اعيدوا الحياة للجامعات 

 

يبدو قرار وزير التعليم العالي بإغلاق المراكز الخارجية للجامعات السودانية، للوهلة الأولى، قرارًا إداريًا يراد به تنظيم أوضاع مؤسسات التعليم العالي وضبط انتشارها خارج البلاد. لكن المشكلة ليست في مبدأ التنظيم، وإنما في السؤال الذي يفترض أن يسبق القرار: هل أصبحت الجامعات السودانية داخل البلاد مهيأة أصلًا لاستقبال طلابها وأساتذتها؟

ففي بلد ما تزال الحرب تمزق مدنه، وتدفع الملايين إلى النزوح، وتحوّل الجامعات إلى مبانٍ متضررة أو متوقفة أو تفتقر إلى أبسط مقومات العملية التعليمية، يصبح إغلاق البدائل الخارجية دون توفير بديل حقيقي في الداخل أقرب إلى إغلاق أبواب التعليم نفسها.

بيان أساتذة كلية الطب بجامعة الخرطوم يقدم نموذجًا صارخًا. فأساتذة واحدة من أعرق كليات الطب في السودان أعلنوا، بأغلبية بلغت 97%، استحالة قيام الامتحانات في ظل الظروف الراهنة والنقص الحاد في الكادر الأكاديمي، وقرروا تأجيل الامتحانات إلى أجل غير مسمى، بل والمضي في استقالات جماعية.

هذه ليست مشكلة مركز خارجي، ولا خلافًا إداريًا عابرًا. إنها شهادة من داخل واحدة من أهم مؤسسات التعليم في البلاد على أن الجامعة نفسها لم تستعد عافيتها بعد.

والسؤال هنا ليس: لماذا يدرس الطلاب خارج السودان؟ بل: ما الذي فعلته الدولة حتى يصبح عودتهم ممكنة؟

لا يمكن أن تطلب من طالب الطب، أو الهندسة، أو العلوم، أن يعود إلى جامعة لا تتوافر فيها هيئة تدريس مكتملة، ولا معامل صالحة، ولا بيئة أكاديمية مستقرة، ثم تعتبر أن إغلاق المركز الذي كان يتيح له مواصلة دراسته هو انتصار للتعليم.

التعليم لا يُدار بمنطق الأوامر الإدارية وحدها. الجامعة ليست مبنى يحمل لافتة، والعودة ليست مجرد انتقال جغرافي من القاهرة أو أديس أبابا أو نيروبي إلى الخرطوم أو بورتسودان أو غيرهما. العودة الأكاديمية تحتاج إلى جامعة قادرة على التدريس والامتحان والتدريب والبحث، وإلى أستاذ قادر على أداء وظيفته، وطالب يستطيع أن يدرس في بيئة آمنة ومستقرة.

ثم إن المراكز الخارجية، بكل ما يمكن أن يقال بشأنها من ملاحظات تتعلق بالاعتماد والتنظيم والرسوم وجودة التعليم، نشأت في جزء كبير منها كاستجابة لواقع استثنائي فرضته الحرب. وكان الأولى أن تُراجع أوضاعها وفق معايير أكاديمية واضحة، وأن تُصحح الاختلالات إن وجدت، لا أن تُغلق دفعة واحدة وكأن السودان قد عاد إلى ظروف ما قبل الحرب.

الأخطر أن القرار يأتي في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى توسيع فرص التعليم لا تضييقها. فالحرب لم تقتل الأرواح وتدمر المدن فقط؛ إنها تهدد جيلًا كاملًا بالانقطاع عن التعليم. وكل طالب يُدفع إلى ترك مقعده الجامعي اليوم قد يحتاج السودان إلى سنوات طويلة لاستعادته غدًا.

ليس المطلوب الدفاع عن كل المراكز الخارجية، ولا منحها صكًا مفتوحًا. المطلوب هو ترتيب الأولويات: تهيئة الجامعات أولًا، ثم تنظيم العودة.

كان يمكن للوزارة أن تضع خارطة طريق معلنة: تقييم جاهزية كل جامعة وكل كلية، تحديد ما ينقصها من أساتذة ومعامل وبنية تحتية، وضع جدول زمني للعودة، وفي الوقت نفسه إخضاع المراكز الخارجية لمراجعة أكاديمية ومالية صارمة، مع الإبقاء على ما يثبت استيفاءه للشروط إلى حين توفر البديل.

أما أن يُغلق الباب الخارجي بينما الباب الداخلي لم يُفتح بصورة آمنة ومكتملة، فذلك لا يعيد الجامعة إلى السودان؛ بل قد يدفع الطلاب إلى خارج التعليم.

بيان أساتذة كلية الطب بجامعة الخرطوم يجب ألا يُقرأ باعتباره خلافًا بين أساتذة وإدارة. إنه إنذار.

إنذار بأن الجامعة السودانية تحتاج إلى إعادة بناء قبل أن تحتاج إلى قرارات إغلاق.

فإذا كان أساتذة كلية الطب يقولون إن الامتحانات نفسها أصبحت مستحيلة بسبب نقص الكادر والظروف الراهنة، فكيف يمكن مطالبة آلاف الطلاب الذين واصلوا تعليمهم في الخارج بالعودة غدًا وكأن شيئًا لم يحدث؟

الحرب صنعت واقعًا استثنائيًا، والقرارات التي تتعامل مع هذا الواقع بعقلية ما قبل الحرب ستنتج بالضرورة نتائج كارثية.

لا تعيدوا الطلاب بالشعارات؛ أعيدوا الحياة أولا للجامعات

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى