هل اقتربت نهاية الحرب أم بدأت جولة جديدة من المراوغة؟

حيدر المكاشفي

تابعت، مثل غيري، ما تم نشره وبثه من تسريبات حول الهدنة الأمريكية المقترحة، إذ لم يتم الإعلان رسميًا من أي طرف عن محتويات المقترح الأمريكي، ولكن الثابت والمؤكد أن هناك مقترح هدنة أمريكية تسلمته حكومة بورتسودان. بل سلم وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم رد الحكومة الرسمي على بنود مقترح الهدنة الأمريكية للمستشار الأمريكي الخاص للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، في 25 يونيو الماضي بالقاهرة. كما أعقب ذلك عقد اجتماع في القاهرة بين مساعد القائد العام لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي وعضو مجلس السيادة الفريق أول شمس الدين كباشي والمبعوث الأمريكي مسعد بولس. وأيضًا لم يتم الإعلان رسميًا، لا عبر بيان ولا حتى تصريح رسمي، عما حواه رد الحكومة على المقترح الأمريكي، ولا ما تم في لقاء كباشي وبولس. ولكن رغم هذا التعتيم و(الغطغطة)، تسربت بعض السرديات المتقاطعة حول موقف حكومة بورتسودان من مقترح الهدنة. بعض هذه السرديات تقول إن حكومة بورتسودان وافقت على بنود الهدنة جملة وتفصيلًا، ولم تعترض أو تتحفظ على أي بند، وبعضها الآخر يقول إنها تحفظت على بند الترتيبات الأمنية والانسحابات العسكرية، حيث يدعو المقترح الأمريكي إلى انسحاب تدريجي وجزئي للقوات عبر عدة مناطق، مع إعطاء الأولوية لشمال دارفور وشمال كردفان تحت إشراف آلية الأمم المتحدة. وترفض الحكومة السودانية النهج التدريجي، وتطالب بدلًا من ذلك بانسحاب شامل لقوات الدعم السريع من جميع الأراضي التي استولت عليها بعد 11 مايو 2023، وهي الفترة التي شهدت توسعًا كبيرًا في السيطرة الإقليمية وتمددها في عدة ولايات غربي البلاد. بل وذهب البعض أبعد من ذلك ونشر خارطة الانسحابات المقترحة من قبل الحكومة. أما السردية الثالثة، فتقول إن الحكومة اعترضت على بندين، وليس واحدًا. فبالإضافة إلى اعتراض الحكومة على بند الترتيبات الأمنية والانسحابات العسكرية، فهي تحفظت كذلك على إطار الحوار السياسي، حيث تصر الحكومة السودانية على ضرورة إجراء المحادثات داخل السودان، وأن تشمل جميع الفصائل السياسية دون استثناء. بينما المقترح الأمريكي يستبعد مشاركة المؤتمر الوطني -الحزب المحلول للرئيس المعزول عمر البشير- ويتمسك بوجوب إبقاء العملية بعيدة عن الجماعات المتطرفة المرتبطة بالتنظيم الإسلامي، وكذلك الميليشيات والأفراد الذين ارتكبوا فظائع.

الشاهد هنا هو أنه كلما تسربت أنباء عن هدنة جديدة في السودان، يتكرر المشهد ذاته بصورة تكاد تكون مملة. ترتفع التوقعات لساعات، ثم يخرج البرهان ليؤكد أن العمليات العسكرية مستمرة، وكأن التسريبات لم تكن سوى بالون اختبار، أو رسالة سياسية، أو محاولة لقياس ردود الأفعال. أصبح الأمر أقرب إلى ممارسة سياسية متكررة: تفاوض في الغرف المغلقة، وتصعيد على المنابر، وحرب لا تتوقف على الأرض.

والمقترح الأمريكي الأخير ليس الأول، وربما لن يكون الأخير، لكنه يأتي في لحظة مختلفة. فالحرب التي تصورت قيادة الجيش أنها ستحسمها خلال (أسبوع، أسبوعين) دخلت عامها الرابع، واستنزفت الدولة، ودمرت الاقتصاد، وأفرغت المدن من سكانها، وأعادت السودان سنوات إلى الوراء. لذلك فإن السؤال المهم الآن لم يعد هو: هل هناك حاجة إلى هدنة؟ بل أصبح: هل ما تزال أطراف الحرب تمتلك الإرادة لإنهاء هذه الحرب المدمرة والمهلكة؟

الحقيقة المؤلمة أن المشكلة لم تكن يومًا في غياب الوسطاء، وإنما في غياب القرار. فكان هناك منبر جدة، ثم المبادرات الأفريقية، ثم التحركات الإقليمية، ثم المؤتمرات الدولية، وكلها انتهت إلى النتيجة ذاتها: بيانات أنيقة وصور جماعية، بينما بقي السودانيون وحدهم يدفعون ثمن الرصاص، والنزوح، والمرض، والجوع، والإذلال، والإهانة.

واليوم تعود واشنطن بمقترح جديد، لكن نجاحه لن يتوقف على براعة الدبلوماسيين الأمريكيين، بل على استعداد الأطراف السودانية للاعتراف بحقيقة باتت واضحة للجميع، أن لا أحد انتصر، ولا أحد يملك القدرة على تحقيق نصر كامل، بينما الخاسر الوحيد هو السودان، وشعب السودان، وموارد السودان، وثروات السودان.

غير أن العقبة الأكبر لا تبدو عسكرية بقدر ما هي سياسية. فكل خطوة نحو التهدئة تعني، بالضرورة، إعادة ترتيب موازين القوى داخل معسكرات الحرب نفسها. وهناك أطراف بنت نفوذها وثرواتها ومشروعاتها السياسية على استمرار الحرب، ولذلك تنظر إلى أي هدنة باعتبارها تهديدًا لمصالحها قبل أن تكون فرصة لإنقاذ البلاد. ولهذا تبدو مواقف جماعة بورتسودان، وعلى رأسها البرهان، متذبذبة، فلا إعلان رفض قاطع ولا قبول واضح، وإنما مساحة رمادية واسعة من المماطلة وكسب الوقت. فقرار الحرب لم يعد بيد مؤسسة الجيش وحدها، كما أن قرار السلام لم يعد قرار البرهان. لقد تشابكت الحسابات إلى درجة أصبح معها كل اتفاق محتمل يحتاج أولًا إلى تسوية داخل معسكراته، وأبرزها جماعة الإخوان، قبل أن يتحول إلى تسوية بين المتحاربين. ولذلك فإن من يعتقد أن توقيع ورقة أمريكا سيوقف الحرب تلقائيًا، يرتكب الخطأ نفسه الذي وقعت فيه المبادرات السابقة.

فالهدنة ليست حبرًا على الورق، وإنما منظومة كاملة تبدأ بوقف إطلاق النار، ثم مراقبته، ثم حماية المدنيين، ثم فتح الممرات الإنسانية، ثم معالجة ملف القوات المنتشرة داخل المدن، ثم الانتقال إلى عملية سياسية حقيقية. أما الاكتفاء بعنوان كبير اسمه (وقف الحرب) دون أدوات لتنفيذه، فلن ينتج سوى هدنة قصيرة تسبق جولة قتال أكثر عنفًا.

وعليه، فإن المقترح الأمريكي لن ينجح إلا إذا انتقل من مرحلة التمنيات إلى مرحلة الضمانات. فالضغوط الدبلوماسية وحدها لم تعد كافية، والبيانات الدولية فقدت تأثيرها منذ زمن. المطلوب هو آلية رقابة مستقلة، وجدول زمني ملزم، وإجراءات واضحة بحق أي طرف يخرق الاتفاق، حتى لا تتحول الهدنة إلى استراحة محارب يعيد خلالها الجميع ترتيب صفوفهم استعدادًا لمعركة جديدة.

لكن ثمة سؤالًا لا يقل أهمية: هل يريد المجتمع الدولي إنهاء الحرب فعلًا، أم إدارة الحرب فقط؟ فخلال أكثر من ثلاث سنوات، بدا المجتمع الدولي بارعًا في احتواء تداعيات الصراع، لكنه أقل حسمًا في معالجة أسبابه. انشغل بإدارة الكارثة الإنسانية، بينما ظل الملف السياسي يتحرك ببطء شديد، الأمر الذي منح أطراف الحرب الوقت الكافي لإطالة أمدها وتوسيع رقعتها.

أما السودانيون المغلوبون على أمرهم، فقد سئموا من سماع عبارة (الفرصة الأخيرة) التي قيلت بعد جدة، وبعد المنامة، وبعد عشرات المبادرات الأخرى. والفرق الوحيد هذه المرة أن البلاد أصبحت أقرب إلى الانهيار الكامل، وأن تكلفة الفشل لم تعد تقاس بعدد المعارك، بل بمستقبل دولة بأكملها.

إن نجاح الهدنة الأمريكية لن يصنعه المبعوثون ولا الوسطاء وحدهم، وإنما تصنعه قناعة أطراف الحرب بأن استمرار الحرب لم يعد مشروعًا سياسيًا، بل مشروعًا لتدمير السودان. وإذا لم تتبلور هذه القناعة، فإن أي هدنة ستظل مجرد عنوان جميل يضاف إلى أرشيف المبادرات الفاشلة.

ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته: هل ستكون هذه الهدنة بداية لنهاية الحرب أم مجرد فصل جديد من المراوغة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى