حين تُوطَّن المخاطر ولا تُوطَّن السلطة

بقلم : مختار الشيخ
أربعون شهرًا من الإنسانية… ومن عالم أدار ظهره لها
أربعون شهرًا من الحرب.
قد تبدو العبارة، بعد كل هذا الوقت، مجرد رقم آخر يضاف إلى قاموس المأساة السودانية. لكن أربعين شهرًا في حياة من ظلوا داخل هذه الحرب ليست رقمًا. إنها عمر كامل من الخوف والجوع والنزوح والفقد؛ أربعون شهرًا يستيقظ فيها الإنسان وهو لا يعرف إن كان سيجد طعامًا في آخر النهار، أو سقفًا ينام تحته، أو إن كان الأشخاص الذين يحبهم سيبقون أحياء حتى الصباح التالي.
خلال هذه الشهور، رأينا في السودان ما يصعب حتى على اللغة أن تحمله. رأينا أناسًا يأكلون أوراق الشجر، وآخرين يقتاتون على علف الحيوانات. رأينا مدنًا تحاصر، وقرى تفرغ من أهلها، وعائلات تفقد بيوتها ثم تفقد، في رحلة النزوح نفسها، ما تبقى لها من أهل.
والعالم، في جانب كبير منه، كان ينظر إلى مكان آخر.
ربما لأن هذه المأساة تحدث بعيدًا عن مراكز العالم التي تحدد ما يستحق أن يكون خبرًا عاجلًا، وما يستحق أن يبقى في صدر نشرات الأخبار. وربما لأن السودانيين، مثل كثيرين غيرهم في أطراف هذا العالم، لم يحظوا بالقدر نفسه من الاكتراث الذي تحظى به حياة بشر آخرين.
لكن وسط هذا الخراب كله، حدث شيء يستحق أن يُروى.
رأينا السودان الذي ظللنا نحلم به طويلًا.
بحثنا عنه سنوات تحت الديكتاتورية. لمحناه، للحظة، في الثورة. ثم رأيناه ينتزع من أيدينا بعد الانقلاب. والمفارقة أننا وجدناه مرة أخرى في أكثر اللحظات قسوة: وسط الحرب.
وجدناه في الناس.
في شاب يحمل الماء إلى حي محاصر. في امرأة تشعل النار لتطبخ لعشرات الأسر بينما القصف قريب. في طبيب يفتح عيادة بما توفر. وفي شباب يحولون البيوت والمدارس إلى مطابخ ومراكز إيواء. وفي آلاف الأشخاص الذين قرروا، حين تراجعت الدولة وتعطلت المنظمات وضاقت طرق الوصول، ألا يتركوا جيرانهم وحدهم.
كان الناس يحملون بعضهم بعضًا، بالمعنى الحرفي للكلمة… كأن ما سقط من مؤسسات الدولة، التقطته أيدي الناس.
ولولا هذا التدفق الهائل من التضامن، يصعب تخيل إلى أين كان يمكن أن تصل الكارثة.
كان يمكن لهذه التجربة، لو رويت كما ينبغي، أن تكون واحدة من أهم حكايات العمل الإنساني المحلي في عصرنا. ليس لأنها مثالية، ولا لأنها بلا أخطاء، وإنما لأنها ولدت من الضرورة نفسها: مجتمعات اكتشفت أن عليها أن تبني وسائل بقائها بيديها.
لكن للحكاية وجهًا آخر.
وجهًا أقل احتفاءً، وأكثر قسوة.
خلال سنوات العمل وسط هذه الحرب، سمعت، مثل كثيرين، قاموسًا كاملًا عن “التوطين” و”الشراكة” و”إدارة المخاطر” و”واجب الرعاية” و”الحماية” ومبدأ “عدم إلحاق الضرر”.
مصطلحات ضرورية، ووراء كثير منها عقود من الخبرة والمعايير والقوانين.
لكن الحرب علمتنا أن هناك مسافة شاسعة بين وجود المبدأ في وثيقة، ووجوده في حياة الشخص الذي يقف في آخر سلسلة الاستجابة.
كنا نحدد المخاطر ونشرحها. تُدوَّن في مصفوفات المخاطر، وتدخل في المقترحات والتقارير والاجتماعات. لكن السؤال الذي صار يُلح عليَّ مع مرور الوقت كان أبسط من كل تلك الأدوات:
بعد أن نحدد الخطر… من الذي يحمله؟
في حالات كثيرة، اكتشفت أن ما نسميه “إدارة المخاطر” لا يعني بالضرورة تقاسمها أو تخفيفها. أحيانًا لا يحدث أكثر من أن تنتقل المخاطر، بهدوء، من أعلى السلسلة إلى أسفلها.
من المانح إلى الوسيط، ومن الوسيط إلى المؤسسة الوطنية، حتى تصل في النهاية إلى الشخص الموجود في الميدان؛ ذلك الذي يملك أكبر قدر من التعرض للخطر، وأقل قدر من السلطة على القرارات التي تصنعه.
نحتاج إلى معرفته بالسياق، وإلى علاقاته، وإلى ثقة المجتمع فيه. نحتاج إليه ليصل إلى المكان الذي لا يستطيع الآخرون الوصول إليه، وليشتري ويوزع وينسق ويتفاوض ويتحقق من المعلومات.
ومن معرفته تُكتب التقارير، ومن بياناته تُبنى المقترحات، ومن وصوله تنجح البرامج.
لكن عندما يأتي السؤال عن السلطة ــ من يصمم؟ من يقرر؟ من يحدد ما الذي يجوز تداوله من المعلومات؟ من يستطيع إيقاف تدخل حين يصبح خطرًا على من ينفذه؟ ــ تتغير المعادلة.

وهنا يصبح السؤال عن “توطين العمل الإنساني” أكثر إزعاجًا:
هل وطَّنَّا العمل فعلًا، أم أننا وطَّنَّا المخاطر، وأبقينا السلطة في مكان آخر؟
لا أستطيع التفكير في هذا السؤال اليوم من دون أن أفكر في حسن.
عمل زميلي حسن لنحو ثلاث سنوات ونصف في واحدة من أكثر مناطق السودان تعقيدًا. منطقة تتقاطع فيها مناطق نفوذ ثلاث قوى عسكرية مختلفة، ويصبح الانتقال بين مجتمع وآخر، في حد ذاته، مخاطرة لا يمكن لمن يجلس بعيدًا أن يقدّرها تمامًا.
ومع ذلك، ظل حسن يصل إلى الناس.
لم يكن نجمًا في المؤتمرات، ولم تكن صورته تتصدر التقارير. كان يعمل بالطريقة التي يعمل بها كثير من متطوعي السودان: بعيدًا عن الضوء… حيث لا كاميرات، ولا تصفيق، ولا منصات.
كان يساعد في إيصال الطعام والماء والمأوى، ويتابع احتياجات المجتمعات، وكان يؤدي أيضًا دورًا بالغ الحساسية في استقبال الأموال المخصصة للاستجابة وإجراء عمليات الشراء.
ولهذا اتخذ زملاؤه قرارًا بسيطًا: اسم حسن لا ينبغي أن يظهر مرتبطًا بهذا الدور.
كان ذلك جزءًا من حمايته.
لم تأتِ الفكرة من مستشار أمني في لندن أو نيروبي، ولم تكن نتيجة ورشة عن إدارة المخاطر. جاءت من أشخاص يعرفون المكان، ويعرفون القوى الموجودة فيه، ويعرفون أن معلومة صغيرة، في بيئة كهذه، قد تكون الفارق بين أن يعود الإنسان إلى بيته وألا يعود.
كان حسن يقوم بالعمل، بينما يحاول زملاؤه أن يبقوا اسمه بعيدًا عن الخطر.
ثم خرجت المعلومة من المكان الذي كان يفترض أن تبقى فيه محمية.
وهنا، بالنسبة لي، لم تعد المسألة خطأ إداريًا عابرًا.
لأن بعض الأخطاء يمكن تصحيحها برسالة اعتذار أو تعديل إجراء. أما حين تتعامل مع بيانات أشخاص يعملون وسط حرب، فالمعلومة ليست مجرد معلومة. قد تصبح اتهامًا. وقد تتحول إلى تهديد. وقد تضع حياة إنسان في مرمى الخطر.
بعد ثلاث سنوات ونصف قضاها حسن في خدمة الناس وسط الحرب، فقدناه.
ولا أريد أن تختصر حياة حسن في الطريقة التي انتهت بها.
أريد أن أتذكر كيف عاشها.
كان واحدًا من أولئك الذين يستيقظون في السودان كل صباح وهم يعرفون أن اليوم العادي ليس عاديًا على الإطلاق؛ أن الطريق إلى السوق قد لا يكون آمنًا، وأن نقطة تفتيش واحدة قد تغير كل شيء، وأن مساعدة الآخرين نفسها قد تتحول إلى تهمة.
ومع ذلك كان يذهب.
قصة حسن غيّرت علاقتي بكلمة “الشراكة”.
صرنا نستخدمها بسهولة شديدة. المانح شريك، والوسيط شريك، والمنظمة الوطنية شريك، والمجتمع المحلي شريك. تُرسم الأسهم بين المؤسسات على الورق فتبدو المنظومة متماسكة وعادلة.
لكن الشراكة الحقيقية لا تظهر حين تسير الأمور جيدًا.
تظهر حين يأتي الخطر.
من يملك القرار حينها؟ من يستطيع أن يقول: لا؟ من يستطيع تغيير تصميم البرنامج؟ من يقرر كيف تنتقل الأموال والمعلومات؟ ومن يدفع الثمن عندما تخطئ المنظومة؟
إذا كان الوصول محليًا، والمعرفة محلية، والتنفيذ محليًا، والمخاطر محلية، وفي أسوأ الحالات يكون الموت محليًا أيضًا، بينما تظل السلطة الفعلية في مكان آخر، فهناك شيء جوهري ينبغي مراجعته في الطريقة التي نفهم بها التوطين.
العامل الإنساني المحلي لا يحتاج فقط إلى المزيد من التدريب أو التمويل أو عبارات الامتنان.
يحتاج إلى سلطة حقيقية داخل العملية التي يُطلب منه أن يخاطر بحياته من أجلها.
أن يكون شريكًا في تصميم التدخل، لا مجرد منفذ له. أن يقرر كيف تستخدم معلوماته ومعلومات زملائه. أن يستطيع الاعتراض على مسار تمويل أو إجراء أو قرار يراه خطرًا. وأن تكون لديه القدرة على أن يقول لمن يجلس على بعد آلاف الكيلومترات:
بهذه الطريقة، قد يقتلني هذا التدخل الذي يفترض أنه يساعد الناس.
هذه السلطة ليست ترفًا إداريًا.
إنها جزء من الحماية.
بعد أكثر من أربعين شهرًا من الحرب، ما زال آلاف السودانيين يستيقظون كل صباح ويفعلون ما كان حسن يفعله.
يفتحون المطابخ. يبحثون عن الماء. يشترون الدواء. يدخلون الأحياء المحاصرة. يتفاوضون من أجل مرور المساعدات. يحصون الاحتياجات، ويحاولون أن يبقوا شخصًا آخر على قيد الحياة ليوم إضافي.
ولا أحد منهم يعرف، وهو يغادر بيته صباحًا، إن كان المساء سيعيده إليه.
ربما لهذا السبب أعود، بعد كل ما حدث، إلى ذلك السودان الذي حلمنا به.
رأيناه للحظة في الثورة، ثم بدا لنا أنه ضاع.
لكن الحرب، بكل وحشيتها، كشفت أنه لم يختفِ تمامًا.
كان موجودًا في الناس الذين حملوا بعضهم حين سقط كل شيء آخر… في تلك الأيدي التي ظلت ممدودة، حتى حين لم يبقَ في الأفق ما يطمئن.
كان حسن واحدًا منهم.
وهناك، في مكان ما، حسن آخر يفعل الشيء نفسه الآن؛ في السودان، وفي غزة، وفي ميانمار، وفي أوكرانيا، وفي أماكن كثيرة لا تصل أسماؤها أصلًا إلى نشرات الأخبار.
من السهل أن نسمي هؤلاء أبطالًا.
والأصعب أن نسأل أنفسنا إن كنا قد عاملناهم بما يليق بما حملوه عنا جميعًا.
لا يكفي أن نحتفي بشجاعتهم بينما نبني نظامًا يحتاج إلى هذه الشجاعة كي يعوض عجزه عن حمايتهم.
ولا ينبغي أن نسميها شراكة إذا انتهت الشراكة عند اللحظة التي بدأ فيها الخطر.
ولا أن نسميها توطينًا إذا انتقل التنفيذ إلى الناس وبقيت السلطة بعيدة عنهم.
بعد أربعين شهرًا، ربما يكون هذا أحد الدروس التي دفعنا ثمنًا باهظًا جدًا كي نتعلمها:
من يحمل الخطر يجب أن يحمل معه شيئًا من السلطة.
ليس مكافأة له، ولا منة عليه، بل لأن تلك السلطة قد تكون، في مكان مثل السودان، واحدة من آخر وسائل الحماية المتبقية.
وهذا، في أقل تقدير، ما ندين به لحسن.
ولكل من سيستيقظ غدًا، ويحمل خوفه معه، ثم يخرج مرة أخرى لأن هناك إنسانًا آخر ينتظر ماءً أو دواءً أو وجبة، ولأن الإنسانية، حين تخلت عنها المؤسسات، بقيت حية في أيدي الناس…
كأنها نور صغير يمشي بين الركام، لا يملك أن يبدد الظلام كله، لكنه يرفض أن ينطفئ.
#اليوم_العالمي_للعمل_الإنساني





