البرهان على طريق صدام… هل بدأت أخطر معركة في تاريخ السودان؟

إبراهيم هباني

عندما تتهم الولايات المتحدة دولة باستخدام السلاح الكيميائي، فإن الأمر لا يكون مجرد بيان سياسي أو خلاف دبلوماسي عابر. إنه بداية مسار طويل من الضغوط والعقوبات والتحقيقات، قد ينتهي بعزل نظام كامل أو ملاحقة مسؤوليه أمام العدالة الدولية.

هذا ما يجعل الاتهام الأميركي للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية أخطر تطور سياسي يواجه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فالمسألة لم تعد تتعلق بمعارك ميدانية أو توازنات عسكرية، بل بملف يضع السودان تحت مجهر المجتمع الدولي، ويهدد بإعادة تعريف الحرب السودانية باعتبارها نزاعا ارتكبت فيه أسلحة محرمة دوليا.

صحيح أن الخرطوم نفت الاتهامات، لكن النفي وحده لا يغلق مثل هذه الملفات. ففي القانون الدولي، تبدأ القصة بالاتهام، ثم جمع الأدلة، ثم الضغوط السياسية، قبل أن تتحول إلى تحقيقات أممية أو إجراءات قضائية إذا توفرت الأدلة الكافية.

التاريخ يقدم دروسا قاسية. ففي مارس 1988 استخدم نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الأسلحة الكيميائية في حلبجة، فقتل آلاف المدنيين الأكراد خلال ساعات. وظلت تلك الجريمة تلاحق النظام العراقي سنوات طويلة، وأصبحت لاحقا واحدة من أبرز القضايا التي استند إليها المجتمع الدولي في عزله ومحاصرة قيادته.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الوجه الآخر من التاريخ. ففي عام 2003 غزت الولايات المتحدة العراق تحت عنوان امتلاك أسلحة دمار شامل، قبل أن تثبت لاحقا عدم العثور على تلك الترسانة المعلنة، لتبقى تلك الحرب واحدة من أكثر القرارات الدولية إثارة للجدل في العصر الحديث. وهذا يفرض ضرورة التعامل مع أي اتهام بحس قانوني يعتمد على الأدلة والتحقيقات المستقلة، لا على المواقف السياسية وحدها.

لكن السودان اليوم يختلف عن العراق في 2003. فالبلاد تعيش حربا داخلية مفتوحة، ومؤسساتها منهكة، واقتصادها يمر بأصعب مراحله، فيما تعتمد السلطة القائمة على شبكة علاقات خارجية محدودة. وفي مثل هذه الظروف، فإن مجرد فتح ملف الأسلحة الكيميائية كفيل بإحداث آثار سياسية واقتصادية تتجاوز حتى نتائج المعارك العسكرية.

ما الذي ينتظر البرهان؟

إذا مضت واشنطن في هذا المسار، فإن السيناريو المعتاد يبدأ بتوسيع العقوبات على الأفراد والمؤسسات، ثم تشديد العزلة الدبلوماسية، يليه الدفع نحو تحقيقات دولية مستقلة، وقد يتطور الأمر إلى لجان تقصي حقائق أو إحالة الملف إلى آليات العدالة الدولية إذا توفرت الشروط القانونية والسياسية.

والأخطر أن المسؤولية في القانون الدولي لا تقف عند منفذ الجريمة، بل قد تمتد إلى كل من أصدر الأوامر أو أشرف عليها أو امتنع عن منعها إذا ثبت علمه بها، وهو ما يجعل أي تحقيق دولي محتملا يتجاوز ساحة المعركة إلى قمة هرم القيادة.

لهذا، فإن القضية لم تعد مجرد سجال بين الخرطوم وواشنطن، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة السودانية على تفنيد الاتهامات بالأدلة، أو مواجهة تبعاتها إذا ثبتت صحتها. فالعالم لا يتسامح مع استخدام الأسلحة الكيميائية، لأنها تمثل أحد أخطر المحظورات في القانون الدولي الإنساني منذ الحرب العالمية الأولى.

وربما يكون الدرس الأهم أن الحروب لا تنتهي دائما عند خطوط النار. فكثير من القادة نجوا من المعارك، لكنهم خسروا معركة القانون والتاريخ. وما بين حلبجة التي ظلت شاهدا على جريمة موثقة، والعراق الذي غُزي بذريعة ثبت لاحقا أنها لم تكن صحيحة، يقف السودان اليوم أمام مفترق بالغ الحساسية، يفرض التمسك بالحقائق والأدلة، بعيدا عن المزايدات والدعاية.

البرهان أمام أخطر اختبار في مسيرته السياسية والعسكرية. فإذا كانت الاتهامات غير صحيحة، فإن الطريق الوحيد لإسقاطها هو التعاون مع تحقيق دولي مستقل وشفاف يبدد الشكوك. أما إذا أثبتت التحقيقات استخدام أسلحة كيميائية، فإن تداعيات ذلك لن تقتصر على عقوبات جديدة، بل قد تعيد رسم مستقبل السلطة في السودان، وتفتح بابا لمسؤوليات قانونية وسياسية قد تظل تطارد أصحاب القرار لسنوات طويلة.

لهذا، قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل استخدمت أسلحة كيميائية؟ بل: هل دخل السودان بالفعل المرحلة التي تصبح فيها معركة القانون الدولي أخطر من معارك الميدان؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى