السلام الذي لا يمر عبر فوهة البندقية

في لحظة سياسية شديدة التعقيد، وفي بلد تتنازعه الحرب ومشروعات القوة ومخاطر التفكك، جاءت اجتماعات القوى السياسية والمدنية السودانية الرافضة للحرب وغير المصطفة مع طرفيها في أديس أبابا لتضع حداً فاصلاً بين مفهومين يجري الخلط بينهما عمداً: الحوار بوصفه طريقاً إلى السلام، والحوار بوصفه أداة لإعادة إنتاج الحرب بوسائل سياسية. ولم يكن أهم ما خرجت به الاجتماعات أنها رفضت مبادرة الحوار من داخل السودان فحسب، وإنما أنها قدمت تعريفاً مختلفاً لطريق الخروج من الحرب، يرفض أن تكون الجغرافيا العسكرية هي التي تحدد شكل العملية السياسية، أو أن تتحول مناطق سيطرة أحد طرفي الحرب إلى منصة لإعادة ترتيب مستقبل البلاد.

الوثيقة التي توافق عليها المشاركون، تحت عنوان «عملية السلام التي نريد»، لم تكتفِ بالاعتراض على دعوة الحوار التي أعلن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان دعمه لها، بل وضعت أساساً سياسياً بديلاً يقوم على مسارات إنسانية ووقف إطلاق النار ومسار سياسي متزامنة ومتكاملة، تحت مظلة مستقلة ومتوافق عليها. وهذا التفصيل هو جوهر المسألة، لأنه ينقل النقاش من سؤال «من يحاور من؟» إلى السؤال الأكثر أهمية: أي حوار، وتحت أي شروط، ولأي غاية؟

لقد ظل شعار «الحوار السوداني ـ السوداني» يبدو، في ظاهره، جميلاً ومغرياً، إذ لا أحد يمكنه أن يرفض مبدأ أن يصنع السودانيون مستقبل بلادهم بأنفسهم. لكن المشكلة ليست في العبارة، وإنما في السياق الذي تُطرح فيه. فحين يأتي الحوار في بلد ما تزال البنادق فيه صاحبة الكلمة العليا، وحين يُقترح أن يبدأ من مناطق تخضع لسيطرة طرف من أطراف الحرب، فإن الحديث عن «حوار الداخل» يصبح قابلاً لأن يتحول من مشروع للسلام إلى مشروع لتثبيت موازين القوة التي صنعتها الحرب.

وهنا تكمن أهمية الموقف الذي خرجت به اجتماعات أديس أبابا. لقد أدركت القوى المجتمعة أن السودان لا يستطيع أن يبني سلاماً مستداماً على قاعدة الأمر الواقع العسكري، لأن الاعتراف السياسي بنتائج الحرب يعني عملياً منح الحرب جائزة الانتصار. وما يبدو في لحظته حلاً سياسياً سريعاً قد يتحول، على المدى الأبعد، إلى اعتراف بتقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ، لكل منها سلطتها وأمنها ومؤسساتها ورؤيتها لمستقبل السودان.

ولذلك فإن التحذير من أن الحوار الذي يُدار من مناطق سيطرة أحد الأطراف قد يكرس «تقسيم السودان بحكم الأمر الواقع» ليس موقفاً تكتيكياً عابراً، وإنما دفاع عن فكرة السودان الواحد نفسها. فالبلاد لا تُوحّد فقط برفع العلم فوق المباني، ولا بالحديث عن وحدة التراب الوطني، وإنما بوضع عملية سياسية لا تمنح أي قوة عسكرية حق تحويل سيطرتها الميدانية إلى شرعية سياسية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تنجح القوى الساعية إلى تقسيم البلاد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحويل الحرب إلى واقع سياسي دائم. فالتقسيم لا يبدأ بالضرورة بإعلان دولتين أو رسم حدود جديدة؛ قد يبدأ بقبول فكرة أن لكل طرف منطقة يملك فيها حق تنظيم الحياة السياسية، وأن لكل منطقة مركزاً تفاوضياً خاصاً بها، وأن الاعتراف بالسلطة على الأرض يمكن أن يصبح بديلاً عن الشرعية الوطنية. ومن هنا فإن رفض الحوار الذي يُعقد تحت سلطة طرف عسكري لا يعني رفض الحوار، كما يحاول البعض تصويره، بل يعني حماية الحوار من أن يتحول إلى غطاء سياسي للحرب.

وفي المقابل، فإن القوى الرافضة للحرب مطالبة بأن تذهب إلى أبعد من الرفض. وهذه نقطة مهمة في وثيقة أديس أبابا؛ فقد طرحت تصوراً عملياً يقوم على إشراك ثلاثة اتجاهات بصورة متوازنة: القوى المدنية والسياسية غير المصطفة مع طرفي الحرب، والقوى المصطفة مع الجيش، والقوى المصطفة مع الدعم السريع، مع قصر مشاركة طرفي الحرب على المسارين الإنساني والأمني دون المسار السياسي. وهذه الصيغة، مهما اختلفت الآراء حول تفاصيلها، تحمل فكرة جوهرية: لا ينبغي أن يكون من يحمل السلاح هو نفسه من يحتكر تعريف مستقبل الدولة.

كما أن الدعوة إلى استبعاد المؤتمر الوطني المنحل والحركة الإسلامية وواجهاتهما من عملية السلام تعكس إدراكاً بأن إنهاء الحرب لا يعني إعادة تدوير القوى التي كانت جزءاً من بنية النظام الذي قاد البلاد إلى هذا الانسداد. فالسلام ليس صفقة بين النخب، ولا مصالحة بين مراكز القوة، وإنما عملية تأسيس سياسي جديد تضع الدولة والمواطنة والحقوق والحريات في قلب المستقبل.

ولعل القيمة الأكبر لهذا الاجتماع أنه أعاد للقوى المناهضة للحرب فرصة بناء موقف مشترك بعد فترة طويلة من التشتت وتعدد المبادرات وتضارب المسارات. فقد توافق المشاركون كذلك على تشكيل لجنة مشتركة لتطوير التفاهمات وتنسيق المواقف، في خطوة يمكن أن تكون بداية لبناء كتلة مدنية سياسية أكثر تماسكاً وقدرة على التأثير.

السودان اليوم لا يحتاج إلى حوار بأي ثمن، بل يحتاج إلى سلام لا يدفع ثمنه من مستقبله. ولا يحتاج إلى عملية سياسية تستعجل الصورة وتؤجل جوهر الأزمة، بل إلى مسار يوقف النزيف أولاً، ويفتح الطريق أمام السودانيين جميعاً للجلوس على أرضية متساوية، بعيداً عن سلطة البندقية وعن ابتزاز الجغرافيا العسكرية.

لقد قطعت القوى التي اجتمعت في أديس أبابا الطريق، بهذا الموقف، أمام محاولة خطيرة لتحويل شعار «حوار الداخل» إلى مدخل لتكريس واقع الانقسام. لكن قطع الطريق السياسي على مشروع التقسيم لا يكتمل بالبيانات وحدها؛ بل يحتاج إلى موقف مدني واسع، وإلى وضوح أخلاقي وسياسي، وإلى قدرة على تحويل رفض الحرب إلى مشروع متكامل لإنهائها.

إن السودان لن يستعيد وحدته بالانتصار العسكري لطرف على آخر، ولا بتكريس مناطق النفوذ، ولا بتوزيع الشرعية على خرائط السيطرة. وحدته ستُستعاد حين يصبح السلام نفسه هو الجغرافيا الوحيدة التي يجتمع فيها السودانيون. وحين يصبح الحوار فعلاً وطنياً لا يُعقد تحت ظل بندقية، ولا داخل منطقة نفوذ، ولا وفق موازين القوة التي فرضتها الحرب.

من هنا، فإن موقف أديس أبابا ليس إغلاقاً لباب الحوار، كما يريد خصومه أن يقولوا، بل محاولة لفتح الباب الصحيح. باب سلام لا يقسم السودان باسم توحيده، ولا يشرعن الحرب باسم إنهائها، ولا يحول المنتصر ميدانياً إلى صاحب الحق في تقرير مستقبل بلد بأكمله. وهذا، في جوهره، هو الاختبار الحقيقي لكل مبادرة سياسية تُطرح اليوم: هل تقود إلى سودان واحد يتسع للجميع، أم إلى سودانين أو أكثر تتعايش بينهم خرائط الحرب؟

إعلان أديس أبابا قدم إجابة واضحة: لا سلام تحت سلطة البندقية، ولا حوار وطني من داخل منطقة يسيطر عليها طرف من أطراف الحرب، ولا مستقبل للسودان إذا تحولت نتائج المعارك إلى حدود سياسية. إن الطريق إلى السلام يبدأ بوقف الحرب، لا بتجميلها؛ وباستعادة السياسة من قبضة السلاح، لا بمنح السلاح مقعداً أعلى على مائدة السياسة.

السودان أكبر من أطراف حربه، وأبقى من خرائط نفوذها. وما يحتاجه الآن ليس حواراً ينتصر فيه طرف على طاولة المفاوضات بعد أن فشل في حسم الحرب في الميدان، وإنما سلام ينتصر فيه السودان نفسه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى