كردفان.. الكوليرا تعمّق مأساة السكان في ظل شح العلاج

أفق جديد

وسط تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية في ولايتي شمال وغرب كردفان، تتصاعد المخاوف من تحول تفشي الكوليرا إلى أزمة واسعة النطاق، في ظل محدودية الخدمات الطبية ونقص الإمدادات العلاجية، ما يهدد حياة آلاف السكان في المدن والقرى المتأثرة.

وكشفت وزارة الصحة عن ارتفاع إصابات الكوليرا في ولايتي شمال وغرب كردفان، فيما أعلنت منظمة أطباء بلا حدود عن تدخلات لاحتواء انتشار المرض في جنوب دارفور.

وقالت وزارة الصحة، في بيان، إن “معدل الإصابة بالكوليرا ارتفع في غرب كردفان وغربي بارا بولاية شمال كردفان، حيث توجد حاليًا 55 حالة في مركز العزل بغربي بارا”.

وأشارت إلى استمرار التدخلات للحد من انتشار الوباء في غرب كردفان، والتي شملت وصول أدوية عبر منظمة “كافا”.

وسبق أن حذرت شبكة أطباء السودان من خطورة تدهور الأوضاع في مناطق غربي بارا، حيث يواجه أكثر من 200 ألف مواطن، بينهم أكثر من 20 ألف طفل، ظروفًا إنسانية بالغة القسوة نتيجة النقص الحاد في الغذاء والدواء، إلى جانب تفشي وبائي الحصبة والكوليرا.

وأفادت وزارة الصحة بانخفاض معدل حالات حمى الضنك في ولايات نهر النيل، وكسلا، والشمالية، والخرطوم، والجزيرة، والقضارف، حيث سُجلت 95 إصابة من دون وفيات، كما انخفضت إصابات التهاب السحايا إلى ثلاث حالات فقط، رُصدت في ولايتي الخرطوم والجزيرة.

وكشفت الوزارة عن توفير أدوية الملاريا في معظم الولايات، إضافة إلى أدوية علاج الكوليرا والمحاليل الوريدية في جميع الولايات، فيما تتفاوت وفرة أدوية ومستهلكات مكافحة الأوبئة، والأدوية المسكنة، والمستهلكات الطبية، ومعينات مكافحة العدوى.

يقول ممرض يعمل في مركز صحي بالنهود لـ”أفق جديد”: “منذ أيام ونحن نستقبل أعدادًا متزايدة من المرضى، وبعضهم يصل وهو في حالة جفاف شديد بعد أن قطع مسافات طويلة من القرى. ما يؤلمنا أننا أحيانًا لا نملك ما يكفي من المحاليل الوريدية أو المستلزمات الأساسية، فنضطر إلى التعامل مع الحالات بما هو متوفر، بينما يظل القلق يرافقنا من وصول مرضى جدد.”

أما عثمان الجيلي، وهو متطوع في غرفة الطوارئ، فيقول: “نتلقى اتصالات بشكل متواصل من قرى تطلب المساعدة. بعض الأسر لا تعرف كيف تتصرف مع المصابين، وهناك مناطق لم تتمكن أي فرق صحية من الوصول إليها حتى الآن. الناس يشعرون بأن الوباء يسبق أي استجابة.”

كما أكدت طبيبة في أحد المرافق الصحية بالقول: “الكوليرا مرض يمكن الحد من وفياته إذا توفرت سرعة التدخل والعلاج، لكن المشكلة أن الظروف الحالية تؤخر وصول المرضى، كما أن نقص الأدوية والمستهلكات الطبية يزيد الضغط على الكوادر الصحية. نخشى أن تتضاعف الأعداد إذا لم تصل الإمدادات بشكل عاجل.”من جهته يقول عابدين السر، وهو مواطن من إحدى القرى المتضررة، لـ”أفق جديد”: “كل صباح نسمع أن شخصًا جديدًا أُصيب أو توفي. أصبح الخوف جزءًا من حياتنا اليومية. كثير من الأسر لا تستطيع حتى تحمل تكلفة الانتقال إلى المستشفى، ولذلك يبقى المرضى في المنازل إلى أن تتدهور حالتهم.”

بدورها تقول المواطنة سعاد عبد الله لـ”أفق جديد”: “لم نكن نعرف في البداية أن الأعراض خطيرة، لكن خلال ساعات أصبح عاجزًا عن الحركة. حملناه إلى أقرب مركز صحي، وكان مليئًا بالمرضى. أكثر ما نخشاه أن ينتقل المرض إلى بقية الأطفال في المنزل.”

أما أبو بكر الهادي، وهو مريض بالسكري من ود بندة، فيقول: “كنت أبحث عن دوائي منذ أيام ولم أجده في أي صيدلية. في ظل انتشار الكوليرا أصبح همّنا مضاعفًا؛ نخشى المرض، ونخشى أيضًا أن تتدهور حالتنا بسبب انقطاع العلاج.”

كما أشار الجيلي عبد الرحمن، وهو أحد زعماء المجتمع المحلي، لـ”أفق جديد”: “الأهالي يبذلون ما يستطيعون، لكن الأزمة أكبر من إمكانياتهم. نحن بحاجة إلى فرق طبية متنقلة، ومياه شرب آمنة، وحملات توعية، قبل أن يمتد الوباء إلى قرى جديدة. الوقت لم يعد في صالحنا.”

وفي السياق، قالت منظمة أطباء بلا حدود إنها بدأت دعم وحدة علاج الكوليرا في منطقة الكُبْرة بولاية غرب كردفان، بعد إجراء تقييم ميداني.

وذكر أن تدخلاتها شملت إدارة الحالات، وتوفير الإمدادات الأساسية، وحوافز العاملين، وتعزيز تدابير الوقاية من العدوى ومكافحتها، إلى جانب التدريب الفني لفرق الاستجابة.

وأشارت المنظمة إلى أن الوضع لا يزال حرجًا للغاية في المنطقة.

وأفادت بأنها تدعم جهود إدارة الحالات المرضية، والترصد الوبائي، والتقصي في ولاية جنوب دارفور، بعد الإعلان عن تفشي الكوليرا ورصد حالات يُشتبه في إصابتها أواخر الشهر الماضي.

وأوضحت أنها تعمل في جنوب دارفور على إنشاء مراكز لعلاج الكوليرا ونقاط للإرواء، إلى جانب التخطيط لكلورة مياه الشرب، وتقديم التدريب، وتنفيذ حملات التوعية المجتمعية، وتوفير حوافز للكوادر الصحية.

وقال منسق الطوارئ بمنظمة أطباء بلا حدود، علي محمد، إن وجود الدعم الإنساني محدود للغاية في كل من جنوب دارفور وغرب كردفان، حيث لا يعمل على الأرض سوى عدد قليل جدًا من الجهات الإنسانية.

وأوضح أن الوصول إلى الرعاية الصحية في غرب كردفان لا يزال محدودًا، في ظل توقف معظم المرافق الصحية العامة، إلى جانب النقص الحاد في الكوادر والإمدادات.

وأضاف: “رغم أن بعض المرافق الخاصة لا تزال قيد التشغيل، فإن تكاليفها تفوق القدرة المالية لغالبية السكان. وهناك خطر كبير لانتقال الكوليرا وانتشارها إلى ولايات أخرى.”ويأتي هذا التحذير في وقت يواجه فيه القطاع الصحي في غرب كردفان تحديات كبيرة بفعل الصراع المستمر وتراجع الخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل أي تفشٍّ للأوبئة أكثر خطورة، ويستدعي استجابة إنسانية وصحية عاجلة لتجنب تفاقم الأزمة وحماية المدنيين في المناطق المتضررة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى