تسميم المستقبل

لم تعد الحرب السودانية مجرد حرب على الأرض، ولا صراعاً على المدن والمطارات ومراكز القيادة. خلال أكثر من ثلاث سنوات، تحولت إلى ماكينة هائلة لتدمير الدولة واستنزاف المجتمع وإعادة تشكيل السودان على أنقاضه. لكن أخطر ما في هذه الحرب أنها لا تكتفي بتدمير ما هو قائم؛ إنها تترك وراءها أثراً قد يظل يلاحق السودانيين طويلاً بعد أن تصمت المدافع.

في هذا السياق، تأتي التقارير الأخيرة عن استخدام الكلور كسلاح كيميائي لتفتح باباً بالغ الخطورة، ليس لأن السودان يحتاج إلى جريمة جديدة تضاف إلى سجله الطويل من الفظائع، وإنما لأن الأسلحة الكيميائية تنقل الحرب إلى مستوى مختلف: من قتل الإنسان في لحظة إلى احتمال ترك آثار على صحته وبيئته ومجتمعه لسنوات وربما لعقود.

فصحيفة «نيويورك تايمز» كشفت عن ملف استخباراتي يتضمن صوراً ووثائق ومقاطع فيديو واتصالات ورسائل منسوبة إلى ضباط سودانيين، تتحدث عن مشروع عسكري لتطوير ذخائر تعتمد على الكلور خلال عام 2024، وتصنيع نحو 300 ذخيرة واختبارها، مع إشارات إلى استخدام بعضها ضد قوات الدعم السريع. وقد رفض الجيش السوداني ما ورد في الملف ووصفه بأنه بلا أساس، فيما يؤكد الخبراء أن المواد المنشورة لا تكفي وحدها لإثبات الاستخدام بصورة قاطعة، وأن الأمر يحتاج إلى تحقيق مستقل.

لكن خطورة هذه القضية لا ينبغي أن تختزل في معركة النفي والإثبات.

فالضرر الأكبر الذي يمكن أن تسببه الأسلحة الكيميائية ليس دائماً ذلك الذي تلتقطه الكاميرات في لحظة الانفجار. هناك جسد يتعرض لمادة سامة، وبيئة قد تتلوث، ومياه قد تصبح موضع شك، ومجتمعات تعيش في مناطق لا تملك أصلاً القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية أو الفحوصات اللازمة لاكتشاف آثار التعرض.

وهذا هو الجانب الذي ينبغي أن يقلق السودان والعالم أكثر من غيره.

السودان يدخل هذه المرحلة وهو يمتلك واحدة من أكثر البيئات هشاشة في العالم. الحرب دمرت مستشفيات، وأخرجت مرافق صحية من الخدمة، وقطعت سلاسل الإمداد، ودفعت الملايين إلى النزوح، ووسعت انتشار الأمراض والأوبئة. وفي بلد بهذه الهشاشة، يمكن لمواد سامة أن تتحول من سلاح في معركة إلى أزمة صحية طويلة الأمد لا تملك الدولة القدرة على قياسها أو احتوائها.

وتزداد المفارقة مرارة إذا صحت المعلومات التي أوردتها «نيويورك تايمز» عن الحصول على جزء من الكلور المستخدم في تصنيع الذخائر من محطة لمعالجة المياه في أم درمان. فالكلور الذي يصل إلى منشآت المياه لإنقاذ المدنيين من الكوليرا والأمراض الوبائية يصبح، في هذه الرواية، مادة تدخل في صناعة وسيلة للقتل.

إنها صورة تختصر شيئاً من العبث الذي وصلت إليه الحرب السودانية: المادة التي يفترض أن تحمي حياة الناس يمكن أن تتحول إلى أداة تهدد حياتهم.

ولا ينبغي أن ينتظر العالم نهاية الحرب حتى يبدأ في التفكير في آثارها الكيميائية المحتملة. فبعد توقف إطلاق النار ستبقى أسئلة ثقيلة: أين اختُبرت هذه الذخائر؟ أين خُزنت؟ أين استخدمت؟ ما المناطق التي تعرضت للغاز؟ هل تلوثت المياه أو التربة؟ كم شخصاً تعرض لها؟ وما الآثار الصحية التي يمكن أن تظهر بعد سنوات؟

هذه ليست أسئلة ترفية لخبراء البيئة والصحة العامة. إنها جزء من فاتورة الحرب التي سيضطر السودانيون إلى دفعها حتى بعد انتهاء القتال.

ومن هنا تكتسب الخطوة المرتقبة في مجلس الأمن أهمية استثنائية. فالتصويت على توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل التراب السوداني يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد تعديل فني في نظام العقوبات. الحرب أثبتت أن السلاح لا يعرف حدود دارفور، وأن خطوط الجبهة لا تستطيع احتواء تداعياته، وأن تدفق الأسلحة إلى طرفي الصراع لم يعد شأناً عسكرياً محضاً، بل أصبح أحد المحركات الرئيسية لاستمرار الحرب واتساع رقعتها.

لقد آن الأوان لأن يتعامل المجتمع الدولي مع السودان باعتباره سوقاً مفتوحة للحرب، تتدفق إليها الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة والخبرات العسكرية من الخارج، بينما يدفع السودانيون وحدهم ثمنها من أرواحهم وبيوتهم ومستقبلهم.

لكن توسيع حظر السلاح، رغم أهميته، لن يكون كافياً إذا بقي مجرد قرار على الورق. فالسودان يحتاج إلى آلية حقيقية لمراقبة الحدود ومسارات السلاح، وتعقب الجهات التي تمول وتسلح أطراف الحرب، ومحاسبة من يخرقون الحظر، ومنع تحويل السودان إلى مختبر مفتوح للأسلحة الجديدة.

والأهم من ذلك أن ملف الأسلحة الكيميائية يجب ألا يُدفن تحت ركام السياسة.

إذا كانت التقارير الأمريكية صحيحة، فإن المطلوب ليس فقط تحديد المسؤول عن إنتاج الذخائر أو إصدار أوامر استخدامها. المطلوب معرفة آثارها أيضاً. يجب فحص المناطق التي يُشتبه في تعرضها، وتحليل المياه والتربة، ومتابعة السكان صحياً، وحفظ الأدلة، وإنشاء سجل للضحايا المحتملين، حتى لا يصبح غياب التحقيق بعد سنوات هو السبب في ضياع الحقيقة.

فالحرب التي تدمر مدينة يمكن إعادة بنائها، والاقتصاد الذي ينهار يمكن أن يستعيد عافيته، وحتى المؤسسات التي تحطمت يمكن إعادة تأسيسها. أما الإنسان الذي يحمل آثار مادة سامة في جسده، أو الأرض التي تحتاج إلى سنوات من المعالجة، فقصته مختلفة.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

السودان لا يواجه فقط خطر أن يخسر حربه، بل خطر أن يرثها.

أن تنتهي المعارك بينما تبقى آثارها في أجساد الأطفال، وفي مياه القرى، وفي التربة، وفي ذاكرة الناجين، وفي نظام صحي عاجز عن معرفة حجم الضرر.

لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال الدولي الوحيد: كيف نوقف إطلاق النار؟

السؤال الذي يجب أن يأتي بعده مباشرة هو: كيف نمنع الحرب من ترك سمّها داخل السودان؟

فقد يكون من السهل إعلان نهاية الحرب في بيان سياسي، لكن تنظيف آثارها، واستعادة صحة الناس وبيئتهم، ومحاسبة من استخدموا الأسلحة المحرمة، قد يحتاج إلى سنوات طويلة.

وإذا كان مجلس الأمن سيصوت على توسيع حظر السلاح، فعليه أن يفهم أن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى وقف حقيقي لتدفق أدوات الموت.

فالسودانيون لم يعودوا يطلبون فقط أن يتوقف العالم عن مشاهدة قتلهم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى