كردفان.. الكارثة تمشى بين الناس
بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في السودان، لم تعد الكارثة الإنسانية تقاس فقط بعدد القتلى والنازحين والمنازل التي دُمرت والأسواق التي أغلقت، وإنما بما تركته الحرب في حياة ملايين السودانيين من انهيار متدرج لمصادر الرزق، وفقدان للقدرة على شراء الغذاء، وتراجع للخدمات الصحية، وتآكل للمدخرات، وانهيار للعملة الوطنية جعل الأجر الذي كان يكفي الأسرة في السابق بالكاد يوفر وجبة واحدة في الوقت الراهن، وفي كردفان تبدو هذه الصورة أكثر قسوة، لأن الحرب لم تكتف بإغلاق الطرق وتعطيل الأسواق وإفقار الناس، وإنما ضربت أيضاً قاعدة الحياة الاقتصادية لسكان يعتمدون بصورة أساسية على الزراعة والرعي والعمل اليومي والأنشطة التجارية الصغيرة.
هنا، لا يأتي شبح المجاعة من انعدام المواد الغذائية في الأسواق وحده، وإنما من العجز المتزايد عن شراء ما هو موجود فيها، وهي معادلة أكثر خطورة لأنها تجعل وجود الغذاء على أرفف المتاجر أمراً لا يعني شيئاً بالنسبة إلى أسرة لا تملك المال لشرائه، وتجعل من انهيار القدرة الشرائية أحد أخطر وجوه الحرب التي امتدت آثارها من ساحات القتال إلى البيوت والأسواق والقرى والمزارع، حتى أصبح الجوع نتيجة مباشرة لتراكم ثلاث سنوات من فقدان مصادر الدخل، وتوقف الأعمال، وخسارة المواسم الزراعية، ونفوق أو فقدان الماشية، وارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الجنيه السوداني إلى مستويات لم يعد معها راتب الموظف قادراً على مواكبة أبسط الاحتياجات اليومية.
في شمال كردفان، التي ظلت مسرحاً للعمليات العسكرية منذ اندلاع الحرب، عاش سكان القرى والمناطق الريفية سلسلة متواصلة من الخسائر التي لم تتوقف عند حدود ما أحدثته المعارك، فقد خسر كثير من المزارعين ثلاثة مواسم زراعية متتالية بدرجات متفاوتة، بينما فقد الرعاة جزءاً من قطعانهم التي كانت تمثل بالنسبة إليهم مدخراتهم ومصدر دخلهم الأساسي، في الوقت الذي أدى فيه شح الأمطار خلال الموسم الحالي إلى تقليص المساحات المزروعة وحرمان آلاف المزارعين وعمال الزراعة من فرص العمل التي كانوا يعتمدون عليها في هذا الوقت من العام، ولذلك فإن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن أزمة الإنتاج نفسها، لأن كردفان التي كانت تنتج الغذاء وتوفر فرص العمل لسكانها أصبحت تواجه وضعاً يجد فيه المنتج نفسه عاجزاً عن الإنتاج، والعامل عاجزاً عن الحصول على عمل، والأسرة عاجزة عن شراء الغذاء.
ولعل أكثر ما يكشف عمق الأزمة أن الناس في كردفان لا يتحدثون عن غياب السلع من الأسواق بقدر ما يتحدثون عن غياب القدرة على شرائها، ففي أم روابة، إحدى أهم الأسواق التي يرتادها سكان القرى والبلدات الريفية، ارتفعت أسعار الذرة والعدس والزيت واللحوم واللبن والدقيق إلى مستويات تفوق قدرة غالبية الأسر، بينما أصبح الجنيه السوداني يفقد قيمته بصورة متواصلة، في الوقت الذي ظلت فيه دخول المواطنين تراوح مكانها أو تتراجع نتيجة فقدان الوظائف والأعمال الصغيرة والأنشطة الزراعية والرعوية، وهو ما دفع بعض الأسر إلى تقليص استهلاكها الغذائي إلى وجبة واحدة في اليوم، بينما تغيرت طبيعة الوجبة نفسها من طعام كان يوفر الحد الأدنى من التنوع إلى غذاء شديد البساطة يعتمد على العدس والكسرة المصنوعة من الذرة.
هذه ليست مجرد أزمة ارتفاع أسعار، وإنما انهيار تدريجي لنمط الحياة الذي عرفه سكان كردفان لعقود، لأن المزارع الذي كان ينتظر موسم الخريف ليزرع أرضه ثم يحصد محصوله ويبيع جزءاً منه ويحتفظ بجزء آخر لغذاء أسرته، لم يعد يملك اليوم ضمانة أن الأمطار ستأتي في موعدها أو أن الأرض ستنتج أو أن السوق سيمنحه سعراً عادلاً لمحصوله، والعامل الذي كان يعتمد على العمل اليومي في الزراعة أصبح بلا مورد مع تقلص المساحات المزروعة، والموظف الذي كان يتقاضى راتباً محدوداً أصلاً وجد نفسه أمام أسعار تتضاعف بينما بقي دخله عاجزاً عن اللحاق بها، والأسرة التي كانت تعتمد على الماشية باعتبارها احتياطاً مالياً وغذائياً وجدت نفسها تفقد هذا الاحتياط تحت ضغط الحرب والجفاف وارتفاع تكاليف المعيشة.
الأخطر أن شهري سبتمبر وأكتوبر، وهما من أكثر أشهر السنة صعوبة بالنسبة إلى سكان كردفان، يأتيان هذه المرة من دون الأمل المعتاد في اقتراب موسم الحصاد، لأن شح الأمطار وتقطعها أضعفا الموسم الزراعي قبل أن يبدأ بصورة فعلية، وهو ما يعني أن آلاف الأسر التي اعتادت أن تتحمل قسوة نهاية الخريف وهي تنتظر محصول نوفمبر، تجد نفسها اليوم أمام فراغ غذائي واقتصادي لا تملك ما يكفي لتجاوزه، ولذلك فإن استمرار الأزمة خلال الأشهر المقبلة قد ينقل المنطقة من حالة الجوع المتزايد إلى مرحلة أكثر خطورة إذا لم تصل إليها مساعدات إنسانية عاجلة ولم تتوفر وسائل حقيقية لحماية المدنيين ومصادر رزقهم.
وفي هذا المشهد، يبدو غياب المنظمات الإنسانية والمبادرات الخيرية عن كثير من قرى ومدن كردفان الصغيرة واحداً من أكثر جوانب الأزمة إيلاماً، لأن مناطق أخرى من السودان شهدت توسعاً في نشاط التكايا والمطابخ الجماعية والمبادرات التي تحاول توفير الطعام للأسر الفقيرة والنازحين، بينما ظل سكان قرى واسعة في كردفان يواجهون مصيرهم بموارد محلية مستنزفة أصلاً، رغم أن كثيراً منهم نزحوا أكثر من مرة وفقدوا ممتلكاتهم وأعمالهم، وأصبحوا يعيشون وسط مجتمعات محلية لا تملك هي الأخرى فائضاً يمكنها من مساعدة الآخرين.
إن الخطر الذي يتهدد كردفان لا يتمثل في الجوع وحده، لأن الجوع حين يطول أمده يفتح الطريق أمام سلسلة أخرى من الكوارث تبدأ بسوء التغذية ولا تنتهي عند انتشار الأمراض وتراجع قدرة الأسر على العلاج، خصوصاً في مناطق تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الصحية وانقطاع الأدوية وارتفاع أسعارها، ولذلك فإن المواطن الذي نجا من القصف والاشتباكات والنزوح قد يجد نفسه أمام خطر آخر لا يقل فتكاً، يتمثل في المرض الذي لا يستطيع علاجه، والجوع الذي لا يستطيع دفع ثمنه، والدواء الذي لا يستطيع الوصول إليه.
كردفان ليست منطقة هامشية في معادلة الأمن الغذائي السوداني، ولذلك فإن انهيار الإنتاج الزراعي والرعوي فيها لا يعني فقط اتساع دائرة الفقر بين سكانها، وإنما يحمل تداعيات أوسع على الأمن الغذائي في البلاد، خصوصاً إذا تزامن مع استمرار الحرب وانهيار العملة وتراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف النقل وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية، وعندما تصبح المناطق المنتجة للغذاء نفسها عاجزة عن إطعام سكانها، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت حدود الأزمة الاقتصادية العادية ودخلت مرحلة تهدد أساس قدرة المجتمع على البقاء.
من هنا، فإن الحديث عن المجاعة في كردفان لا ينبغي أن يتحول إلى انتظار لوصول الأزمة إلى مرحلة لا يستطيع أحد إنكارها، لأن وظيفة التحذير من المجاعة هي منع وقوعها قبل أن تصبح واقعاً، وليس انتظار موت الناس جوعاً حتى تبدأ الاستجابة، وما تقوله شهادات السكان عن تقلص الوجبات، وارتفاع أسعار الذرة، وانعدام فرص العمل، وفشل الموسم الزراعي، وانهيار الدخول، يجب أن يُقرأ باعتباره إنذاراً مبكراً يستوجب التحرك قبل أن تتسع دائرة الجوع بصورة يصعب احتواؤها.
وفي النهاية، فإن كردفان تقدم واحدة من أكثر الصور وضوحاً للوجه الآخر للحرب السودانية، ذلك الوجه الذي لا يظهر دائماً في صور المعارك وتحركات القوات، وإنما يظهر في مطبخ أسرة لم تعد قادرة على توفير وجبتها، وفي مزارع أنفق ما يملك على موسم لم تأت أمطاره، وفي موظف لا يكفي راتبه لشراء احتياجات أسرته، وفي طفل ينام جائعاً لأن الطعام موجود في السوق لكنه خارج قدرة أسرته، وفي مريض يعرف أن الدواء متوفر في الصيدلية لكنه لا يملك ثمنه.
ولهذا فإن وقف الحرب في السودان لا يمثل فقط مدخلاً لإنهاء القتال واستعادة الاستقرار السياسي، وإنما يمثل أيضاً شرطاً أساسياً لإنقاذ الاقتصاد الريفي، وإعادة فتح الأسواق والطرق، واستعادة النشاط الزراعي والرعوي، وتمكين الناس من العودة إلى مصادر رزقهم، ومنع الجوع من التحول إلى كارثة أوسع، لأن الرصاصة التي تقتل إنساناً في لحظة ليست وحدها ما يهدد حياة السودانيين، فهناك جوع يتقدم ببطء، ومرض ينتظر فرصة العلاج، وفقر يتسع كل يوم، وإذا استمرت الحرب على هذا النحو فإن الذين نجوا من سنوات القتال قد يجدون أنفسهم أمام معركة أخرى عنوانها البقاء على قيد الحياة.