب اليوم ليس وعوداً سرابية، بل جرأة سياسية تضع الإنسان فوق كل اعتبار، وتنتزع التعليم من متاهات الحرب، فلا نهضة لأمة تترك مصائر أبنائها معلقة في مهب الريح، فإما أن تمتد أيادٍ دولية لانتشال الصرح المنهار، وإما أن يظل السودان رهينة جهل متراكم، وعندها لن يكون انهيار المعلم مجرد خسارة مهنية، بل شاهداً على انهيار الدولة ذاتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى