جيش للدولة لا للأحزاب 

  خالد شاويش

في الذكرى الثانية والسبعين لسودنة قيادة الجيش السوداني، لا ينبغي أن تكون المناسبة مجرد استعادة لحدث تاريخي، مهما كانت أهميته، وإنما فرصة للتفكير في مستقبل المؤسسة العسكرية نفسها، ودورها في الدولة السودانية بعد الحرب. فإذا كانت سودنة قيادة الجيش قد مثّلت في وقتها خطوة مهمة نحو استكمال السيادة الوطنية، فإن التحدي الذي يواجه السودان اليوم هو بناء مؤسسة عسكرية وطنية حديثة، تستند إلى المهنية والانضباط والقانون، وتكون ملكًا للشعب والدولة، لا لجماعة سياسية أو حزب أو قائد.

لقد أثبتت تجربة السودان، منذ الاستقلال، أن مشكلة الجيش لم تكن دائمًا في قوته أو ضعفه، وإنما في موقعه من الدولة والسياسة. فكلما تداخلت المؤسسة العسكرية مع العمل السياسي، أصبحت الدولة أكثر هشاشة، وتحولت القوات المسلحة من مؤسسة لحماية النظام الدستوري إلى لاعب مباشر في تحديد شكل الحكم ومستقبل البلاد. ولذلك فإن إعادة بناء الجيش بعد الحرب يجب ألا تقتصر على إعادة ترتيب الوحدات والتسليح والقيادات، بل ينبغي أن تبدأ من إعادة تعريف علاقة المؤسسة العسكرية بالدولة والمجتمع والسياسة.

السودان يحتاج، قبل أي شيء، إلى جيش واحد.

هذه ليست مجرد عبارة سياسية، وإنما شرط أساسي لبناء الدولة الحديثة. فلا يمكن أن تستقر دولة في ظل تعدد الجيوش والقوات المسلحة، أو وجود تشكيلات عسكرية تمتلك قيادات وموارد وقرارات مستقلة عن السلطة الدستورية. كما لا يمكن أن تكون هناك دولة مستقرة بينما تحتفظ قوى سياسية أو اجتماعية أو عسكرية بقوات مسلحة خارج البنية الوطنية الموحدة.

لقد أظهرت الحرب الحالية الكلفة الهائلة التي يدفعها السودان نتيجة تعدد مراكز القوة المسلحة. فالحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، وإنما كشفت أزمة أعمق تتعلق ببنية الدولة نفسها، وبكيفية إدارة السلاح، وبغياب اتفاق وطني مستقر حول المؤسسة العسكرية والأمنية.

ولهذا فإن مرحلة ما بعد الحرب ينبغي أن تتجه بوضوح نحو احتكار الدولة للسلاح، وبناء مؤسسة عسكرية موحدة، وإعادة تنظيم جميع القوات وفق قواعد دستورية وقانونية ومهنية واضحة.

عقيدة وطنية

إعادة بناء الجيش لا يمكن أن تبدأ من الأسماء والرتب فقط، بل من العقيدة العسكرية.

فالجيش الوطني يحتاج إلى عقيدة تحدد بوضوح من هو العدو، وما هي مهمة القوات المسلحة، وما حدود تدخلها في الحياة السياسية، وما علاقتها بالسلطة المدنية، وما هي القواعد التي تحكم استخدام القوة.

العقيدة العسكرية الوطنية يجب أن تقوم على حماية السودان وسيادته ووحدة أراضيه وشعبه ودستوره، لا حماية حزب أو جماعة أو أيديولوجيا أو شخص.

وهنا تبرز أهمية مراجعة كل أشكال التسييس التي تعرضت لها المؤسسة العسكرية عبر العقود الماضية. فالجيش الذي يصبح جزءًا من الصراع السياسي يفقد تدريجيًا صورته كمؤسسة وطنية جامعة، ويبدأ المجتمع نفسه في النظر إليه من خلال الانتماءات السياسية والجهوية.

وهذا خطر لا يمكن لدولة تريد بناء مستقبل مستقر أن تقبله.

من أهم شروط بناء المؤسسة العسكرية الجديدة إبعاد العمل الحزبي والسياسي عن الجيش.

لا يعني ذلك أن أفراد القوات المسلحة يفقدون حقوقهم كمواطنين، وإنما يعني أن المؤسسة العسكرية نفسها يجب ألا تكون امتدادًا لأي تنظيم سياسي، وألا تستخدم الثكنات والقوات والموارد العسكرية لخدمة مشروع سياسي.

كما ينبغي أن تكون التعيينات والترقيات والإحالات إلى المعاش قائمة على الكفاءة والخبرة والانضباط، لا على الولاء السياسي أو الشخصي.

إن بناء جيش مهني يتطلب إنهاء قاعدة الولاء للأفراد، واستبدالها بولاء واضح للمؤسسة والدستور والقانون.

فالضابط الذي يدين بالولاء لشخص أكثر من ولائه للمؤسسة يمكن أن يتحول، في لحظة سياسية معينة، إلى جزء من الأزمة بدلًا من أن يكون جزءًا من الحل.

القيادة والمحاسبة

المهنية العسكرية لا تعني غياب المحاسبة، بل العكس تمامًا.

فالمؤسسة العسكرية القوية هي التي تعمل وفق القانون، وتملك آليات واضحة للمساءلة والانضباط. ولذلك ينبغي أن تخضع القوات المسلحة، مثل بقية مؤسسات الدولة، لنظام قانوني واضح يحدد مسؤوليات القيادة وحقوق الأفراد وواجباتهم.

كما ينبغي أن تكون هناك قواعد شفافة للتعامل مع الانتهاكات التي ارتكبت أثناء الحرب، بحيث لا تتحول العدالة إلى عملية انتقام سياسي، ولا تتحول الحصانة إلى وسيلة للإفلات من المسؤولية.

الدولة الجديدة تحتاج إلى معادلة دقيقة: حماية المؤسسة العسكرية من التسييس، وحماية المجتمع في الوقت نفسه من إساءة استخدام القوة.

وهذا لا يتحقق إلا بسيادة القانون.

بعد الحرب ستكون هناك حاجة إلى عملية واسعة لإعادة هيكلة القطاع العسكري والأمني.

هذه العملية ينبغي أن تبدأ بتقييم شامل للقوات الموجودة، وأوضاعها التنظيمية، وتسليحها، وانتشارها، وقياداتها، ومدى توافقها مع القواعد المهنية والعسكرية.

كما يجب وضع معايير واضحة للدمج وإعادة التأهيل والتسريح، بحيث لا يتحول دمج القوات إلى مجرد توزيع للمناصب والرتب.

فالدمج الحقيقي يعني إخضاع جميع القوات إلى قيادة وطنية واحدة، ونظم تدريب واحدة، وقوانين واحدة، وعقيدة عسكرية واحدة.

أما الجمع بين تشكيلات مختلفة داخل مؤسسة واحدة مع بقاء الولاءات القديمة والهياكل الموازية، فلن يكون سوى تأجيل للأزمة.

من المهم أيضًا أن يعكس الجيش السوداني تنوع المجتمع.

السودان بلد متعدد القوميات والثقافات والأقاليم، ولذلك ينبغي أن تكون القوات المسلحة مؤسسة يشعر كل سوداني بأنها تمثله وتحميه.

إن العدالة في التجنيد والتأهيل والترقي والترفيع ليست قضية رمزية، وإنما جزء من بناء الثقة بين الجيش والمجتمع.

ولا يمكن أن تكون هناك مؤسسة عسكرية وطنية إذا شعر جزء من السودانيين بأنها تمثل منطقة أو جماعة أو مركزًا سياسيًا بعينه.

الجيش الوطني ينبغي أن يكون صورة مصغرة للسودان كله، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، ومن الوسط إلى دارفور وكردفان والنيل الأزرق، بكل تنوعه الاجتماعي والثقافي.

القطاع الأمني

ولا يمكن إصلاح الجيش بمعزل عن إصلاح القطاع الأمني بأكمله.

فالشرطة وأجهزة الاستخبارات والأجهزة الأمنية والقوات النظامية الأخرى تحتاج إلى مراجعة شاملة لعلاقتها بالدولة والمواطن والقانون.

المبدأ الأساسي يجب أن يكون أن القوة المسلحة والأجهزة الأمنية أدوات للدولة، وليست أدوات للحكومة أو الحزب أو القيادة السياسية.

ولهذا فإن إخضاع القطاع الأمني لسلطة مدنية دستورية ليس انتقاصًا من مكانة الجيش، وإنما هو جزء من بناء الدولة الحديثة.

فالرقابة المدنية الديمقراطية على القوات المسلحة لا تعني إضعافها، بل تمنحها الشرعية والاستقرار وتحميها من التوظيف السياسي.

الدرس التاريخي

التاريخ السوداني يقدم دروسًا قاسية في هذه المسألة.

فقد عانى السودان طويلًا من الانقلابات العسكرية ومن عدم الاستقرار السياسي ومن العلاقة المضطربة بين المدنيين والعسكريين. وكل انقلاب كان يفتح الباب أمام انقلاب آخر، وكل تدخل عسكري في السياسة كان يترك وراءه أزمة جديدة تحتاج إلى سنوات لمعالجتها.

والنتيجة كانت دولة ضعيفة، ومؤسسات هشة، وحياة سياسية غير مستقرة.

لذلك لا ينبغي أن تكون مرحلة ما بعد الحرب مجرد فرصة لإعادة إنتاج الترتيبات القديمة بأسماء جديدة.

إذا انتهت الحرب وعاد الجيش إلى السلطة السياسية بنفس القواعد القديمة، فإن السودان سيكون قد خسر سنوات من الحرب دون أن يعالج جذور الأزمة.

أما إذا انتهت الحرب وبدأ معها تأسيس علاقة جديدة بين الجيش والدولة، فقد تكون المأساة بداية لتحول تاريخي.

وقد أكدت ترتيبات السلام السودانية السابقة، بدرجات مختلفة، أهمية بناء قوات مسلحة وطنية ومهنية وموحدة وغير مسيسة.

غير أن المشكلة لم تكن دائمًا في غياب النصوص، وإنما في ضعف الإرادة السياسية لتنفيذها.

ولهذا فإن أي اتفاق سلام جديد يجب ألا يكتفي بتحديد الترتيبات السياسية، وإنما يضع تصورًا واضحًا للإصلاح الأمني والعسكري، وآليات محددة لتنفيذه، وجداول زمنية قابلة للقياس، وضمانات تحول دون العودة إلى الترتيبات القديمة.

السلام الحقيقي لا يعني فقط توقف إطلاق النار.

السلام يعني معالجة أسباب العودة إلى الحرب.

ومن أهم هذه الأسباب وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، واستخدام القوات المسلحة في الصراع السياسي، وغياب الثقة بين المكونات السودانية.

من ينتصر؟

التحدي الحقيقي بعد الحرب ليس فقط معرفة من انتصر عسكريًا ومن خسر.

فحتى لو حسمت الحرب لصالح طرف، فإن السودان لن يكون قد انتصر إذا بقيت أسباب الحرب قائمة.

الانتصار العسكري يمكن أن ينهي معركة، لكنه لا يبني دولة بالضرورة.

أما الدولة فتحتاج إلى مؤسسات تستطيع البقاء بعد رحيل القادة، وإلى قوانين تستمر بعد تغير الحكومات، وإلى جيش يحمي الدستور حتى عندما لا يتفق مع الحكومة القائمة.

وهنا تكمن المسألة الجوهرية: هل يستطيع السودان أن ينتقل من منطق القوة إلى منطق المؤسسة؟

إن إعادة بناء الجيش ينبغي أن تكون جزءًا من مشروع وطني أوسع لإعادة بناء الدولة نفسها.

جيش يحمي الديمقراطية

المؤسسة العسكرية الحديثة ليست مطالبة بصناعة السياسة، وإنما بحماية النظام الدستوري الذي يختاره الشعب.

فالجيش لا يملك تفويضًا دائمًا للحكم، ولا ينبغي أن يكون حكمًا بين القوى السياسية.

مهمته أن يحمي الحدود والسيادة والوطن، وأن ينفذ القانون، وأن يلتزم بالسلطة المدنية التي يمنحها الدستور الشرعية.

وهذا يتطلب بناء ثقافة عسكرية جديدة، تبدأ منذ مراحل التدريب الأولى، تؤكد أن الديمقراطية ليست تهديدًا للجيش، وأن المدنيين ليسوا خصمًا للمؤسسة العسكرية.

وفي المقابل، ينبغي على القوى المدنية أن تدرك أن بناء جيش قوي ومهني ليس مشروعًا معاديًا للديمقراطية، بل شرط لحمايتها.

إعادة بناء المؤسسة العسكرية بعد الحرب يجب أن تكون أيضًا فرصة لبناء جيل جديد من الضباط.

جيل يتلقى تعليمه العسكري بعيدًا عن الاستقطاب الحزبي، ويعرف أن الرتبة العسكرية ليست امتيازًا سياسيًا، وأن القوة ليست مصدرًا للشرعية.

جيل يؤمن بأن الجندي يخدم الدولة لا الشخص، ويحمي المواطن لا الحزب، ويحترم القانون لا الأوامر المخالفة للدستور.

وهذا يتطلب تطوير مؤسسات التعليم والتدريب العسكري، والاستفادة من التجارب الدولية في بناء الجيوش المهنية، مع الحفاظ على خصوصية السودان واحتياجاته الوطنية.

ربما تكون أهم خطوة في مرحلة ما بعد الحرب هي صياغة عقد وطني جديد حول المؤسسة العسكرية.

عقد يشارك في صياغته المدنيون والعسكريون والخبراء والقوى السياسية والمجتمعية، ويحدد بصورة واضحة مكان الجيش في الدولة.

لا ينبغي أن يكون هذا العقد موجهًا ضد الجيش، وإنما من أجل الجيش.

جيش قوي، لكنه غير سياسي.

جيش محترف، لكنه خاضع للدستور.

جيش موحد، لكنه يعكس تنوع السودان.

جيش يمتلك القوة، لكنه لا يستخدمها إلا في إطار القانون.

جيش يحمي الدولة، ولا يتحول إلى دولة داخل الدولة.

في الذكرى الثانية والسبعين لسودنة قيادة الجيش السوداني، ربما يكون أفضل احتفاء بتاريخ المؤسسة العسكرية هو التفكير في مستقبلها.

السودان لا يحتاج بعد الحرب إلى جيش أقوى فقط، وإنما إلى جيش أكثر مهنية ووطنية وانضباطًا.

ولا يحتاج إلى إعادة إنتاج المؤسسة القديمة بالهياكل نفسها والولاءات نفسها، وإنما إلى بناء مؤسسة جديدة تستفيد من دروس الماضي وتتعلم من كلفة الحرب.

إن نقطة البداية يجب أن تكون واضحة: جيش واحد، عقيدة وطنية واحدة، قيادة مهنية واحدة، وسلطة سياسية مدنية واحدة.

وإذا نجح السودان في بناء هذه المعادلة، فإنه لن يكون قد أعاد بناء جيشه فقط، بل يكون قد وضع إحدى أهم لبنات الدولة التي طال انتظارها.

فالجيش الوطني ليس جيش جماعة، ولا حزبًا، ولا قائدًا.

إنه جيش الوطن.

ومهمته الأولى والأخيرة أن يحمي السودان، وسيادته، وشعبه، ودستوره.

أما أعظم انتصار يمكن أن يتحقق بعد هذه الحرب، فليس أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن ينتصر السودان على الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة من الأساس.

رئيس الجبهة الشعبية المتحدة القيادي بتحالف صمود

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى